Tuesday, 23 October 2012

Jameel Mardam Bey




الإهـــداء

إلى جميل مردم بك:  
الذي أبى التاريخ إلا أن يذكره
وأبت الصعاب إلا أن تصارعه
وأبى الردى إلا أن يصاحبه
وأبت الدموع إلا أن تغسّله






شكر وتقدير

لعلي في هذه الصفحات الغالية، أُوفي من سأشكرهم ولو اليسير من الشكر، على ما بذلوه لي من عون في إنجاز هذا العمل. فإلى أخي الكبير حفظه الله تعالى عثمان، وإلى أبنائي مأمون وغالية رضي الله عنهما وأرضاهما، وأبناء الخالة د. عمرو أرمنازي، ورفعت شيخ الأرض، وابنة العم العزيزة سعاد مردم بك وزوجها عماد عبد الهادي، والأخ الفاضل غسان مزاحم، والأخ محمد علي جمعة، والآنسة هبة بطيخة من دار ـطـلاس، وصديق الطفولة الغالي نبيل قوتلي، والابن كمال القادري.
والشكر الخاص والكبير إلى رفيقة الدرب، وصديقة العمر وأنيسة الحياة، زوجتي الغالية ميسون زهير الهبل حفظها الله تعالى آمين.




التاريخ فرعان

فرع يسرد الأحداث بحسب تواترها وهو ما يقوم به المؤرخ،
وفرع يحكم على مواقف الأفراد من تلك الأحداث وهو ما يقوم به الباحث.
والمؤرخ والباحث يكمل بعضهما الآخر
في إظهار حقيقة الناس والحكم عليهم،
سلباً وإيجاباً: فإما إلى مملكة التاريخ،
وإما إلى مزبلة التاريخ.
                                             




بسم الله الرحمن الرحيم


كلمة حق

هذه كلمة حق قيلت، وما أقلّ ما يُقال في هذه الأيام من كلمات حق إظهاراً للحقيقة التي قد تُعجب البعض وقد تُزعج الكثيرين. ولقد أعجبني هذا المقال عندما دخلتُ على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) فرغبتُ أن أدرجه في مطلع هذا الكتاب عرفاناً مني بجميل من كتبته (زينب نطفجي) ذات الشجاعة الفكرية والوطنية الصادقة، تقول زينب: في الذكرى الستين للجلاء (17 نيسان 2006)، أطلق السيد جورج كدر من موقع سيريانيوز جولةً ورأياً لافتاً حول الجلاء، كان أهم ما جاء فيه رأيٌ للدكتور سامي المبيض، يقول:
صحيح أن الجلاء تحقَّق جزءٌ منه بالسلاح، لكن الجزء الأهم تحقق بالنضال الدبلوماسي لصانعيه: شكري القوتلي، سعد الله الجابري، هاشم الأتاسي، جميل مردم بك، فخري البارودي، فارس الخوري، وغيرهم.
وطالب الدكتور المبيض ـ مشكوراً ـ بتكريمهم. أما السيد جمال المنصور فقال:
إن أبطال الجلاء عمليّاً هم رجال السياسة، وليسوا رجال السلاح.
لكن في العام 2006 نفسه، انبرت عدةُ مواقع إلكترونية لإعادة فتح ملف "تخوين" ما سمَّته بـ "الرجعية السورية"، مركزةً على شخص السيد جميل مردم بك، حيث ظهر على مواقع (مكتوب) و(منتديات بوابة ماجدة) و(منتديات سندباد)، بتاريخ 08/10/2006، مقالٌ بعنوان "هؤلاء أضاعوا فلسطين" بقلم السيد محمد الوليدي، مذيَّلاً بقصيدة عمر أبو ريشة الذائعة الصيت "أمتي"، المختلَف عليها في الوقت نفسه. تلاه موقع (منتديات أسواق المربد) في 12/10 و(صحيفة بوابة فلسطين) في 31/10، وكذلك (منتدى التجديد الإسلامي)، نقلاً عن جريدة (صوت الوطن) اليومية الفلسطينية. ثم عاد للظهور على موقع (بوابة ماجدة) في 06/06/2007  ما يبدو وكأنه حملة منظمة ومستمرة. كما أعيد التشكيك في هؤلاء الوطنيين في كتاب (محمد جمال باروت في تحريره لمذكرات السيد أحمد نهاد السياف).
لذلك، في ذكرى الجلاء لهذا العام 2007، سيكون من الإنصاف العودة إلى هذه الفترة من التاريخ السوري وإضاءتها. فالجلاء هو، جزماً، كما أراده منجزوه، عنوان ورمز لإصرار عنيد: إنجاز يكاد أن يكون غير مسبوق في العام 1946: جلاء آخر جندي أجنبي عن الأراضي السورية مع عدم الارتباط بأية معاهدة أو أي اتفاق سوى ميثاقَيّ جامعة الدول العربية والأمم المتحدة ـ وكلاهما ساهمت سورية في صياغته من خلال أشخاص من "الكتلة الوطنية" (كان أبرزهم جميل مردم بك) فهم من جيل استثنائي وهو استثناء من هذا الجيل.
ارتبط النضال الوطني من أجل السيادة والاستقلال بالدفاع، بالشدة والدرجة عينهما، عن الديموقراطية والمبادئ الدستورية. وهذا الموقف كان مدخل "الكتلة الوطنية" إلى مناهضة الانتداب، منذ العام 1928 حتى النهاية. فقد انطلقت المواجهات دائماً من البرلمان وانتهت فيه. والجلاء إنجاز تراكمي تاريخي تعود بداياته إلى مستهل القرن العشرين، لأن منجزيه كانوا في الأساس مناهضين للاستبداد العثماني. فكان الاستقلال السوري الأول في العام 1920، حيث انضموا إلى الثورة السورية وانخرطوا فيها حتى نهايتها. وقد اعتُقلوا وحوكموا بأمر من جمال باشا، وصدرت أحكام إعدام بحقِّهم إبان الحكم العثماني، كما وإبان الانتداب. وقد تراكمت تجربتهم وخبرتهم لتترسخ شيئاً فشيئاً وعياً بأفضلية العمل السياسي العلني الديموقراطي واللاعنفي.
لذا ترانا لا نتجاهل أيَّ جزء من تاريخنا، لا ننفيه، ولا نقلل من شأنه، لأنه نحن، ولأنه يحمل هويتنا الحقيقية كما هي فعلاً. ولذلك حين نعود إلى رجالات الاستقلال، نرى أنه قد تبلورت لديهم، في وعيهم، جدليةُ العوامل الداخلية والخارجية، مما أدى إلى تمايُز واضح بين حالتي العمل المسلح والعمل المدني السياسي، مؤكدةً عقم الأول نظراً لارتهان مقومات استمراره بعوامل لا يملك الثوار إمكانية السيطرة عليها، كما اتضح من تجارب هنانو والشيخ العلي والثورة السورية الكبرى التي ـ على رجاحة فاعليتها واتساعها وطول مدتها النسبي ـ كانت أكلافها عالية جدّاً على الصعيد البشري وبما تسببت فيه من دمار وخراب، ناهيكم عن التضحيات الهائلة المبذولة.
ونشير هنا إلى أن تلك المرحلة من النضال الوطني من أجل الجلاء قد هُمِّشتْ فترة طويلة، بما يجعل هذا التهميش يكاد يصل إلى حدِّ الإقصاء من التاريخ الوطني. فكلما تكلمنا عن الجلاء اختصرناه في الثورات السورية وقادتها الأبطال (وهم بالتأكيد كذلك)، ثم نشير إلى استكمال الشعب السوري لمسيرته الاستقلالية، مغفلين القيادة الوطنية لتلك المرحلة، فيما يبدو وكأنه إقصاء واضح ومحو متعمد للذاكرة الوطنية. وهذا بات جليّاً في هذه الأيام، حيث تُوِّجَ هذا النهج بالتصميم على استئصال اسم الملك فيصل من الذاكرة السورية، بهدم الشارع الذي حفظ لهذا الإنسان رمزيتَه التي يستحقها عن جدارة: فالملك فيصل كان المجسِّد للكيان السوري لأول مرة في التاريخ، وكان واضعه على الخارطة السياسية. فقبله كانت سورية مجرد جزء من ولاية ضمن الإمبراطورية العثمانية، سواء أعجبنا هذا أم لا، وسواء تعارَض مع الأماني القومية لبعض مستعمليه أو لم يتعارض. لذلك نستأذن للتركيز على هذه المرحلة الثانية من النضال الوطني السوري، المؤسِّسة للكيان السوري فعلاً، في محاولة للتصالح مع هذا الكيان، تعبيراً عن أمل في تصالُح سورية مع نفسها، مع تاريخها، ومع مكوِّناتها العديدة.
ابتدأ مسير الاستقلال، إذن، بالثورات السورية، المنتهية في العام 1926، ليستمر مطلباً للانتخابات والدستور ثم المعاهدة، منتقلاً لمطلب السيادة التامة، رافضاً انتقاصه بأية معاهدة أو تحالف. وكان هذا ما تحقق بقيادة "الكتلة الوطنية" حتى العام 1941، ثم "حزب الشعب" و"الحزب الوطني" حتى العام 1945. ونشير هنا إلى أن قيادة الكتلة لم تهمِّش المشاركات الأخرى من المستقلين أو الأحزاب التي تشكلت لاحقاً، كالحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي العربي والإخوان المسلمين والقيادات الشعبية في الأحياء، وصولاً إلى "الحرامية"، حيث يشير كلٌّ من السيدين لطفي الحفار وفخري البارودي في مذكراتهما إلى أن السيد أبو أحمد الزيبق تطوَّع لحماية المحلات التجارية من السلب والنهب عندما كُسِرَت أقفالها في محاولة لفضِّ الإضراب الستيني.
وهكذا شكلت "الكتلة الوطنية" ومناوئوها والمستقلون عنها لوحةً سوريةً رائعة الجمال بمكوناتها المتنوعة والمختلفة، لوحة احتوت الطيف السوري الديني والقومي والمناطقي كاملاً، فعبَّرت عنه بوحدة وطنية حقيقية سطعت مثالاً رائعاً استشهد به نهرو في كتابه "لمحات من تاريخ العالم"، حيث دعا الشعب الهندي إلى التعلم من مسلمي سورية. وقد مورست هذه الوحدة ممارسةً ديموقراطيةً كاملة: بمعنى عدم غياب التنافس والتطاحن على المراكز القيادية والمناصب والسعي إلى السلطة، سواء داخل الكتلة أو خارجها، تحت السقف المحدد لكلِّ مرحلة، كما تم التوافق عليه، وكما يجري التنازع على السلطة في الديموقراطيات كلِّها تحت سقف "عقد اجتماعي" متوافَق عليه أيضاً، هو الدستور تنافس سلمي لم يقطعه سوى مقتل الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، الشخصية الوطنية البارزة في تلك الفترة، ومحاولة إلصاق مسؤولية الاغتيال هذه بالكتلة الوطنية.
ومن أكثر شخصيات "الكتلة" إثارة للجدل جميل مردم بك. فقد وُجِّهتْ إليه اتهاماتٌ كثيرة، بدءاً من التلكؤ في رفض مشروع المعاهدة الفرنسية في العام 1932، ثم التساهل في معاهدة 1936، وصولاً إلى قضية الإسكندرون، مضافاً إلى ذلك كلِّه اتهام الكتلة باغتيال الشهبندر وتركيز الاتهام عليه آنذاك باعتقال مدير مكتبه السيد عصام النائلي، وأخيراً الاتهام بالخيانة أو التقصير الذي طال "الرجعية العربية" عموماً في حرب فلسطين 1948، والذي نال منه السيد جميل مردم بك الحصة الأكبر على الصعيد السوري، في توطئة لمنهجية الانقلابات العسكرية التي عمَّت المنطقة لاحقاً، فقطعت تطورها الدستوري الديموقراطي البرلماني حملة أسَّستْ للاستبداد الذي شمل المنطقة، والذي أثمرت مفاعيلُه عن أزماتنا الراهنة على الأصعدة كلِّها. لذلك تركَّز الهجوم الأخير، مرة أخرى أيضاً، على السيد جميل مردم بك، وأعيد تفعيلُه في هذه الأيام، كما ذكرنا في البداية. 


المقدمة

منذ نعومة أظفاري كان يسألني الكثير من الأهل ماذا تريد أن تكون في المستقبل فكان جوابي دائماً: أريد أن أكون إنساناً يعمل لأجل عزَّة هذا الوطن. وكان دائماً يراود ذهني عند هذه الإجابة عمي جميل بك رحمه الله تعالى، الذي بذل وضحى وأفنى عمره في سبيل كرامة وعزة واستقلال سورية حفظها الله من كل سوء.
ودارت الأيام، وتمنيت أن أخط سيرة حياة هذا الرجل العظيم الذي لم ينصفه أصحابه إلا قليلاً منهم، وجمعتني الأيام بابنة العم العزيزة سلمى كريمة جميل بك، وذلك حينما كنت في زيارة إلى لندن عام 1980 وطلبت منها أن تطلعني على أوراق والدها، فأخذتني إلى غرفة نومها وفتحت خزانة صغيرة وأرتني أكداس من الأوراق كُتب بعضها بقلم رصاص وبعضها بقلم أحمر وغيرها بالحبر القديم، ورجوتها أن تسلمني هذا الكنز، ولكنها اعتذرت مبررة ذلك بأنها سوف تقوم بكتابة حياة والدها ومذكراته. وبقيت هذه الأمنية في نفسي سنوات. وفي عام 1994 أرسلت لي ابنة العم سلمى كتابها (أوراق جميل مردم بك استقلال سورية 1939 ـ 1945) وقد حازت على درجة الدكتوراة من جامعة أوكسفور تقديراً لتأليفها هذا الكتاب. وقد أسعدني ذلك كثيراً، خاصة بعد علمي بأنها كانت تعاني من مرض السرطان الذي عانت منه وطوال فترة كتابتها. وقد توفيت رحمها الله بعد ذلك بفترة قصيرة بعد أن أهدت جميع أوراق جميل بك التي كانت لديها إلى جامعة السوربون.
وغُلّقت الأبواب في وجهي، وضاعت الفرصة الذهبية التي كنت أحلم بها، غير أن إرادة الكتابة عن حياة هذا الإنسان العزيز على قلبي لم تفتر ولم تخبُ.
كانت الأفكار تتضارب في ذهني وأنا أخط المؤلفات التي أصدرتُها والكتب التي أشرفتُ على تصميمها وطباعتها، والآن شعرتُ أن الوقت سيداهمني، ولعلّ المنية قد اقتربت مني وأنا لا أشعر بها، فكان لا بد أن أكثّف جهدي ليظهر هذا المؤلَّف إلى الوجود، عرفاناً مني بجميل هذا الرجل العظيم الذي غادر دمشق وفي قلبه غصّة وتوفي بعيداً عنها وفي نفسه حسرة.
لقد جمعت ما رواه أصحابه عنه ـ وإن كانت رواياتهم متواضعة ـ وما ذكره المؤرخون، وما ذُكر في مؤلفات خصومه (فالسياسة ليس لها صاحب)، ولقد نسجت بين السطور ما ذكره الأهل والأقارب عن ذكريات الأمس التي عاشوها وجميل بك بين ظهرانيهم، وعن بعض همسات الطفولة والشباب والكهولة التي مرت في ذاكرة المقربين من الأهل.
وإني وإن ذكرتُ بعضاً من الصفحات التي عاشها جميل مردم بك فلن أوفيه حقه من العرفان والتقدير والوفاء لإنسان ولد رجلاً وعاش عبقرياً ومات مهموماً. 


نبذة عن أسرة جميل مردم بك

ينتسب جميل بك إلى أسرة دمشقية عريقة. جدها الجامع عبد الرحمن بك بن مصطفى الضارب بأعراقه إلى الوزير الكبير لالا مصطفى باشا قائد الجيوش العثمانية وفاتح قبرص وأذربيجان وغيرها.
هذه الأسرة من أعرق أسر دمشق مجداً ووجاهة وابتعاداً عما لا يعنيها. فلم يذكر عنها على طول باعها وشدة نفوذها، ما ذكر عن سواها من حب التغلب وهضم الحقوق وأكل أموال الناس بالباطل أيام كانت هذه الأعمال ديدن أكثر الوجهاء والأغنياء، كما روى ذلك البديري الحلاق في كتابه "حوادث دمشق اليومية".
كانت هذه الأسرة تُعرف ببني القرمشي وبني مردم بك، حتى أن أكثر أجدادها كانوا يوقعون بالقرمشي تارة ومردم بك تارة أخرى، ثم اقتُصر على اللقب الثاني وتُنوسِيَ الثاني. ولمزيد من المعلومات يراجع كتاب تراجم آل مردم بك، في خمسة قرون الطبعة الثانية تأليف تميم مردم بك ففيه تفصيل تاريخ هذه العائلة منذ عام 1500 م.
عاشت أسرة مردم بك في بحبوحة ورغد تعاظمتا في عهد عزتلو(1) عثمان وعلي أبناء محمد بن عبد الرحمن وهو جد جميل بك لأبيه، وكانا يتمتعان بثراء لم يبلغه أحد في زمانهما بدمشق. بعد أن حصلا على موافقة السلطات العثمانية بحقوق أسرتهما في أوقاف جدهما وجدتهما (لا لا مصطفى باشا وفاطمة خاتون حفيدة السلطان الغوري الملك الأشرف وحامي الحرمين الشريفين)(2). وشملت هذه الأوقاف أراضٍ وممتلكات في كل من دمشق ووادي البقاع وسفوح جبال لبنان الجنوبية وحول صيدا وصفد وجنوب دمشق والشعرة والحولة والجولان وحوران وفي فلسطين. وقد جمعت العائلة ثروة طائلة من استثمارات هذه الممتلكات...
كان لرفعتلو عبد القادر بك(3) بن عزتلو عثمان بك والد جميل بك نصيب كبير منها(4).
نشأة جميل مردم بك:
ولد مردم بك في دمشق عام 1893 وهو الأصح، وقيل 1894، وقيل 1895، ولعل سبب اختلاف هذه التواريخ هو عدم وجود قيود صحيحة ومثبتة في ذلك الزمان؛ إذ كان يُكتفى في كثير من الأحيان كتابة ولادة الأبناء في مصحف الأب أو الأم، وقد فُقِد هذا المصحف في الحريق الذي لحق بدار عبد القادر بك في حريق دمشق عام 1925 أثناء الثورة السورية ضد المحتل الفرنسي.
وجميل هو الابن الثاني لعبد القادر بك، فقد كان ابنه البكر عثمان(1)، والابن الثالث(2) أديب، والرابع محمد(3).
كان عبد القادر من وجهاء مدينة دمشق ويملك ثروة كبيرة جداً من العقارات والدكاكين والأراضي الزراعية، وكان من أكثر الناس وجاهة وأطهرهم قلباً وأكثرهم كرماً وحباً للخير.
كان عضواً في محكمة استئناف الجزاء في آخر حياته، فكان مثال النزاهة والعفة، تزوج من السيدة الفاضلة خديجة خانم بنت تحسين بك، التي توفيت عام 1946 عن عمر يناهز الثمانين، كانت مثال السيدة الطاهرة، قامت بتربية أبنائها بعد وفاة عبد القادر بك عام 1902 وهو لم يتجاوز عامه السادس والخمسون. فكانت الأم والأب والصديقة، عاشت حياتها في حزن على ابنها البكر عثمان الذي توفي عام 1918.
تابعت مسيرة حياتها في انشغال على ولدها جميل الذي غادرها يافعاً إلى باريز ثم تابع حياته السياسية والنضالية حتى وفاتها. ولا زلت أذكر طيفها وأنا صغير حيث كانت تضعني في حضنها بحنان رحمها الله تعالى.
غادر جميل بك مردم بك (وسأذكر دائماً كلمة بك بعد اسمه لأنه كان بك حقاً وكلمة مردم بك هي كذلك كلمة واحدة لا تنفصل أجزاؤها فهي منذ خمسة قرون لقبٌ منحه السلطان سليم إلى جد العائلة لالا مصطفى باشا)، غادر جميل بك إلى باريز وهو في ريعان الشباب لإتمام دراسته بعد أن تلقى علومه الابتدائية والثانوية في معاهد الآباء العازاريين في دمشق، وكانت نار الحرب العالمية الأولى تأكل الناس والشجر والحجر. كانت دمشق في ضيق وجدب وكساد، وكان لا بد لجميل بك أن يتابع دراسته، وطلب من أخيه الأكبر عثمان بك (وهو جد المؤلف لأمه) بأن يشفع لدى والدته بالسماح له بالسفر، فما كان من عثمان بك ـ رغم ما كان يقاسيه من ضائقة مادية كانت تعيشها دمشق ـ إلا أنه ضحّى وقطع عن نفسه ضروراتها وأرسله إلى باريز، وهذا فضل لم ينسه جميل بك طوال حياته، وكان يذكره أمام ابنة عثمان بك الوحيدة (والدة المؤلف) هزار وفي عينيه دمعة حزن وعرفان بالجميل. وكانت الغاية من سفره إلى باريز استكمال تعليمه وإتقان العلوم الزراعية.
وكان قبل سفره قد انتسب إلى (جمعية النهضة العربية) التي كانت نواة (لجمعية العربية الفتاة) التي تأسست فيما بعد في باريز.
وكانت جمعية النهضة العربية ترتكز في نشاطها العلني على نشر الثقافة العربية واللغة العربية بين العرب الذين كانت تركيا تحاول طمس هويتهم ولغتهم، فتألفت هذه الجمعية من وجهاء ومثقفين ومفكرين برز فيهم أربعة من آل مردم بك وغيرهم من علماء ومفكرين ووجهاء. وكانت اجتماعات هذه الجمعية سرية وتحت غطاء ثقافي، وهي في الحقيقة جمعية سياسية ثقافية. وفي الصورتين أدناه تظهر أسماء بعض من أعضائها.
















وقبل أن أتناول حياة جميل بك السياسية، وقع تحت يدي مقال في مجلة (أعلام العرب في السياسة والأدب) جمعها وعني بطبعها ونشرها روحي المولودي، مطبعة ابن زيدون يقول المقال:
وقف الزمان ساعة عن الدوران، يوم مولد           جميل مردم بك، منصتاً متلفتاً، ينظر إليه: أملكاً جاء هذا  أم بشراً، كما تنصت النفساء لدى الوضع لتعلم أأنثى        رزقها الله أم ذكراً؟.
ثم يقول واصفاً جميل بك:
يفاجئ الأحداث السياسية قبل وقوعها فيعالجها بمهارة فائقة، فيظن البعض أن في مبدئه التواء وليس هو إلا عدة الكفاح ووسائل القتال. فلكل داء عنده دواء، ولكل سبب حكم على مقتضى الحال.
يرى السياسة الموضوعية خيطاً في السياسة العالمية الكبرى فلا تنفك بين أخذٍ ورد، وشدٍ ومد، وصعودٍ وهبوط ـ كأسعار البورصة في الأسواق المالية ـ فيتدبر لها من أمره ما شاء ويُظن أنه عُزل من السلاح حتى إذا التحم مع خصمه ظهر جباراً لا يُرام. ويتابع المقال واصفاً خواص جميل بك:
سياسي عالمي، وعَلَم من أعلام العرب في البلاد المشمولة بالانتداب الفرنسي، يجرب الشؤون العامة بمناهج متنوعة وأساليب متباعدة، فيدخل من باب ويخرج من آخر، فلا تنزلق رجله ولا تزلُّ به قدم في مزالقها الرجراجة، وإذا حياه عدوه بتحية ونادى "حي على الفلاح" ـ السلم لمن يريد السلم ـ أجابه بتحية أحسن منها وألطف. وتقدم إليه بكلتا يديه.
أما أقوال الناس فيه فيقول كاتب المقال:
ما سَلِمَ من ألسنتهم بل عابوا لونه حيناً وطعنوا في مذهبه ورموا موقفه بالشك والاتهام حيناً آخر، وهو في عين الوقت ما برح ابن عقيدة راسخة وإيمان قوي، غير أنهم رأوا عدة الجهاد عنده شتى الأشكال والألوان، فقصروا عن إدراكها، والهدف لديه واحد لا يزيد!... ولا عجب فالناس صنفان: منهم من يعلم أنّ عمله مجيد ولا يريد أن يعلم، ومنهم من لا يعلم لأنه لا يقدر أن يعلم، وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟
أما عن مزاياه ومقامه الاجتماعي فقال:
يستعرض المستقبل بقلبه، كما يرى الإنسان صور الماضي والحاضر بعينه. وهو عصب الكتلة الوطنية، والحركة المستمرة فيها.
وخُتم المقال بموقف جميل بك مما يجري حوله:
طالما باشر الأحداث الوطنية وحادثاتها، فكانت بدايته موضع النهاية لسواه. وأوله آخراً لخلافه، فيخلع الثوب العتيق عن جسده، فيتخذه الآخرون لباساً جديداً نظيفاً.
ويغوص في لُجة البحر، ثم يخرج منها بلا بلل، ويخوض غمرة الميدان ولا يعلق عليه غبار المعركة!!...



حياة جميل بك السياسية

بدأ جميل بك الحياة السياسية منذ وصوله إلى باريز في مطلع القرن العشرين فانتسب إلى كلية العلوم الزراعية، وانتسب في الوقت نفسه إلى معهد العلوم السياسية في باريز.
في عام 1911 أسس بالاشتراك مع مجموعة من الشباب المثقف جمعية سرية سميت "جمعية العربية الفتاة" في مدينة باريز وذلك لتحرير الأرض العربية من الهيمنة العثمانية والأجنبية، حيث ورد اسمه عضواً مؤسساً برقم 103 ورمز "N, R" 13 [13]، ولعبت هذه الجمعية الدور الأساسي والمحرك للحياة السياسية السورية حتى سقوط حكم المغفور له الملك فيصل الأول ابن الحسين الهاشمي عام 1920 م. وكان جميل بك يشغل وظيفة أمين السر المساعد، وكانت مهمته تنسيق الجهود وتصنيف المطالب الوطنية.
في عام 1913 وبدافع من "جمعية العربية الفتاة"  بادر جميل مردم بك عن دمشق مع زملائه: عبد الغني العريسي عن بيروت، عوني عبد الهادي عن نابلس،  محمد المحمصاني عن بيروت، توفيق فائد عن بيروت، للتحضير والدعوة إلى مؤتمر باريز المعروف         "بالمؤتمر العربي الأول"، فعمل كمنسق عام لأعمال المؤتمر. وورد في كتاب "المؤتمر العربي الأول قضايا وحوارات النهضة العربية" منشورات وزارة الثقافة 1996 دمشق  ط 2 محمد كامل الخطيب:
المؤتمر العربي الأول
انعقد المؤتمر في القاعة الكبرى للجمعية الجغرافية الفرنسية بشارع سان جيرمان (Rue St Germain).
وأراد أصحاب فكرة المؤتمر أن يعلموا مكان هذه الفكرة من الأهمية في نفوس الأمة العربية ففاوضوا في ذلك الأديب الكبير شكري غانم وندرة مطران وغيرهما، ثم دعوا أقرب الناس إليهم من أبناء هذه الأمة وهم الجالية العربية في باريز، وكاشفوهم في ذلك فوجدوا منهم استحساناً وتنشيطاً.
وبالفعل جرى انتخاب لجنة من هذه الجالية لمخابرة زعماء النهضة العربية في الأقطار، وقد تم انتخاب أعضاء اللجنة من الجالية العربية في باريز:
شكري غانم ـ عبد الغني العريسي ـ ندرة مطران ـ عوني عبد الهادي(1) ـ جميل مردم بك ـ شارل دباس ـ محمد المحمصاني ـ جميل معلوف وكان من أهم أعمال اللجنة التحضيرية مراسلة الجماعات العربية الكبرى في كل جهة ومفاوضتهم في هذا الأمر. وفي 11 آذار تقرر ربط هذه اللجنة بحزب اللا مركزية في مصر بصفة رسمية.
وتم وضع خطة المؤتمر وما سيجري فيه من المباحث على مشهد من أبناء الوطن وبعض كبار السياسيين الأوروبيين وممثلي الصحف الأوروبية، وهذه هي المسائل التي كانت أساس المذكرات:
1 ـ الحياة الوطنية ومناهضة الاحتلال التركي.
2 ـ ضرورة الإصلاح على قاعدة اللا مركزية.
3 ـ المهاجرة من وإلى سورية.
على أن تكون المراسلات باسم كاتب اللجنة عبد الغني العريسي وهذا عنوانه:
Abdul – Gani Araissi, 17 Rue Claude Bernard Paris
نجحت فكرة المؤتمر نجاحاً بيّناً ولم يخرج المؤتمر عن الخطة التي رسمت له. ومع أنه أول مؤتمر قام به العرب العثمانيون فقد كان له مسحة من الجمال والكمال والتنسيق أعجب الغريب والقريب وقد ذكر ذلك محب الدين الخطيب(1) السكرتير الثاني للجنة العليا لحزب اللا مركزية.
لم تكن خطورة المؤتمر في عدد الأعضاء، إنما في قوتهم التمثيلية، كما في نوعية بعضهم وقوتهم السياسية، وفي الآراء التي طرحها والمواضيع التي عالجها.
حظي المؤتمر بتأييد عربي واسع وشامل، وذكرت الكتب التاريخية حول هذا المؤتمر بأن الجالية العربية           في باريس هي التي شكلت لجنة تحضيرية ودعت إليه،          أو أن مجموعة من الشبان العرب الذين يدرسون في باريس دعوا أبناء الجالية إلى تشكيل لجنة لعقد المؤتمر، ونوهت بعض المصادر فقط إلى دور «الفتاة» وأهميتها في اللجنة التحضيرية.
وقد وردت إلى المؤتمر برقيات ورسائل تأييد ومؤازرة، وردت من دمشق تحمل تواقيع عدد كبير من الوجهاء أذكر بعضهم:
صلاح الدين القاسمي ـ عبد الرحمن الشهبندر(1) ـ محمد كرد علي(2) ـ عثمان مردم بك(3) ـ عبد الوهاب الإنكليزي ـ لطفي الحفار(4) ـ رشدي الحكيم ـ أديب مردم بك(5) ـ منيف العائدي ـ توفيق الحلبي.
تحمل تاريخ 20 أيار سنة 1913.
كذلك ورد من بيروت رسالة بتاريخ 6 أيار سنة 1913 تحمل العنوان التالي:
" مِن فتى نبيل"
لجناب لجنة المؤتمر العربي.
تلقينا بملء الارتياح تلك النشرة الشريفة بل الدرّة الثمينة التي ترصع بها عقد الأمة العربية وتحلي جيدها.
أجل أيها الكرام، إن لذة الإصلاح لأكبر من كل لذة، وإن تلك لهي الغاية التي تطمئن إليها كل نفس عربية، خصوصاً نفوس السوريين الذين ظلوا يتحملون نتائج تفرقهم حتى قامت لجنتكم تدعو كل الجمعيات والجماعات العربية إلى التضافر والتقدم معاً نحو الإصلاح. وها أنتم ترون وطنكم الآن يزحف كله إليكم بأفئدته طامح  للإصلاح والمجد، ولا غرو فنفس العربي طمّاحة إلى العلاء لأنها تغذت بسير رجالها الكثيرين وبأخبار أبطالها العديدين، وحسبها فخراً حكم الراشدين وعدل ابن عبد العزيز ومدنية عصر الرشيد وعلوم عهد المأمون. وإن أمة تعرف من رجالها مثل هؤلاء جدير بها أن تكون أبيّة الضيم مبغضة للجهل والفوضى.
على أننا مع ما اتصّفنا من هذا القبيل كنا محتاجين إلى الاتحاد فجاءت دعوتكم مذكرة جمعياتنا بهذا الواجب المحتم، فما أجملها برهة حققت تلك الأحلام، وما أكرمها ساعة أوحى فيها الله لِشُم الأنوف كبار النفوس أن يهبّوا من مكامنهم ويجردوا من عزيمتهم صمصامة بيضاء كفلق الصبح تكشف الظلام عن عيون هذه الأمة.
لذلك نحن نشكركم ونحييكم ونهتف لكم بلسان كل ناطق بالضاد وكل من تجول في رأسه نخوة عربية.
فليحيى الإصلاح، ولتحيى الحرية، وليحيى مجد العرب
أخوكم في الوطنية
علي حيدر مردم بك(1).



جمعية العربية الفتاة السريّة

هي أهم الجمعيات العربية التي ظهرت ونمت وتطورت في البلاد العربية قبل الحرب العالمية الأولى.
هي جمعية سرية اختلفت الروايات حول تاريخ تأسيسها ونشوئها حتى في أقوال وكتابات بعض أعضائها المؤسسين.
يقول الدكتور أحمد قدري(1) وهو من الأعضاء المؤسسين لهذه الجمعية في مذكراته عن الثورة العربية الكبرى: "إننا بدأنا في تكوين جمعية العربية الفتاة بعد إعلان دستور 1908 بأربعة أيام لا أكثر".
ويقول عزت دروزة والأمير مصطفى الشهابي وهما من الأعضاء المؤسسين أيضاً: أن الجمعية تشكلت عام 1911.         أما أحمد عزت الأعظمي فيقول: تأسست عام 1909 م.
أما الأستاذ عوني عبد الهادي وهو عضو بارز في هذه الجمعية فيقول: كنت وزملائي محمد رستم حيدر والدكتور أحمد قدري نلتقي في الأستانة عند إعلان الدستور عام 1908 م وقد هالنا تعصب أعضاء (تركيا الفتاة) الذي أصبح فيما بعد (حزب الاتحاد والترقي) وتحديهم للعرب والتهجم على القومية العربية، وعلى هذا الأساس تداولنا حول مشروع تشكيل جمعية سرية عربية قومية في مواجهة (تركيا الفتاة ـ الاتحاد والترقي) وتهدف إلى استقلال أمتنا العربية عن الأمة التركية. فصممنا على تشكيل هذه الجمعية بشكل سري. ولم يكن للجمعية قانون ولا رئيس في الأستانة بل كانت فكرة يتداولها (عوني عبد الهادي ـ ومحمد رستم حيدر ـ والدكتور أحمد قدري)، وعندما توجهوا إلى أوروبا عام 1909 تعاهدوا في باريز على تحقيق فكرتهم وانضم إليهم جميل مردم بك وغيره من الشباب العرب في باريز وتنادوا إلى عقد المؤتمر العربي الأول الذي انعقد عام 1913 م.
مارست جمعية العربية الفتاة نشاطها السري، وكان الاتصال فيما بين الأعضاء عن طريق (معتمد) وهو المسؤول عن الاتصال بين الأعضاء، وكان الاتصال بين المركز والمعتمدين والأعضاء الآخرين يجري بسرية تامة حتى أن أكثر الأعضاء لم يكونوا يعرفون أعضاء المركز ولا المعتمدين شخصياً بالرغم من كثرة عددهم حتى قيل بأنهم كانوا أكثر من مئتي عضو إضافة إلى الأمير فيصل ابن الحسين الهاشمي.
كان معظم أعضاء الجمعية من الشباب المثقف الذين يحملون أفكاراً ثورية وينتسبون إلى الطبقة الوسطى بصورة عامة.
يشير محب الدين الخطيب في مذكراته: «كنا نفضل استقطاب أبناء الذوات بدلاً من أن يستقطبهم غيرنا         وكان من نصيبي الشهابيون وقد انتسب أكثرهم بجمعية الفتاة عن طريقي»، كما أن جميل مردم بك تساءل           مرة أمام خير الدين الزركلي (وهو من الأعضاء المؤسسين للجمعية) قائلاً:
«لا أعلم والله حتى الآن هل أراد محب الدين الخطيب لنا الخير أم أراد لنا الشر بإدخالنا مجال العمل السياسي، إن المال متوفر والحمد لله والجاه موجود وكل ما جنيناه هو التعب»
تقسيم أعضاء جمعية العربية الفتاة:
تم تقسيم أعضاء الجمعية إلى أعضاء مؤسسين وأعضاء غير مؤسسين وذلك بسبب كثرة الأعضاء، وأصبح أكثر المتربعين في الوظائف الكبرى           الرئيسية في الحكومة من أعضائها لذا رُؤي تقسيم الأعضاء إلى قسمين:
آ ـ من دخل الجمعية قبل دخول الجيش العربي (الفيصلي) إلى دمشق اعتبر عضواً مؤسساً وله الحق بمعرفة جميع الأعضاء، وأن ينتخب الهيئة الإدارية في كل سنة.
ب ـ من دخل الجمعية بعد دخول الجيش العربي دمشق، اعتبر عضواً عادياً مع جواز تحويله إلى عضو مؤسس بطريق الاستثناء، وبقرار من لجنة خاصة.
وقد عقدت هذه اللجنة جلسة خاصة في 13/05/1920 استثنت فيها الأعضاء العاديين واعتبرتهم أعضاء مؤسسين فكان بين هؤلاء الأعضاء:
محمد النحاس ـ سعيد المنلا ـ عادل أرسلان ـ عارف نكد ـ يوسف العظمة ـ صالح قمباز ـ عبد الحميد كرامة ـ عبد الرحمن الشهبندر ـ محمد رضا بك مردم بك(1). ولم تأخذ الجمعية إطلاقاً بما يسمى "عضوية الشرف" فكل أعضائها كانوا أعضاء عاملين.
وقد أنشأت الجمعية لجان على المستويات كافة جرى تحديد مسؤولياتها والعلاقة بينها، وقد تم انتخاب أعضاء هذه اللجان وتم تحديد أمين سر وأمين صندوق لكل واحدة منها.
كما تشكلت لجنة وطنية عليا منبثقة عن "جمعية العربية الفتاة" ومن أقطاب هذه اللجنة. رئيسها الأستاذ كامل قصاب والأستاذ محب الدين الخطيب الكاتب العام، أما أعضاء الهيئة منهم:
سامي باشا مردم بك(1) ـ نسيب حمزة (الحمزاوي) ـ عبد القادر الخطيب ـ عوني القضماني ـ الشيخ عيد الحلبي ـ أسعد المالكي ـ شكري طباع ـ عبد القادر سكر ـ أسعد المهايني ـ محمد النحاس ـ جميل مردم بك.
ومما قاله جمال باشا عن هذه الجمعية وخطورتها على الدولة العثمانية:
«إذا استطاعت هذه الجمعية بأعضائها العسكريين أن تحدث تمرداً في صفوف الجيش لما كانت لديّ وسيلة لمنع الثورة وتسكينها!!...»
ومما قاله أيضاً بهذا الموضوع:
«يجب علينا أن لا نتهاون بهذه البوادر التعصبية للفكرة العربية، علينا ألا ندع الضباط العرب يستريحون من العناء، ويتحتم دائماً إبقاؤهم خارج البلاد».



الحزب الوطني 25/01/1920

نشأته وظروف تأسيسه:
إذا كان حزب الاستقلال قد نشأ ليكون واجهة حزبية علنية للفتاة السرية، وإذا كانت اللجنة الوطنية العليا وفروعها قد نشأت لتكون الصيغة الجماهيرية الواسعة للنضال الوطني الذي تقوده "جمعية العربية الفتاة" كذلك، فإن "الحزب الوطني" قد نشأ وتأسس بسبب الصراعات التي قامت داخل جمعية الفتاة ذاتها، وتبلورت في انقسام قام بين الأمير فيصل وجماعته من الوجهاء والأعيان والأرستقراطية من جهة وبين بقية أعضاء الجمعية من جهة أخرى، فجاء الحزب الوطني ليكون الواجهة العلنية لجناح الأمير فيصل في جمعية العربية الفتاة.
وسأعرض باختصار آراء محب الدين الخطيب  ومحمد عزت دروزة والدكتور أحمد قدري حول ظروف تأسيس الحزب...
يقول محب الدين الخطيب:
عاد الأمير فيصل من أوروبا إلى دمشق بغير الذي كان عليه عند سفره. فقد اتفق مع رئيس وزراء فرنسا كلمنصوه على تسوية القضية السورية، فجاهرته العربية الفتاة بالمعارضة الصريحة. وفي اجتماع في منزل الحاكم العسكري العام الفريق رضا باشا الركابي(1)، سمع فيصل تصريحات متعددة بأنه فرد في جماعة وليس له الحق أن يقر أمراً إلا بموافقة هذه الجماعة وفي جواب منه على خطاب ألقاه توفيق بك الناطور(2) قال فيصل: «أنا لا أكون ملكاً ختّاماً مهمته أن يختم باسمه على ما يقرره غيره».
ويقول محمد عزت دروزة:
«اغتنم كثير من أعضاء جمعية الفتاة كون كثير          من أعضائها غير سوريين فحاولوا أن يجدوا في هذه النقطة ثغرة لإثارة النعرة الإقليمية والعصبية المحلية        في الأوساط العامة».
أما الدكتور أحمد قدري فيقول:
«اجتمع الأرستقراطيون وشيعتهم في دار بديع العظم ووضعوا الأسس التي بموجبها تأسس الحزب، وهي وإن كانت لا تختلف عن مبادئنا (أي مبادئ الفتاة) غير أنها منظمة ومنمقة أحسن تنميق، كيف لا وقد أشرف على تسطيرها كاتب الشام محمد كرد علي الذي انضم إلى هيئة الحزب الإدارية بسبب عدم تعاون الفتاة معه».
لم تكن مبادئ الحزب الوطني تختلف عن مبادئ جمعية الفتاة ويكفي أن نقول أن أهدافه كانت باختصار:
1 ـ السعي إلى استقلال سورية.
2 ـ تقوية الصلات القومية والأدبية والاقتصادية بين الشعوب العربية عامة والبلاد السورية خاصة...
3 ـ التساوي في الحقوق المدنية والسياسية بين أبناء الوطن السوري...
4 ـ تأييد المبدأ الملكي الديمقراطي بتأليف حكومة ملكية نيابية يرأسها الأمير فيصل...
5 ـ صيانة الحق القانوني في جميع أوضاع الحكومة والأمة والسعي لتحسين حالة النظام الاجتماعي في سورية...
6 ـ مؤازرة سمو الأمير فيصل في ما يطلبه لمصلحة البلاد واستقلالها...
تم اختيار هيئتين عاليتين للنظام الداخلي للحزب، الأولى: إدارية وتتألف من 16 عضواً. والأخرى: استشارية وتتألف من 25 عضواً. وكان معظم أعضاء هاتين الهيئتين من وجهاء دمشق وأعيانها وبينهم عدد من أشراف الحجاز.
وأذكر هنا بعضاً من أعضاء الهيئة الاستشارية التي تألفت من 25 عضواً:
الشريف ناصر ـ عبد الرحمن باشا اليوسف ـ فوزي البكري ـ علاء الدين الدروبي ـ راشد باشا مردم بك(1) ـ عطا الأيوبي ـ الشيخ تاج الدين الحسني ـ عمر العابد ـ أحمد أيبش...
أما الهيئة الإدارية فكان من أعضائها محمد كرد علي ومحمد الشريقي "وقد انتهى الحزب الوطني بانتهاء العهد الفيصلي في سورية".





















العهد الملكي الفيصلي

عندما صدرت موجات الحكم بالإعدام من قبل المحكمة العليا العرفية التي ترأسها جمال باشا وذلك عام 1916 م، حُكم غيابياً على جميل بك مردم بك الذي كان لا يزال في فرنسا، فتوجه إلى أمريكا اللاتينية مندوباً عن مؤتمر باريز للعمل ضمن أوساط الجاليات العربية هناك دعماً للاستقلال العربي من الحكم العثماني، ثم عاد          إلى باريز بانتهاء الحرب العالمية الأولى، وانضم إلى الأمير فيصل في عام 1919 في مباحثاته في مؤتمر الصلح مكلفاً أيضاً من "جمعية العربية الفتاة"، واستطاع أن يُسمع صوت سورية في خطاب ألقاه أثناء مؤتمر الصلح في فرساي، وكان الشعار المطروح أمام المؤتمر هو أن سورية، كما استطاعت أن تسهم في حدود إمكانياتها في المجهود الحربي للحلفاء، لا ترفض المساعدة الفنية من الغرب، ولكنها حريصة في الوقت نفسه على ممارسة سيادتها الكاملة، وأن تكون هذه السيادة محترمة ومعترفاً بها علناً.
يقول الدكتور أحمد قدري في مذكراته: كان الأخ جميل مردم بك بقي في فرنسا مدة الحرب وقد استطعت معرفة مقره آنذاك في مصح هادئ بضاحية باريز، فاتصلت به حالاً ليكون ضيفاً على الأمير فيصل بن الحسين، وسكنا معاً في منزلنا الخاص، ولما كان شكري غانم على اتصال بجميل منذ عقد مؤتمر باريز العربي وكان قَدَّمَهُ لفرنسا كصديق واتفق معها لتدعو  جميل يتكلم في مؤتمر فرساي، لذلك اتفقنا على ما يجب أن يقوله في المؤتمر فكان موقفه مشرفاً، ولم تصل فرنسا عن طريقه إلى ما كانت ترمي إليه من آمال، وأصبح من معية الأمير فيصل.
يقول السيد زهير الشلق في كتابه "من أوراق الانتداب": طلبت فرنسا من جميل مردم بك باعتباره من أبناء الأسر العريقة في دمشق، ومن ملاك الأراضي، أن يتكلم في المؤتمر مؤيداً مطالب فرنسا باعتبارها في مصلحة سورية، ولم تكن الحكومة الفرنسية ولا جماعة مؤتمر باريز يعرفون بأن جميل مردم بك هو من أعضاء جمعية الفتاة منذ أن كانت سرية، وبأنه مع عوني عبد الهادي كانا العضوين الوحيدين في فرنسا، ومن هنا كان كل شيء أحب إليه مما تدعوه فرنسا لقوله، ولكن كان للمنبر سحره والمنبر هو أرفع منبر في التاريخ... منبر مؤتمر السلام بعد الحرب العالمية الأولى.
اتصل جميل بك سراً بالأمير فيصل عن طريق الدكتور أحمد قدري واتفق معه على صيغة الخطاب الذي سيلقيه أمام المؤتمر. وبعد إلقاء الخطاب وما سببه من خيبة أمل للذين هيئوا له المنبر... انضم رسمياً وعلناً إلى حاشية الأمير وبقي إلى جانبه حتى عاد برفقته إلى أرض الوطن.
عند عودة الأمير فيصل إلى سورية بعد مؤتمر فرساي بالباخرة عاد معه جميل بك على الباخرة إدغار غينه ووصل دمشق في 03/05/1919. لازم جميل بك الأمير فيصل في دمشق كأحد مستشاريه.

وانصرف الأمير فيصل إلى تقوية جهاز الحكم في سورية، وكانت الهيئة الإدارية لجمعية الفتاة تقوم بواجبها بكل أمانة وإخلاص، ويعمل أعضاؤها آناء الليل وأطراف النهار، وكانت الهيئة مؤلفة من: ياسين الهاشمي، وعزة دروزة، وشكري القوتلي، وتوفيق الناطور، والدكتور أحمد قدري، وأحمد مريود، وسعيد حيدر، وجميل مردم بك، ورضا باشا الركابي.
كانت هذه الهيئة تسيطر سيطرة فعلية على سورية، وقد تبدلت إثر عودة الأمير فيصل عام 1919 من مفاوضاته في باريز. فتألفت في الدور الجديد على المنوال الآتي، كما ذكر ذلك أمين سعيد في كتابه "الثورة العربية الكبرى" المجلد الثاني:
ياسين الهاشمي ـ أحمد قدري ـ رفيق التميمي ـ سعيد حيدر ـ أحمد مريود ـ عزت دروزة (أمين سر) وشكري القوتلي (أمين الصندوق).
استقالت هذه الهيئة في بداية شهر آذار 1920 على أثر حملات شديدة وجهت إليها، فخلفتها لجنة جديدة اختارها الأعضاء في اجتماع كبير عقدوه في منزل علي رضا باشا الركابي برئاسة الأمير زيد بن الشريف حسين، وهي:
على رضا باشا الركابي ـ نسيب البكري ـ سعيد حيدر ـ خالد الحكيم ـ أسعد الحكيم ـ ومحمد الشريقي (أمين سر اللجنة) وجميل مردم بك (أمين صندوق).
وكان في صندوق جمعية الفتاة يوم أسندت صندوقها إلى جميل بك 16 ألف جنيه، أبى شكري القوتلي في أول الأمر أن يسلمها لاعتبارات رآها، على أنه قَبِلَ بعد توسط وإلحاح أن يسلمها لجميل بك!!... وكانت هذه الأموال في عهدة جميل بك يوم دخول الفرنسيين دمشق.
في العاشر من حزيران 1919 وصلت لجنة الاستفتاء الأميركية إلى فلسطين، حيث مكثت عشرة أيام وذلك بناء على طلب مؤتمر السلام في فرساي، وكان المفترض أن يكون معها لجنة فرنسية وإنكليزية، غير أن اللجنتين الأخيرتين لم تصلا لغاية في نفسيهما!!...
بعد مغادرة اللجنة الأميركية فلسطين توجهت إلى لبنان، فزارت صور ومرجعيون والبترون، حيث قضت يومين ثم قصدت بيروت ثم دمشق حيث بقيت تسعة أيام غادرتها إلى بعلبك ومنها إلى طرابلس فحمص ثم حماة ثم حلب. وكانت مطالب الأهلين في منطقة الاحتلال الغربية منقسمة إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ضم البقاع ومدينة بيروت إلى لبنان الأصلي القديم وطلب الكثير من السكان جعل لبنان لبناناً كبيراً مستقلاً تحت الوصاية الفرنسية، وكان معظم القائلين بهذا هم الموارنة.
الثاني: يطلب لبنان الكبير بدون طلب الوصاية الفرنسية.
الثالث: يطلب لبنان الكبير مستقلاً استقلالاً إدارياً ضمن الوحدة السورية بدون وصاية أو مساعدة وكان معظم هؤلاء من المسلمين وخاصة سكان المناطق الساحلية.
وعلى الأثر غادرت اللجنة بيروت قاصدة دمشق، حيث استُقبلت استقبالاً حافلاً، وكأن لسان حال الجميع يقول للجنة الاستفتاء: إن مستقبلنا بين يديك واعتمادنا على مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسن فهو لنا السند الأول في الحصول على حقنا!!!...
ولا بد لي هنا أن أذكر ما قاله الدكتور أحمد قدري في مذكراته عن الثورة العربية الكبرى:
دعا سمو الأمير فيصل اللجنة الأميركية مرتين لتناول الطعام على مائدته. ويقول الدكتور أحمد قدري: أذكر أنني كنت ذات مرة مع الكابتن ياي الذي كنت ألازمه لمعرفته الافرنسية، نسير على مقربة من مدرسة المارستان (قريباً من المسجد الأموي الكبير) لتسهيل مقابلة اللجنة للهيئات الدينية الإسلامية، فمررنا أمام دار (سامي باشا مردم بك)، وكانت بناته الصغيرات يلعبن منشدات الأناشيد الوطنية في البهو الخارجي للدار، فاغتنمت الفرصة ودعوته للدخول، وترجمت له ما كنّ يقلنه، وقد سألهن بالفرنسية عن الداعي لما ينشدنه، فأجبته بأنهن لا يرغبن بديلاً عن الاستقلال التام لبلادهن، ويرفضن أي مساعدة فرنسية، فضحك وهو يقول: إن هذا الوعي في سورية لمن دواعي فخرها، أخشى ما أخشاه أن لا تتحقق مطالبكم رغم الجهد الوطني الذي قمتم به لتوحيد كلمتكم، فأميركا لم يعد بوسعها التدخل في شؤون بلاد خارجة عن حدودها. ولا أدري كيف يسعها تقديم المساعدات لكم، وحتى المساعدة الفنية.
إني أقول لك هذا كصديق مع أن واجبي لا يسمح لي بالإفضاء بتصريح كهذا.
وفي 3 تموز 1919 م، قابل اللجنة رئيس المؤتمر السوري السيد هاشم بك الأتاسي(1)، وكان معه واحد وعشرون عضواً من مناطق سورية المختلفة انتخبهم المؤتمر ليشتركوا معه في تلك المقابلة، وسلموا اللجنة قرار المؤتمر، وهذا مختصر ما جاء فيه:
إننا نحن الموقعين أدناه بإمضاءاتنا وأسمائنا، أعضاء المؤتمر السوري العام المنعقد في دمشق الشام... قد قررنا في جلستنا المنعقدة في نهار الأربعاء المصادف لتاريخ 2 تموز 1919 وضع هذه اللائحة المبينة لرغبات سكان البلاد الذين انتدبونا، ورفعها إلى الوفد الأميركي المحترم من اللجنة الدولية:
1 ـ إننا نطلب الاستقلال السياسي التام الناجز          للبلاد السورية...
2 ـ إننا نطلب أن تكون حكومة البلاد السورية ملكية مدنية نيابية تدار مقاطعاتها على طريقة اللا مركزية الواسعة...
3 ـ إننا نحتج على المادة 22 الواردة في عهد جمعية الأمم والقاضية بإدخال بلادنا في عداد الأمم المتوسطة التي تحتاج إلى دولة منتدبة.
4 ـ نعتبر مسألة الانتداب الواردة في عهد جمعية الأمم عبارة عن مساعدة فنية واقتصادية لا تمس باستقلالنا السياسي التام...
5 ـ إذا لم تتمكن الولايات المتحدة من قبول طلبنا هذه المساعدة منها فإننا نطلب أن تكون هذه المساعدة من دولة بريطانيا العظمى...
6 ـ إننا لا نعترف بأي حق تدّعيه الدولة الفرنسية في أي بقعة كانت في بلادنا السورية...
7 ـ إننا نرفض مطالب الصهيونيين بجعل القسم الجنوبي من البلاد السورية (أي فلسطين) وطناً قومياً للإسرائيليين، ونرفض هجرتهم إلى أي قسم من بلادنا...
8 ـ إننا نطلب عدم فصل القسم الجنوبي من سورية المعروف بفلسطين، والمنطقة الساحلية ومن جملتها لبنان عن القطر السوري...
9 ـ إننا نطلب الاستقلال التام للقطر العراقي المحرر...
10 ـ إن القاعدة الأساسية من قواعد الرئيس ويلسن التي تقضي بإلغاء المعاهدات السرية تجعلنا نحتج على كل معاهدة تقضي بتجزئة بلادنا السورية...
قامت فرنسا تنفيذاً لاتفاقية سايكس ـ بيكو السرية بإنزال قواتها في الساحل السوري واللبناني وفي أماكن أخرى مما أدى إلى اشتداد الغليان في كل مكان في سورية خاصة في جبل العلويين على يد الشيخ صالح العلي...
ونتيجة لحوادث كثيرة جرت في سورية لا مجال لذكرها مفصلة في هذا الكتاب، فقد تقرر في يوم 8 آذار عام 1920 تتويج الأمير فيصل بن الحسين الهاشمي ملكاً على سورية وإعلان استقلال سورية. كذلك تقرر أن يكون علمها العلم العربي المربع الألوان مضافاً إليه نجمة بيضاء في مثلثه الأحمر، وبقي العلم العربي الذي كانت "جمعية الفتاة" أوحت به علماً لمملكة الحجاز:
"(سلاماً أيتها الأمة سلام برٍ أمين، يظلله في سواد الليل بياض الضمير، وخضرة الأمل اليقين)".















"وازدانت الشوارع بالعلم ذي الألوان الأربع الأسود والأبيض والأخضر والأحمر المستوحاة من الشاعر صفيّ الدين الحلّي بقوله:

إنا لقوم أَبَتْ أخلاقنا شرفاً

أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا

بيضٌ صنائعنا سودٌ وقائِعُنا

خضرٌ مرابعنا حمرٌ مواضينا»

وهذا نص القرار التاريخي المذكور:
إن المؤتمر السوري العام الذي يمثل الأمة السورية العربية في مناطقها الثلاث الداخلية والساحلية والجنوبية (الفلسطينية) تمثيلاً تاماً يضع في جلسته العامة يوم الأحد المصادف لتاريخ 17 جمادى الثانية سنة 1338 وليل الاثنين التالي المصادف 18 آذار 1920 القرار التالي:
ويذكر في هذا القرار الأحداث التي مرت على سورية منذ العهد العثماني حتى تاريخه مروراً بالثورة العربية ومؤتمر باريز واللجنة الأميركية...
وتم تتويج الملك فيصل في حفل حضره حشد كبير من أهل دمشق ورجالاتها وذلك في دار البلدية في ساحة المرجة وتمت البيعة بحضور الأمير زيد شقيق الملك فيصل وكبار الضباط ومندوبو فرنسا وإيطاليا وبقية الدول... ولم يشترك وفد بريطانيا.
ألقى الملك فيصل خطاباً قصيراً شكر فيه الحضور وأشهدهم بأن يكفل استقلال البلاد وحريتها والعناية بالشعب السوري ورقيه. ثم بايعه الحاضرون ملكاً على سورية.
بعد أن تمت البيعة كلف الملك فيصل علي رضا باشا الركابي(1) بتشكيل الوزارة. فكان أول رئيس وزارة لسورية.
وقامت الدولة العربية السورية من خلال نشوة الظفر، وإن دولة عربية قد وجدت على أرض الواقع ثم أعلن عنها رسمياً من دمشق وذلك منذ أن دخل الشريف فيصل مدينة دمشق في أواخر 1918 يصح القول أن هذه الدولة، هي الدولة العربية الأولى منذ الفتح الإسلامي، وأن القومية العربية التي نودي بها وجعلها المواطنون في سورية ولبنان شعاراً، قد أصبح لها أرض ودولة وحدود، هذه الدولة هي حدود الدولة التي عرفت فيما بعد بالجمهورية السورية، التي اجتمع مجلسها النيابي للمرة الأولى عام 1932.
وكانت مؤسسات الدولة تعمل بانتظام في رعاية الملك فيصل عندما فرضت فرنسا انتدابها على سورية، بعد أحداث ومفاوضات لا مجال للتوسع فيها لضيق المجال. وبعد إنذار غورو المعروف والجائر ببنوده الأربعة دارت رحى معركة ميسلون التي وقعت بين القوات الفرنسية الغازية بقيادة الجنرال غورو في 9 تموز 1920 م وبين القوات العربية التي قادها وزير الحربية يوسف العظمة، وكان لا بد أن تنتهي بانتصار الجنرال الفرنسي، واستشهاد يوسف العظمة رافعاً راية بلاده عالياً وتشتت قواته، وقد وضعت هذه المعركة حداً للسيادة السورية. وعلى أثرها غادر الملك فيصل البلاد السورية نهائياً عن طريق حوران ثم بالقطار إلى حيفا، متجنباً مجزرة كانت القوات الفرنسية قد هددت بها دمشق إذا لم يخرج الملك فيصل بهدوء وسكنية دون اعتراض أو تمرد. وكان معظم الزعماء السوريين قد أظهروا استعدادهم لتأييده والوقوف إلى جانبه ضد فرنسا، ولكنه رفض.
يذكر الدكتور أحمد قدري في مذكراته:
كنت بعد ظهر 27 تموز في دار ابن عمي خليل مردم بك(1)، وإذا بأحد أصدقائي يخبرني بأنه شاهد أوراقاً رسمية في سراي الحكومة وقد تضمنت الحكم بإعدامي ونخبة من زملائي الوطنيين من قبل المحكمة العسكرية الفرنسية، فلم يسترع ذلك اهتمامي بعد أن انهارت آمالناً جميعاً وذهبت كل مساعينا أدراج الرياح بفعل السياسة الدولية الغاشمة، وبقيت أنتظر حكم القدر وأملي وطيد بوطنية الشعب. وقد أبلغني الملك قبل منتصف الليل، أن أكون في محطة الحجاز عند الساعة الخامسة من صباح الغد الموافق 28/07/1920 فصدعت بالأمر ولم يعترض سبيلي أحد.
ومن غرائب المصادفات أن يشب حريق هائل في هاتيك الليلة في دار سامي باشا مردم بك قرب سوق الحميدية، فزاد في الكآبة المخيمة على المدينة الجاثمة على الصدور... ولم يكن في وداع الملك إلا فئة قليلة من الوطنيين، فلم يصطحبه في القطار من وزرائه غير ساطع الحصري، وسكرتيره الخاص عوني عبد الهادي،             ومن السوريين كبير أمنائه إحسان الجابري،             ومرافقه العسكري تحسين قدري، وأحمد قدري، وعبد الرحمن الشهبندر، وجميل مردم بك، وغيرهم. كذلك غادرها شكري القوتلي، ورياض الصلح، والشيخ كامل القصاب، ومحمود الفاعور... وقد تخلف في دمشق فارس الخوري في آخر لحظة بعد أن أرسل حقيبته إلى القطار المعد لنقل أعضاء الحكومة، كذلك علاء الدين الدروبي. وقد تجمعت الدلائل على أنه كان متفاهماً مع الفرنسيين كما ورد في مذكرات الدكتور أحمد قدري (طباعة 1956 مطابع ابن زيدون، دمشق)!!..
ودخل الجنرال غورو دمشق واحتل القصر الأبيض الذي كان يقيم فيه الملك فيصل... وقد اشترته الحكومة الفرنسية وأصبح مقراً للمفوض السامي في دمشق وتشغله السفارة الفرنسية حالياً.
انتشرت القوات الفرنسية في أنحاء دمشق بعد دخولها على أشلاء 800 شهيد و300 قتيل فرنسي، وهذا بيان القوات الفرنسية التي كانت تقاتل في ميسلون كما جاء في بلاغ فرنسي: "ألاي المشاة 415 وألاي رماة الجزائريين الثاني ولواء سنغالي من الرماة الأفريقيين وألاي من السباهي Spahis المغاربة وخمس بطاريات ميدان ومثلها جبلية وبطاريتان من عيار 15,5 ويبلغ مجموعة القوة نحو تسعة آلاف جندي تعززها طيارات ودبابات مع كمية من الرشاشات. وكانت بقيادة الجنرال غوابيه. وقد تطوع في هذه الحملة عدد كبير من اللبنانيين الموارنة بينهم بعض المتعلمين للقيام بأعمال الاستطلاع والترجمة والتجسس وأداء خدمات أخرى" انتهى نص البلاغ الفرنسي.
غادر الملك فيصل دمشق في الساعة الخامسة صباحاً في 28/07/1920 وقد اختار لسفره هذا الوقت لئلا يخرج الناس لوداعه، فودعه كبار القوم وسافر مع بعض رجاله عن طريق درعا ومن درعا إلى حيفا حيث استقبل استقبالاً رسمياً. ولا بد من وقفة إجلال وتقدير وعرفان للشريف حسين الذي يذكره التاريخ بطلاً أوّل للثورة العربية الكبرى ومؤسساً لها وللوحدة العربية في العصر الحديث. وإن كانت إنكلترا قد غدرت به وخانته ونكثت وعدها له فهذا لا يقلل من قدر هذا الرجل؛ إذ لو كان غيره في مكانه لفعلتْ معه انكلترا الشيء نفسه.
أما الملك فيصل فقد أخلص وضحى ولعله أخطأ في بعض الأمور، ولكنه أصاب في كثير منها. والتاريخ يسجل له كل تقدير واحترام بمداد من ذهب لأعمال قام بها منذ صرخته الأولى وهو يطلق الرصاصة الأولى في الثورة العربية الكبرى، وندائه بصوت سمعته السماوات السبع:
(طـاب المـوت يـا عـرب)
وقد كان برفقته إحسان الجابري وساطع الحصري وتحسين قدري وأحمد قدري وجميل مردم بك.
عاشت سورية أياماً سوداء تحت ظل الانتداب بعد طرد رمزها الملك فيصل. وتحطمت الأحلام، وتمزقت أشلاء جمعية "العربية الفتاة"، وأصبحت أحزاباً متعددة، وبدأ النضال المسلح ضد الفرنسيين في كل مكان، من شمال البلاد إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، وقامت الثورات في كل مكان؛ "فالشعب السوري لا يقبل الضيم من عهد ما بعد الطوفان إلى اليوم وقد عرف ذلك كل من جاس الديار".
منذ ذلك اليوم الذي غادر فيه فيصل بن الحسين البلاد وبدأت المقاومة ضد الفرنسيين، ارتبط تاريخ جميل مردم بك بالنضال الذي قاده شعب سورية لاستعادة سيادته على أرضه، وانتعشت الحركة التحريرية بشكل مذهل.
ورد في مذكرات السيد لطفي الحفار لابنته السيدة سلمى الحفار الكزبري دار رياض الريّس:
أما الأوضاع السياسية في إثر معركة ميسلون ودخول الفرنسيين إلى دمشق على جثث شهدائنا الأبطال في المعركة فقد كانت متردّية للغاية، عانى منها الشعب السوري ألوناً من القمع لكنها لم تطفئ جذوة الكرامة الوطنية المغروسة في نفوس الرجال والنساء على حد سواء...
إني أرى من واجبي أن أذكر دور المرأة السورية في النضال الوطني: فعلى الرغم من أنها محجّبة، لم يمنعها الحجاب من المشاركة في الاحتجاج على الانتداب. ففي العاشر من شهر حزيران 1922 جرت أول مظاهرة نسوية في دمشق كتب عنها المجاهد الوطني حسن الحكيم في مذكراته ما يلي:
"جرت المظاهرة النسائية الأولى في دمشق يوم 10 حزيران 1922 احتجاجاً على الانتداب وتوقيف الدكتور عبد الرحمن الشهبندر وحسن الحكيم وغيرهما في سجن القلعة.
سبعون آنسة وسيدة خرجن من بيت حرم الدكتور شهبندر يهتفن للحرية والاستقلال إلى أن بلغن القنصلية الأميركية حيث احتججن على توقيف الوطنيين، وفرض الاستعمار على البلاد، ثم سرن باتجاه القنصلية البريطانية وبعدها الإيطالية يلوّحن بالمناديل البيضاء.
وعندما بلغن القلعة حالت السلطة دون مرورهن بسوق الحميدية وأجبرتهن على التفرّق، وما أن وصلت أخبار النساء وما قمن به حتى دبّ الحماس في جميع الطبقات التي راحت تظهر احتجاجها على المستعمر بإغلاق الحوانيت بحيث أصبحت المدينة مضربة إضراباً تاماً بأقل من لمح البصر".
كذلك توجد كلمة إعجاب ووفاء سجلها التاريخ لنسائنا الرائدات في مذكرات الحفار في طليعتهن الآنسة نازك العابد مؤسسة جمعية الهلال الأحمر النسائية قبل معركة ميسلون ثم مدرسة بنات الشهداء. تقول السيدة سلمى لطفي الحفار: لقد عثرت على منشور ذي أهمية تاريخية وزّعته تلك الجمعية إبان احتدام الصراع بين الملك فيصل وحكومته وبين الفرنسيين المتآمرين مع الإنكليز لاحتلال سورية سنة 1920 م هذا نصه:








 (1) (2) (3) (4)
ح








       
"لقد أثبتت الحوادث أن الانتداب الذي فُرض على البلاد تحت ستار المساعدة والإرشاد كان الاستعمار بعينه بعد أن راحت فرنسا، الدولة المنتدبة، تتصرف بالبلاد تصرّف المالك في ملكه، والسيّد في عبيده".



جميل مردم بك في فلسطين
 (1922 م ـ 1341 هـ)

بعد وصول الملك فيصل وإخوانه وفيهم جميل بك إلى الأراضي الفلسطينية استقر به المقام في حيفا عروس الساحل الفلسطيني على البحر الأبيض المتوسط.
ولما كانت الأحوال المادية التي عاشها جميل بك تقتضي منه البحث عن مصدر للرزق في بلاد ليس له فيها أحد إلا بعض الأخوة الأصدقاء الذين كانوا بدورهم يعانون مما يعاني منه من صعوبة في العيش اللائق الذي اعتاد عليه جميل في وطنه من بحبوحة وغنى.
كان الملاذ الوحيد له هو مراجعة دائرة الأوقاف في القدس حيث يجبى أوقاف جده الوزير لالا مصطفى باشا وجدته فاطمة خاتون. وكانت أوقاف فلسطين تدر أموالاً طائلة. أرسل جميل بك مردم بك إلى ابن عمه خليل بك مردم بك شاعر الشام الكبير والخبير بأوقاف العائلة، يطلب إليه أن يرسل له وثائق الأوقاف. وقد جرت مراسلات عديدة وطويلة بينهما جمعتها في كتاب أسميته "رسائل الخلان في معرفة طبائع أبناء السلطان من رسائل الخليل إلى الجميل 1341 هـ ـ 1923 م".


















رسالة رقم 1 من القدس عام 1340 في ربيع الثاني













رسالة رقم 2 من القدس

















الرسالة رقم 3
رسالة من حيفا ربيع الثاني 1341
وقد أمضى جميل بك مدة غير قصيرة وهو يحاول الوصول إلى قبض أوقاف فلسطين، كما واجه صعوبة في توليته متولياً للأوقاف نظراً لصعوبة الاتصال بين دمشق والقدس، وتعقيد المعاملات بين السلطة البريطانية والسلطة الفرنسية، حتى وصل به الحال إلى الطلب من أخيه محمد بك وهو الأخ الأصغر لجميل بك بأن يبيع ستة حوانيت في العصرونية (وهو سوق يتفرع عن سوق الحميدية المشهور بدمشق) بمبلغ لا يتجاوز 2400 ليرة ذهبية، ليستطيع أن يعيش بعيداً عن أملاكه وأراضيه ورزقه. وقد كان دائم البيع لأملاكه ليصرف على القضية التي عاش من أجلها وتغرّب في سبيلها، كما كان يقضي أكثر أوقاته في فلسطين متنقلاً بين حيفا والقدس لمدة عام تقريباً.






















رسالة رقم 4
وفي 25/09/1923 سافر جميل مردم بك إلى الإسكندرية وكان بصحبته صفوت خانم الزوجة الوفية التي بدأت حياتها معه في ترحال وتشرد وانتقال من بلد إلى آخر، وفيّة مخلصة مكرسة نفسها لهذا الرجل الذي سماه محمد سهيل العشي(1) في كتابه "فجر الاستقلال في سورية" دار النفائس 1999 دمشق: "جميل مردم بك المناضل الذكي والثعلب السياسي".
وفي الإسكندرية اجتمع بشقيقتّي ابن عمه خليل           بك مردم بك السيدة أم زهير زوجة الدكتور أحمد قدري وقمر خانم التي أُسميها دائماً "قمر آل مردم بك" لجمال وجهها وروحها.
عاد بعدها إلى فلسطين ليستمر من هناك بنشاطه النضالي في منفاه الاختياري إلى أن صدر عن المحتل الفرنسي عفو عام عاد بعده إلى دمشق مع عدد من المناضلين، لمتابعة حياة الكفاح حتى عام 1925 م.



































رسالة رقم 5



صدور العفو عن الوطنيين

في عام 1923 سحبت فرنسا مندوبها السامي في سورية ولبنان الجنرال غورو وعينت بدلاً عنه (الجنرال ويغان Wigaan) الذي وصل بيروت في 9 أيار، وعند قدومه إلى دمشق أوائل حزيران أصدر عفواً عن الوطنيين الذي كانوا خارج البلاد السورية. كذلك قرر منح حكومتّي دمشق وحلب حرية انتخاب مجالس تمثيلية في شهر تشرين أول 1923، على أن يكون التصويت على درجتين وعدد الممثلين 31 عضواً. كما أصدر عفواً عن سلطان باشا الأطرش فعاد إلى قريته في جبل الدروز. كما أصدر عفواً عن جميع المعتقلين السياسيين الموجودين في جزيرة أرواد أو سجن قلعة دمشق. وقد جرت بهذه المناسبة احتفالات عظيمة في جميع المدن السورية.
بمناسبة قرار المفوض السامي بإجراء انتخابات تمثيلية فقد طالب أفراد الشعب على اختلاف طبقاتهم  بأن تكون الانتخابات لمجلس تأسيسي، لكن المفوض السامي رفض وأصر على أن يكون مجلساً تمثيلياً فقط، وعندها أضرب الشعب 14 يوماً ولكن دون فائدة، وجرت انتخابات هزيلة فاز فيها عن دمشق: عبد الحميد القلطقجي وعطا العجلاني وحسين الإيبش وسامي باشا مردم بك...
وفي مطلع عام 1924 تألفت في دمشق لجنة لجر مياه عين الفيجة إلى مدينة دمشق وحصلت على الامتياز          تحت اسم (لجنة مياه عين الفيجة)، وعلى أن تبيع إلى سكان دمشق خمسة آلاف متر من المياه بسعر 25 ليرة عثمانية ذهب للمتر.
في نهاية عام 1924 وبالتحديد 02/12، استدعت فرنسا الجنرال ويغان وعينت بدلاً منه الجنرال ساراي Sarrail الذي أحضر معه قرار موافقة الخارجية الفرنسية على دمج حكومة دمشق مع حكومة حلب وإعلان الوحدة السورية وإعلان دمشق عاصمة الدولة السورية.
اشتداد الأزمات وبداية ثورة 1925:
وفي عام 1925 كانت منطقة الانتداب الفرنسي تشمل دولة سورية ويرأسها (صبحي بركات) ودولة العلويين ويرسها (المسيو كابيلا)، ودولة جبل الدروز ويرأسها (الكاتبن كاربيه) ودولة لبنان الكبير وكان يرأسها (الجنرال فاندنبرغ).
بعد عصيان سلطان الأطرش في جبل الدروز عام 1922 في زمن الجنرال ويغان وصدور عفو عنه، جاءت أحداث عام 1925 في 21/07 في جبل الدروز بهجوم سلطان باشا الأطرش ورجاله على قرية الكفر للقضاء على الحامية الفرنسية، وحاصروا قلعة السويداء احتجاجاً على إهانة الحاكم الفرنسي لجبل الدروز واعتقال بعض زعمائه.
وحصلت معركة المزرعة في أول آب 1925 فكانت من مفاخر الجهاد السوري.
كان الاتصال بين زعماء سورية وزعماء جبل الدروز وثيقة في تلك المراحل فانعقد اجتماع سرّي في دار آل الحلبوني حضره الدكتور عبد الرحمن الشهبندر رئيس حزب الشعب وعدد كبير من أعضائه منهم فوزي ونسيب البكري وشكري القوتلي وجميل مردم بك وغيرهم، وقد نادوا بسلطان الأطرش قائداً عاماً للثورة التي امتدت إلى جميع أنحاء سورية.
خشيت السلطات الفرنسية أن يقوم أعضاء حزب الشعب بتعميم الثورة في سائر المدن السورية وضم عدد أكبر من الثوار والمجاهدين، لذلك قامت بالقبض على كبار الزعماء ونفتهم إلى جزيرة أرواد في 26/08/1925 م. غير أن ذلك لم يثن الثوار من متابعة ثورتهم، فوضعوا خطة لدخول دمشق بعد أن أحاطوا بها من جميع الجهات، ودخلوا إلى أسواقها متجهين إلى قصر العظم مقر المندوب السامي ساراي (في البزورية)، غير أن الأخير استطاع الفرار متوارياً في سيارة مصفحة.
فتحت الآلات الجهنمية أفواهها فانصبت القنابل على أثمن أحياء دمشق، فدمرت قسماً كبيراً من حي الميدان، وحي الشاغور، والمارستان، وسيدي عامود، المأهولة بالسكان، وهدمت أثمن البيوت وأقدمها، ولم يمض أربع وعشرون ساعة إلا وحمم الحريق والتدمير قد أكلت ما يربو على ستمئة دار من أحسن الدور، ناهيك عن السلب والنهب الذي تعرضت له الأسواق والدور من قِبَل الجنود الفرنسيين الذين كانوا يكسرون أقفال الحوانيت والمخازن ويحملون أمتعتها وأوانيها ورياشها الدمشقية الثمينة والفاخرة.
كما قامت الطائرات بالإغارة على دمشق، وتروي السيدة "أليس بوللو Alice Poulleau" الفتاة الفرنسية الشابة التي كانت تعمل صحفية زمناً طويلاً أيام الحرب العالمية الأولى والتي ألفت كتاب "دمشق تحت القنابل"، مطبعة الحمامي دمشق ط 1 1996 منشورات دار دانية دمشق.
قالت أليس بوللو أنه في يوم الاثنين 19/10/1925: "أمر كهنة الكنائس بأن توضع على أسطحة منازل شعبهم (النصارى) أقمشة بيضاء يرسم في وسطها صليباً أحمر يظهر عن بعد وذلك لكي يعرف الطيارون أماكن الأحياء التي يتوجب عليهم تجنب ضربها حتى أن حيّ باب توما (حي النصارى) أصبح يظهر للطائرات وكأنه مقبرة مظلمة مليئة بالقبور البيضاء المرسومة بصلبان من الدم".
وكان من بين الأحياء التي دمرت حي المارستان الذي يحتوي على دور آل مردم بك: دار (عزتلو عثمان بك) و(عزتلو علي بك) و(عزتلو سعد الدين بك). والتي يسكنها أبناؤهم جميل بك ومحمد رضا بك وخليل بك وغيرهم... كذلك دمرت دار الركابي والقوتلي تدميراً تاماً.
وعن هذا اليوم الأسود ذكر أمين سعيد في كتابه "الثورة العربية الكبرى" الجزء الثالث ما يلي:
"في ظهر اليوم الثامن عشر من شهر أكتوبر أرسل الفرنسيون الدبابات فجعلت تخترق الأسواق بسرعة هائلة وتصب نيرانها ذات اليمين وذات اليسار، وفي الساعة السادسة مساءً بدأ الفرنسيون بضرب مدينة دمشق العريقة في القدم...".
وفي صبيحة اليوم التالي سُحبت جميع الجنود فجأة من المدينة ومن جملتها أحياء المسيحيين وحُشدت في حي الصالحية، ونُقلت جميع عائلات الفرنسيين إلى هذا الحي، ثم شرعت المدفعية في الساعة العاشرة صباحاً إلى مدة أربع وعشرين ساعة تطلق القنابل على المدينة وجعلت الطائرات في الوقت نفسه تمطر القذائف وتطلق الرشاشات.
كما أصدر الجنرال ساراي في أوائل شهر أكتوبر أمراً إلى الفصائل الشركسية والفرنسية بإحراق قرى جرمانا والمليحة وزبدين وداريا وحدث في قرية دير بحدل من قرى الأمير كاظم حفيد الأمير عبد القادر الجزائري وأن جميع منازلها صُب عليها البترول وأضرمت النار فيها بلا استثناء فأصبحت أكواماً من الرماد.
ويطول الحديث عن فظائع المحتل الفرنسي الذي أدّعى أنه جاء ليقدم المساعدة لسورية حتى تكون في مصاف الدول المتقدمة، فما كان منه إلا القتل والإحراق والتدمير والذي أدى في النهاية إلى ثورة عام 1925 التي سادت سورية في كل مدنها وقراها.
انضم جميل مردم بك إلى الثورة ضد الاحتلال الفرنسي وأسهم في المعارك التي جرت بين قوات الاحتلال الفرنسي والمقاومة السورية التي كان لواؤها معقوداً لسلطان باشا الأطرش. وفي مزرعته "حوش المتبن" في الغوطة الشرقية جرت عدة اجتماعات للتحضير للثورة..
عندما حاصرت القوات الفرنسية جبل الدروز وأمرت باعتقال زعماء الثورة استطاع جميل بك والشهبندر الفرار والوصول إلى مدينة حيفا في فلسطين وأصدرت سلطات الانتداب الحكم عليهما بالإعدام غيابياً..
والجدير بالذكر أنه في 23/09/1925 قبضت حكومة حيفا (الإنكليزية) على جميل مردم بك، حينما جاءها قادماً من السويداء بعد اندلاع ألسنة الثورة، وسلمته إلى السلطة الفرنسية فأقام عوني عبد الهادي دعوى على حكومة فلسطين أمام المحكمة العليا لمخالفتها القانون في هذا التصرف. وقد كان في معيّة جميل بك عندما قصد حيفا الدكتور عبد الرحمن الشهبندر ونزيه العظمة وقد كانت مهمتهم الاجتماع بالأخوة اللاجئين إلى حيفا والسعي لتوحيد العمل، فمروا بسمخ في طريقهم عوضاً عن عمان خوف الاعتقال.
علمت السلطة الفرنسية بخبر وصولهم إلى حيفا فكتبت إلى السلطة البريطانية طالبة القبض عليهم وتسليمهم. فتم القبض على جميل مردم بك لأنه كان نازلاً في فندق الكرمل، أما الشهبندر والعظمة فقد استطاعا النجاة بسيارة خاصة أقلتهما إلى جبل الدروز. وقد اعتقل مردم بك نحو ثلاثة أشهر في جزيرة أرواد وأطلق سراحه بعد وصول المسيو دي جوفنيل ولم يقدم إلى المحاكمة.
ونكتفي هنا بالقول إن كل ما جرى من أحداث وما قام من ثورات بين عامي 1918 ـ 1925 وغيرها من الثورات التي وقعت في دمشق وحماة وغوطة دمشق ودير الزور وغيرها من المدن السورية لم تكن إلا نتيجة حتمية لعدة سنوات من سوء الإدارة وتجزئة البلاد وفساد وظلم أجهزة الحكم الفرنسية في عهد الانتداب.








































حزب الشعب

عند استلام الجنرال ساراي Sarrail المندوبية السامية في سورية ألغى الأحكام العرفية وحث الوطنيين على توحيد مطاليبهم في ظل حزب سياسي يعبر عن آرائهم، دافعاً نحو تأسيس أول حزب سياسي في ظل الانتداب.
وهكذا أُنشئ "حزب الشعب"، وهو أول حزب سياسي في سورية بعد إطلاق حرية تشكيل الأحزاب، وكان الهدف من تأسيسه جمع الصفوف الوطنية في هيئة سياسية تنطق باسمها، وقد ضم الحزب في عضويته:
جميل مردم بك ـ حسن الحكيم ـ لطفي الحفار ـ فوزي الغزي ـ إحسان الشريف ـ توفيق شامية ـ فارس الخوري ـ عبد المجيد الطباع ـ أبو الخير الموقع ـ أديب الصفدي ـ سعيد حيدر ـ فخري الباردوي ـ نزيه المؤيد العظم ـ وعبد الرحمن الشهبندر.
في 05/06/1925 افتتح الحزب رسمياً في دار الأوبرا (العباسية) بدمشق بحضور ما يزيد على ألف عضو. وانتخب الدكتور عبد الرحمن الشهبندر رئيساً له وفارس الخوري نائباً للرئيس. وافتتح له فروعاً في حمص وحماة وحلب واللاذقية وتمتع هذا الحزب بتأييد شعبي واسع.
كان برنامج الحزب يهدف إلى تأمين استقلال         البلاد ووحدتها وانتخاب مجلس تأسيسي انتخاباً حراً لسن دستور البلاد، وتحقيق الإصلاحات الاجتماعية وتشجيع الصناعة الوطنية.



تعيين هنري دو جوفنيل مفوضاً سامياً

بعد الأحداث الدامية في سورية بين عام 1925 ـ 1927 قامت الحكومة الفرنسية في 06/11/1925 بتعيين المسيو هنري دو جوفنيل Henri De Jouvenel الذي قام بإجراء انتخابات عامة لتشكيل مجلس تمثيلي من جميع المحافظات، كما أجرى انتخابات منفصلة لدولة العلويين.
قدم السيد صبحي بركات رئيس الدولة استقالته احتجاجاً على هذا الإجراء الذي يتضمن الاعتراف بفصل منطقة العلويين عن الدولة السورية، وقرر الزعماء السياسيين مقاطعة الانتخابات، فأصدر دي جوفنيل أوامره باعتقال عدد كبير منهم وسجنهم في قلعة جزيرة أرواد، وكان بينهم جميل مردم بك.
تسلم الدامادا أحمد نامي نسيب السلطان العثماني عبد المجيد رئاسة الدولة السورية، وبدأ مفاوضاته مع المندوب السامي دي جوفنيل لإبرام معاهدة على غرار المعاهدة العراقية ـ البريطانية لعام 1922، واختار ثلاثة من الزعماء السوريين هم فارس الخوري ولطفي الحفار وحسني البرازي للاشتراك فيها.
اصطدمت جهود دي جوفنيل ـ أحمد نامي بمعارضة الرئيس الفرنسي بوانكارييه Poincarré، وإزاء هذه المعارضة استقال دي جوفنيل في تموز 1926.
لما علم الشعب السوري برفض الحكومة الفرنسية لمشروع الاتفاق بين الدامادا والمندوب السامي الفرنسي، ثارت ثائرته وقامت المظاهرات الصاخبة في الشوارع، وتجددت الاضطرابات في أنحاء سورية.
قامت القوات الفرنسية بقصف دمشق للمرة الثانية جواً وبراً، وكان القصف أشد هولاً وتدميراً من القصف الذي كان عام 1925، ولكن الشعب لم يهن ولم يستسلم بل دامت الثورة سنة أخرى. وصمدت دمشق صموداً بطولياً في وجه النار والدمار، ووقفت باقي المدن السورية إلى جانبها لتساندها في هذا المصاب، وهي تنتظر بشجاعة وصبر وصول المفوض السامي الجديد، لكي تبني على أطلال السنين الماضية صرح مستقبل جديد يرفرف عليه علم سورية، علم الوحدة والاستقلال والاستقرار المنشود.



تعيين هنري بونسو مفوضاً سامياً

في 27/07/1927 أعلن المفوض السامي الجديد (المسيو هنري بونسو H. Ponsot) في بيان إلى الشعب السوري بأنه يلتزم بإصدار دستور للبلاد يقوم بوضعه ممثلون منتخبون من قبل الشعب.
تلقى زعماء سورية هذا البيان بكثير من الارتياح، وقاموا بعقد مؤتمر وطني في بيروت في 25/10/1927 وقرروا فيه خوض الانتخابات النيابية باسم "الكتلة الوطنية".
والجدير بالذكر أن المفوض السامي بونسو قد أصدر عفواً عاماً عن الزعماء الوطنيين واستثنى منهم تسعة وثلاثين، منهم سلطان باشا الأطرش والدكتور عبد الرحمن الشهبندر.
استقالت حكومة الدامادا أحمد نامي في أوائل 1928 وعهد إلى الشيخ تاج الدين الحسني بتأليف الحكومة وإجراء الانتخابات لمجلس تأسيسي وإنهاء حالة الطوارئ. وقد جرت الانتخابات في 09/06/1928 وعقد المجلس التأسيسي أول اجتماعاته في دمشق وانتخب السيد هاشم الأتاسي رئيساً له وتم وضع الدستور الجديد المؤلف من 115 مادة في 07/08/1928 م.
لكن المفوض السامي هنري بونسو بادر إلى طلب إلغاء ست مواد وهي 2 ـ 73 ـ 74 ـ 75 ـ 110 ـ 112 من الدستور. وباختصار لهذه المواد:
تنص المادة /2/ البلاد السورية المنفصلة عن الدولة العثمانية وحدة سياسية لا تتجزأ...
تنص المادة /73/ لرئيس الجمهورية حق العفو الخاص...
تنص المادة /74/ يتولى رئيس الجمهورية عقد المعاهدات الدولية وإبرامها...
تنص المادة /75/ يختار رئيس الجمهورية رئيس الوزراء ويعين الوزراء...
تنص المادة /110/ تنظيم الجيش الذي سينشأ يكون بقانون خاص...
تنص المادة /112/ لرئيس الجمهورية الحق في إعلان حالة الطوارئ...
أنذر المفوض السامي المجلس التأسيسي في 09/08/1928 بأن الإبقاء على هذه المواد من شأنه أن يخلق وضعاً يشوبه الغموض والتشويش، الأمر الذي يحول دون الوصول إلى النتائج العملية المأمولة.
رفض أعضاء المجلس التأسيسي هذا الإنذار فلجأ المفوض السامي إلى تعليق جلسات المجلس لمدة ثلاثة أشهر، ثم أتبعها بثلاثة أشهر أخرى، ثم إلى أجل غير مسمى، مما أدى إلى تأزم العلاقة بين سورية وفرنسا تأزماً شديداً امتد إلى ربيع 1930.
عزم هنري بونسو إنهاء هذه الأزمة فأصدر في 14/5/1930 قرارين:
الأول: يقضي بحل المجلس التأسيسي السوري.
الثاني: نشر دستور جديد يتضمن تعديل المادة الثانية من الدستور الموضوع بحيث تنص على ما يلي: "سورية وحدة سياسية لا تتجزأ". كما تضمن مادة إضافية تحت رقم 116 نصها باختصار:
عدم تعارض أحكام الدستور مع التعهدات التي قطعتها فرنسا على نفسها فيما يختص بسورية، كذلك تعهدات فرنسا الدولية لا تطبق إلا ضمن الشروط التي تحدد في اتفاق يعقد بين الحكومتين.
قابل الشعب السوري هذا التعديل بموجة عارمة من الاحتجاج والسخط، وأضربت دمشق وسائر المدن السورية إضراباً شاملاً صامتاً لم تشهد له البلاد مثيلاً، وجرى اجتماع كبير في دارة فخري البارودي، غير أن الشرطة سدت جميع الطرقات المؤدية إلى بيته في حيّ القنوات، ووضع رجال الإطفائية مضخاتهم وقذفوا المتظاهرين بالماء، مما دفعهم إلى التحول إلى منزل جميل مردم بك للاجتماع فيه، فغصت قاعاته وغرفه بالناس من جميع الطبقات. وخطب جميل بك وقدم للحاضرين قراراً طلب إليهم التصويت عليه فصوتوا بالإجماع وهذا هو:
"إن جمهور سكان دمشق سواء المجتمعين في هذا المكان أو الذين تضامنوا معنا بالإضراب العام الهادئ الذي جرى اليوم، يقررون الاحتجاج على منع الجمعية التأسيسية من إكمال مهمتها... ونحن نعلن بناءً على ما تقدم، بأن الأمة السورية ستثابر على خطتها حتى تبلغ ما تصبو إليه وترمي إلى تحقيقه لما فيه خير البلاد واستقلالها".
كما كان بين الخطباء زكي الخطيب وفخري البارودي وفائز الخوري والدكتور نجيب الأرمنازي ولطفي الحفار. وأُرسل هذا القرار إلى الصحف السورية والعربية لنشره فيها، ثم أبرق جميل بك إلى المسيو بونسو البرقية التالية:
"أرجوكم تبليغ هذه البرقية إلى عصبة الأمم، فقد كلفتني الجموع التي احتشدت اليوم وأيدتها مدينة دمشق بإضرابها الباهر، أن أرسل إلى عصبة الأمم احتجاجها على منع الجمعية التأسيسية من إتمام مهمتها، وعلى قرار تجزئة البلاد بإصدار خمسة دساتير مختلفة، وعلى المادة 116 التي تعطل الدستور وتغاير الاستقلال القومي، وعلى إبقاء الحكومة الحاضرة المؤقتة التي دامت سنتين برغم اشتداد كره الأمة لها، وعلى حرمان فريق كبير من السوريين من العودة إلى بلادهم، وعلى مصادرة الحرية بقوة السلاح، وهم لا يعترفون بأي إجراء لا يصدر عن طريق ممثلي الأمة الشرعيين". مما جعل بونسو يعلن في 19/11/1931 عزمه على إجراء انتخابات نيابية عامة مجدداً في سورية، وأن المجلس النيابي الجديد           سوف يقوم بإجراء مفاوضات مع فرنسا للوصول إلى معاهدة فرنسية ـ سورية على غرار المعاهدة الإنكليزية ـ العراقية لعام 1930.
في 20/12/1931 تم إجراء الانتخابات العامة، وتدخلت فرنسا فيها تدخلاً سافراً، نجم عن ذلك اضطرابات خطيرة في دمشق وحماة، مما أجبر الحكومة الفرنسية على إجراء انتخابات تكميلية في 30/03/1932 كان من نتيجتها فوز (53) نائباً من المعتدلين و(17) من الوطنيين، وكان لهؤلاء الوطنيين الأثر الكبير في إقناع المعتدلين بالتعاون لتحقيق أماني الشعب في الوحدة والاستقلال.
وكان التطلع إلى كيان سوري وطني على غرار البلدان المجاورة تطلعاً وتوجهاً مشروعاً. فنقطة الانطلاق كانت الشرعية الدولية المتمثلة بعصبة الأمم، أما الخلفية الفكرية لذلك التوجه، فقد كانت متقاربة جداً بين          مكونيها: تدرجاً من مناهضة الاستبداد، إلى اللامركزية، ومن ثم إلى العروبة، فالاستقلال وصولاً إلى              الوطنية السورية، والرغبة في الوصول إلى الدولة السورية الحديثة على غرار الدول الأوروبية.
ولأنهم من حيث التركيب الاجتماعي كانوا يتحدّرون من عائلات نافذة اجتماعياً وسياسياً، فقد كانوا استمراراً لخط زعامة سابقة، لكنها مختلفة في المضمون والشكل. لذلك خاضوا معاً تلك التجارب التي وثقت الروابط بينهم، وأضحى تواثقهم معمداً بأحكام إعدام وسجون ونفي وتشريد وكانت مساهمة جميل مردم بك في ذلك بأوضح صورها.
شعر الوطنيون بضرورة تنظيم صفوفهم فقاموا بعقد مؤتمرهم العام في مدينة حمص، وقرروا في 04/11/1932 القانون الأساسي "للكتلة الوطنية" ما ألذ وقع هذه الجملة على آذان الأمة السورية وأحلى ذكرها على لسانهم.






















نصت المادة الأولى من القانون الأساسي للكتلة:
"الكتلة الوطنية هيئة سياسية غايتها تحرير البلاد السورية المنفصلة عن الدولة العثمانية من كل سلطة أجنبية، وإيصالها إلى الاستقلال التام والسيادة الكاملة، وجميع أراضيها المجزأة في دولة واحدة ذات حكومة واحدة، وتأليف المساعي مع العمل القائم في الأقطار العربية الأخرى لتأمين الاتحاد بين هذه الأقطار".
لقد كانت الكتلة الوطنية قمة النضال السياسي في التاريخ العربي المعاصر، وطريقة في المقاومة تخرج عن المألوف، فهي حركة نضالية على خلاف القياس أو على خلاف ما هو معروف في الحركات التحررية.
لم تكن حزباً سياسياً، وليست مجموعة من خلايا المقاومة. والذين عاصروا تأليف الكتلة الوطنية يعرفون أنها مجرد مجموعة من الزعماء، جمعيهم من الرعيل الأول وأكثرهم من ملاّك الأراضي الزراعية، اتفقوا فيما بينهم على حل الأحزاب التي ينتمون إليها وأن يقوموا بعمل مشترك للوصول بسورية إلى الاستقلال ووضع حد للانتداب.
وقد انتخب المؤتمر سبعة أعضاء دائمين مدى الحياة وهم السادة: هاشم بك الأتاسي رئيساً ـ إبراهيم هنانو زعيماً ـ سعد الله بك الجابري نائباً للرئيس ـ جميل بك مردم بك وشكري بك القوتلي والدكتور عبد الرحمن الكيالي وفارس بك الخوري أعضاء.

















ولقد أعلن الزعماء الوطنيون عدم قبولهم بعقد أية معاهدة مع فرنسا قبل عودة الأجزاء المسلوخة عن الكيان السوري من قِبَل السلطة الفرنسية المنتدبة وكان مردم بك على رأسهم...
يقول لطفي الحفار: انبرى للخطابة جميل مردم بك وتلا اقتراحاً برفض مشروع المعاهدة لما تضمنته من الإخلال باستقلال سورية ووحدتها. وحين بلغت المناقشات ذروتها من الحدة، دخلت قوات الأمن قاعة المجلس، فغادرها رئيس المجلس والنواب إلى منزل رئيسه صبحي بركات.
لقد ارتبط مسار جميل مردم بك بتشكيل الكتلة الوطنية، التي كان فيها مختصاً بشكل متميز بدبلوماسيتها ومفاوضاتها الخارجية والعربية مع سلطات الانتداب والبلدان الأجنبية الأخرى حيثما استلزم الأمُر ذلك.
برع جميل بك وأنجز كما فشل لأسباب لا تتعلق بالمهارات، بل بالسياسات الدولية. "لذلك يمكن اعتباره بحق المؤسس الحقيقي للدبلوماسية السورية"، التي هي خبرات متراكمة إبان فترة طويلة، بدأت بمؤتمر باريز، وتطورت بملازمته فيصل بن الحسين في مفاوضاته الشاقة من أجل الدولة الأولى، وهذا ما جعله وطنياً يجيد الوصول إلى المستويات الممكنة، يأخذ منها القليل في حال الضعف والكثير في حال القوة، لكن دون تنازل أو مساومة من حيث المبدأ، خاصة عندما لاحت في الأفق إمكانية إنجاز الاستقلال، إذ كان قد راكم إنجازات متتالية للوصول إلى ذلك الإنجاز النهائي. وكان سلاحه ثقة رفاقه، وذكاءه وذهنه الحاد المتقد. كما كان سلاحه أيضاً لسانه وقلمه الذي ولع بصياغة المواقف والمذكرات تأكيداً للموقف وتثبيتاً للاتفاقات أو التوافقات، ناهيك عن الخلافات، ففي "أعلام العرب" نجد وصفاً كالتالي:
"يفاجئ الأحداث قبل وقوعها فيعالجها بمهارة فائقة فيظن البعض أن في مبدئه التواء.
ويرى أن السياسة الموضوعية خيط في السياسة العالمية الكبرى... لهذا أطلق عليه لقب ثعلب السياسة".



في عام 1933، ولما كان جميل مردم بك وزيراً للمالية والاقتصاد الوطني في عهد الرئاسة الأولى للجمهورية الأولى لمحمد علي بك العابد ورئاسة المجلس لصبحي بركات ورئاسة الوزراء لحقي العظم. تصادم مردم بك مع المجلس النيابي وكان سبب ذلك موازنة الدولة لعام 1933، حيث تقدمت الأكثرية النيابية بطلب إضافة مادة للموازنة تقضي بإسقاط جميع ديون الدولة ومؤسساتها عن المدينين. وكان هؤلاء النواب مدينون للمصرف الزراعي بقروض لم يقوموا بإيفائها، كما أن الكثيرين منهم لم يؤدوا ضريبة العشر التي كان يدفعها المزارعون قبل تطبيق نظام ضريبة الإنتاج الزراعي.
وقد اعترض مردم بك بصفته وزيراً للمالية على هذا الإعفاء... وألقى خطاباً هاجم فيه النواب وخاطبهم بقوله "يا أشباه الرجال"، ولم يصدر قانون الإعفاء إلا بعد أن استقال مردم بك من الحكومة بسبب فشل المفاوضات حول المعاهدة في 18/ نيسان 1933.





تعيين دومارتيل مفوضاً سامياً

ونتيجة لإصابة هنري بونسو بمرض عضال،      قامت الحكومة الفرنسية بتعين "الكونت دي مارتيل              De Martel Comte " مفوضاً سامياً في سورية ولبنان بديلاً عنه.








وفي 14/11/1933 تقدم دي مارتيل إلى الحكومة السورية بمشروع معاهدة صداقة وتحالف بين سورية وفرنسا وقد تم التوقيع عليها في 16/11/1933 م.
لم تنل هذه المعاهدة موافقة الشعب السوري ولا مجلسه النيابي، وفوجئت فرنسا بمعارضة شديدة من أكثرية السوريين بسبب مخالفتها للمعاهدة "العراقية ـ البريطانية"، كذلك لنص يقول ببقاء القوات الفرنسية على الأراضي السورية وبقاء العلاقات الخارجية والبرق والبريد والجمارك والرسوم والضرائب في أيدي السلطة الفرنسية. قام دي مارتيل بتعليق اجتماعات المجلس النيابي إلى أجل غير مسمى.
بقي بعدها جميل بك في ساحة النضال من موقعه في الكتلة الوطنية يعمل بفاعلية ونشاط، وزار المملكة العربية السعودية والعراق ومصر وفرنسا.
في عام 1934 نشأ خلاف بين المملكة العربية السعودية وإمامة اليمن، تطور إلى نزاع مسلح، الأمر الذي أثار قلق الرأي العام العربي. واشترك مردم بك في لجنة المصالحة التي توجهت إلى الجزيرة العربية وبذلت المساعي الحميدة وتوصلت إلى نهاية جيدة عندما عقدت في الطائف "معاهدة صداقة وتحالف" بين الطرفين الشقيقين. وقد أدى جميل بك العمرة مع محمد حكمت مردم بك، والدكتور مدحت شيخ الأرض.























في تلك الفترة وفي آذار 1934 كانت الأنباء الواردة من فلسطين عن الهجرة الصهيونية إلى أراضيها مقلقة للغاية.
"يقول لطفي بك الحفار: إن ما ينذر بأوخم النتائج بالنسبة لإخواننا العرب المهددين في عقر دارهم من المؤسسات اليهودية الصناعية والزراعية المقبلة على شراء الأراضي، واليهود والمتسلحين بسلاح العلم والمال الذين سيشرعون بإنشاء المصانع المختلفة والمزارع المتنوعة للقضاء على صناعات البلاد وزراعتها ومزاحمتها مزاحمة قتالة... يجب علينا مقاومتها مقاومة فعّالة دون أدنى هوادة بالنظر لأضرارها السياسية والقومية والاقتصادية، ومن واجب العاملين المخلصين هنا وهناك أن ينتبهوا لأخطارها علينا وعلى إخواننا وأبنائنا في فلسطين قبل كل شيء وأن يقاوموها بالوسائل الناجعة".
في خريف عام 1934 رصّ الكتلويون الوطنيون صفوفهم في حلب بقيادة الزعيم إبراهيم هنانو، وفي دمشق بقيادة هاشم بك الأتاسي، والتفّ حولهم المؤيدون... وقد ظهر بعض الصحفيون الأحرار الذين أيّدوهم وأيّدوا الوطنيين الذين واجهوا السلطة المنتدبة. وظهر من جهة أخرى بعض الصحفيين الذي اعتادوا على السير خلف أذناب المستعمر وعلى رأسهم جبران التويني الذي كتب عدة مقالات في عام 1935 تحدث فيها عن الفرص التي أضاعها الوطنيون في أثناء مفاوضاتهم مع الفرنسيين حول حلّ القضية السورية وقد ردّ عليه لطفي بك الحفار رداً مناسباً لا مجال لذكره. كذلك ردّ عليه سعد الله بك الجابري رداً مناسباً في جريدة القبس السورية.
وفي عام 1935 وفي 21 تشرين الثاني، فجعت البلاد السورية بوفاة الزعيم الكبير والمجاهد الوطني إبراهيم هنانو (حبيب أهل حلب) العضو البارز في الكتلة الوطنية ونائب رئيسها، صاحب الشعار المعروف عنه "لا أعترف بالدولة المنتدبة فرنسا ولا أتعاون معها"، وبكته حلب بدمعة حرّى ومشت الجماهير يتقدمها زعماء الكتلة الوطنية وراء جثمانه بموكب مهيب ودفن في "مقبرة الإسماعيلية".
ونظم رفاقه في الكتلة الوطنية حفلة تأبين في دمشق بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاته.
يقول السيد وليد المعلم في كتابه "سورية 1916 ـ 1946 الطريق إلى الحرية": استغرب الناس عدم إقامة أعضاء الكتلة الوطنية في دمشق مأتماً لذكرى إبراهيم هنانو كما جرى في حلب والمدن السورية الأخرى، وكثرت الأقاويل في هذا الصدد، مما دعا الكتلة الوطنية بعد انقضاء أربعين يوماً من وفاته إلى أن تقيم حفل تأبين على مدرج جامعة دمشق تبارى فيه الخطباء والشعراء بتعديد مناقب هنانو الوطنية.




الإضراب الستيني

أصدرت "الكتلة الوطنية" بياناً في تشرين الثاني 1935 طالبت فيه بإعلان استقلال سورية وانتهاء الانتداب الفرنسي عليها. وتوثيق صلات التعاون مع البلاد العربية الشقيقة.
أعقب صدور هذا البيان قيام إضراب شامل في 22/01/1936. وقد امتد هذا الإضراب من دمشق إلى سائر المدن السورية، وكان من الأسباب الرئيسة له قيام سلطة الانتداب بإغلاق مكاتب الكتلة الوطنية بالشمع الأحمر. وقد تبعته مظاهرات صاخبة واعتقالات تعسفية بأمر الكومندان "كوليه Collet" والمفوض السامي. وقد تم اعتقال جميل مردم بك ونسيب البكري ومحمود البيروتي وغيرهم.
وتروي السيدة سلمى جميل مردم بك في كتابها "أوراق جميل مردم بك" أنه في مطلع عام 1936 دعت الكتلة الوطنية للإضراب العام، ولبّت الدعوة المدن السورية جميعها وسارت مظاهرات ضخمة، وألقت السلطة الفرنسية القبض على جميل مردم بك في أعقاب خطاب مثير ألقاه في مقبرة الباب الصغير بعد تشييع أحد الشهداء وفرضت عليه الإقامة الجبرية في "قصبة قرق خان"، وكانت هذه المنطقة جزءاً من لواء الإسكندرونة الذي تنازل عنه الفرنسيون للأتراك في عام 1939 م.
واستمر الإضراب حوالي شهرين وسميّ  "الإضراب الستيني"، وانتهى بعد أن عقد اتفاق بين الكتلة الوطنية والمفوض السامي الكونت دي مارتيل. وينص الاتفاق على أن يذهب وفد سوري إلى باريز للمفاوضة من أجل إبرام معاهدة تضمن استقلال سورية وتحقق سيادتها.
تألف وفد برئاسة هاشم بك الأتاسي، وكان مردم بك عضواً فيه، وبعد مفاوضات استمرت حوالي ستة أشهر توصل الطرفان إلى عقد معاهدة في 9 أيلول 1936 م.
يقول السيد وليد المعلم عن الإضراب الستيني:
دفعت أحداث الشغب والاضطرابات التي جرت في سورية بالشعب إلى القيام بحركة مقاومة مدنية بدأت بمقاطعة (شركة التنوير والجر الفرنسية) بدمشق وانتقلت هذه الحركة إلى إضراب شامل في دمشق وطرابلس وبعض المدن السورية الأخرى استمر ستين يوماً تقريباً...
ورد في (مجلة المحرر العدد 443 عام 2004) تحت عنوان ذكرى الجلاء:
في 18/01/1936 خرجت المظاهرة من باب السريجة واصطدمت بالقوة المرابطة في زقاق البركة واعتُقل البعض وكان قد قتل في إحدى المظاهرات محي الدين عربي كاتبي وعلي الزيار. اعتقلت القوات الفرنسية فخري البارودي وسيف الدين المأمون وغيرهما، وفي يوم الجمعة خرجت تظاهرة من المسجد الأموي. عمت المظاهرات دمشق وغيرها من المدن السورية. وفي اليوم الثامن من بداية التظاهرات وفي الساعة العاشرة صباحاً، اجتمع في منزل جميل مردم بك وجوه ورجالات دمشق وقرروا تشكيل وفد لمقابلة المسؤولين الفرنسيين مؤلفاً من: سامي باشا مردم بك وبديع المؤيد العظم ونصوح البخاري وفوزي البكري وفائز الخوري وصبري العسلي وحبيب كحالة وغيرهم...
قابل الوفد الكونت دي مارتيل المفوض السامي بحضور مندوبه في دمشق البارون "فان".
فاجأ المفوض السامي الوفد بقوله "أنا لا أقبل أن يختل النظام ولا أسمع هذا من قوم ينفذون الفوضى وينفخون في نارها ثم يجيئون إليّ يشكون منها. إذا كنتم مرسلين من قِبل جميل مردم بك فأنا أطردكم طرداً". ووقف مهدداً وصارخاً وقال: "لا أريد أن أسمع لقوم يجتمعون عند جميل مردم بك ويأتوني طالبين قمع الاضطراب الذي أحدثوه، وبرهاني على ذلك أنكم آتون من بيت جميل مردم بك وليس عندي وقت للكلام وأنا ذاهب إلى بيروت"، وتدخل البارون "فان" فهاجم المتظاهرين واتهمهم بالنذالة. هنا تدخل نصوح البخاري وقال: نحن جئنا من منزل جميل بك وكان هناك أكثر من ستين شخصاً من جميع طبقات دمشق ونطالب بـ:
1 ـ إعادة الدستور كما وضعته الجمعية التأسيسية.
2 ـ إلغاء نظام الانتداب وإعلان استقلال سورية.
3 ـ إعلان وحدة البلاد السورية.
4 ـ إعادة المبعدين وإطلاق سراح المسجونين.



معاهدة باريز 1936

أوعزت الحكومة الفرنسية إلى مفوضها السامي دي مارتيل أن لا يتأخر في عقد المعاهدة مع أية حكومة سورية حائزة على ثقة أكثرية الشعب السوري.
وجد دي مارتيل أن لا بديل أمامه والحالة هذه من تعديل سياسته تجاه زعماء الكتلة الوطنية. فبدأ مفاوضات مع السيد هاشم الأتاسي رئيس الكتلة الوطنية، ثم أعلن في مطلع شهر شباط 1936 استعداده للتفاهم والعمل مع الوطنيين السوريين على أساس سفر وفد منهم إلى باريز للاتفاق مع وزارة الخارجية الفرنسية على دستور يضمن للبلاد استقلالها ووحدتها، "بموجب معاهدة تعقد بين البلدين في هذا الشأن".
اشترط الوطنيون استبدال حكومة الشيخ تاج بحكومة حيادية، فوافق المندوب السامي وأوعز للشيخ تاج بالاستقالة، وصدر مرسوم بتاريخ 23/ شباط 1936 بتكليف عطا بك الأيوبي بتشكيل وزارة جديدة.








حدد المفوض السامي مهمة وزارة عطا بك الأيوبي بما يلي:
متابعة المبادئ المنصوص عليها في صك عصبة الأمم ضمن نطاق حياة برلمانية تساعد على التوفيق بين فكرة الوحدة واحترام حقوق الأقليات، والعمل على إزالة سوء التفاهم الذي قد يكون بين السوريين وسلطة الانتداب، والتهيئة لعودة الحياة النيابية من أجل إيجاد معاهدة بين فرنسا وسورية، مستوحاة من المعاهدة "البريطانية ـ العراقية"، وتمهيد السبيل أمام دخول سورية إلى عصبة الأمم.
اتفق زعماء الكتلة الوطنية على عدم الإقدام على أية خطوة إلا بعد الوقوف على نيات الفرنسيين، وأذاعوا بياناً بتاريخ 28/ شباط 1936 م وصفوا فيه بيان المفوض السامي بالغموض.
على أثر إذاعة بيان الكتلة دعا المفوض السامي السادة:
هاشم بك الأتاسي ـ عبد الرحمن الكيالي ـ فارس الخوري ـ عفيف الصلح، للاجتماع به في بيروت، وجرت المفاوضات لإزالة الإبهام والغموض في بيان المفوض السامي.
أذاعت الكتلة الوطنية في 2 آذار 1936 بياناً حول الاتفاق الذي جرى بينها وبين المفوض السامي أذكره باختصار:
أولاً ـ الموافقة على أن لا تقل حقوق السوريين في المعاهدة العتيدة عن حقوق إخوانهم العراقيين في معاهدتهم الأخيرة مع بريطانيا...
ثانياً ـ لا مصلحة لفرنسا في تجزئة البلاد السورية...
ثالثاً ـ نقل ساحة العمل التفاوضي إلى العاصمة باريز...
رابعاً ـ إعادة الحياة النيابية الحرة بأسرع ما يمكن...
خامساً ـ إصدار عفو عن المحكوم عليهم،           وإطلاق الحريات...
في 14 آذار 1936 صدر مرسوم جمهوري بتسمية أعضاء الوفد السوري للمفاوضات في باريز ويتألف من:
هاشم بك الأتاسي رئيساً، وفارس الخوري وجميل مردم بك وسعد الله الجابري ومصطفى الشهابي وإدمون حمصي أعضاء، ونعيم أنطاكي وأحمد اللحام بصفة أمينيّ سر الوفد.






استغرقت المفاوضات في باريز حوالي ستة أشهر جرى خلالها نشاط كبير في سورية، حيث تم تنظيم الشبيبة والطلبة والكشافة والفتوة، كذلك تم تشكيل فرقة القمصان الحديدية، وسوف أتحدث عنها بتفصيل أكثر فيما بعد عند الحديث عن فخري بك البارودي.
المفاوضات من أجل المعاهدة:
وصل الوفد السوري إلى باريز في 25/آذار/1936 يرافقه المفوض السامي دي مارتيل، للاشتراك في مفاوضات الوفد مع وزارة الخارجية الفرنسية. وقبل البدء بالمفاوضات غادر دي مارتيل باريز إلى "منتجع فيشي Vichy" للاستجمام وصرح هناك:
"بأنه جاء إلى باريز مع وفد يمثل بعض الوجهاء السوريين ليريهم عظمة فرنسا وحضارتها العمرانية، وسيعود بهم إلى بيروت حيث تجري المفاوضات مع زعماء البلاد الحقيقيين وهم "رجال الدين من المسلمين والمسيحيين".






في غضون ذلك تغيرت الوزارة الفرنسية وأصبحت اشتراكية متطرفة، وعهد إلى السيد ليون بلوم Léon Blum زعيم الأكثرية الاشتراكية بتشكيل الوزارة الجديدة، وبدأت هذه الوزارة بإجراء مفاوضات مع الوفد السوري الذي فوجئ بوصول المطران الماروني من لبنان، الذي طلب بتشدد من فرنسا المحافظة على حقوق الأقليات والطوائف!!...
"أدى ذلك إلى خلق جو من الاضطراب أمام الوفد السوري وتعثرت بعدها المفاوضات".
وقد أورد السيد وليد المعلم في حاشية كتابه "سورية طريق الحرية" ما يلي:
وصلتْ إلى مكتب رئيس الوزراء الفرنسي برقيات تقول (اليوم منعوا المسيحيين في حلب من شرب الخمور وغداً يمنعونهم من دق أجراس الكنائس، نسترحم التشدد في حماية الأقليات خلال مفاوضاتكم مع الوفد السوري).
ووصلت أيضاً عشرات البرقيات من مطرانيات المسيحيين في سورية ولبنان والعراق شرحت ما يعانيه المسيحيون من تزمت رجال الدين المسلمين!!...
ومن وجهة أخرى وصلت إلى الحكومة الفرنسية برقيات وعرائض تحمل مئات التواقيع من مختلف المناطق والطوائف في سورية تطالب بوحدة البلاد واستقلالها وتؤيد مهمة الوفد السوري والتمسك بوحدة الأرض والوطن.
"كما وصلت إلى دار المفوضية الفرنسية في بيروت عشرات البرقيات والعرائض والتواقيع من أهالي طرابلس الشام تطالب بالوحدة مع سورية الأم كذلك من أهالي راشيا والبقاع، ومن العلويين في لواء إسكندرون تحمل آلاف التواقيع وتطالب:
1 ـ بتحقيق الوحدة السورية دون قيد أو شرط.
2 ـ إعادة دستور عام 1928 الذي وضعته الجمعية التأسيسية.
3 ـ إعادة الحياة الطبيعية إلى البلاد السورية.
4 ـ عقد معاهدة مع فرنسا تضمن لسورية الوحدة  والحرية والاستقلال.
ظلت المفاوضات السورية ـ الفرنسية بين شد وجذب إلى أن توصل الطرفان إلى اتفاق على جميع الجزئيات. وفي 9 أيلول 1936 احتفل بمبنى وزارة الخارجية الفرنسية بتوقيع رئيس الوزراء ليون بلوم Léon Blum والسيد هاشم بك الأتاسي رئيس الوفد السوري على هذه المعاهدة التي يشترط تنفيذها "إبرامها من مجلسيّ النواب السوري والفرنسي".
ما أن وصلت أنباء التوقيع على هذه المعاهدة حتى خرج الناس إلى الشوارع للتعبير عن ابتهاجهم وسرورهم بتحقيق أماني البلاد التي طال انتظارها.
عاد الوفد السوري في مطلع تشرين الأول 1936 ووصل حلب حيث استقبل استقبالاً شعبياً حافلاً أعدته له "الكتلة الوطنية" واشترك فيه المفوض السامي             دي مارتيل الذي حضر من بيروت لاستقبال الوفد.
ألقى الخطباء كلمات الإعجاب والثناء على هذه المعاهدة:
وصفها فارس الخوري "بمعجزة القرن العشرين"،
ووصفها جميل مردم بك "بعروسة الشرق"،
وقال سعد الله الجابري: "لم يبق على فرنسا إلا أن تعطينا مارسيليا".
هذا وقد أصدر المفوض السامي قراراً بتعيين موعد الانتخابات النيابية في البلاد يوم 30 تشرين الثاني 1936 لانتخاب مائة وأربعة نواب.
في 09/12/1936 صدر مرسوم جمهوري بإعلان أسماء الفائزين في الانتخابات حيث سجلت "الكتلة الوطنية" ومؤيديها انتصاراً ساحقاً، وطلب أعضاء الكتلة من الدكتور نجيب الأرمنازي أمين عام القصر الجمهوري، إبلاغ رئيس الجمهورية محمد علي بك العابد ضرورة الاستقالة لإفساح المجال أمام الكتلة لإتمام مهمتها الوطنية، فوافق على الاستقالة. كذلك استقالت حكومة عطا بك الأيوبي في 21/12/1936، واجتمع المجلس النيابي وانتخب السيد فارس الخوري رئيساً له، وحصرت نيابتا الرئيس ومراكز مكتب المجلس بأعضاء الكتلة الوطنية.
جرت انتخابات رئاسة الجمهورية ففاز بالأغلبية الساحقة هاشم بك الأتاسي رئيس الكتلة الوطنية. وفي 21/12/1936 أيضاً أصدر هاشم بك الأتاسي مرسوماً بتأليف الوزارة الجديدة برئاسة جميل بك مردم بك الأولى، الذي أحدث ولأول مرة منذ الانتداب الفرنسي وزارتين جديدتين الأولى للخارجية والثانية للدفاع الوطني، كمؤشر على رغبة زعماء الكتلة في التأكيد على استقلال البلاد داخلياً وخارجياً.
في هذه الفترة وبعد أن أصبح جميل بك رئيساً للوزارة قام بوضع حجر الأساس لمسجد لالا مصطفى باشا، وقد وضعت لوحة من الرخام كتب عليها:







وقد جرى رفع هذه اللوحة عن مدخل الجامع            عند توسيعه لأسباب مجهولة وإن كان ظاهرها إزالة ذكر جميل بك وآل مردم بك عن هذا المكان؟
صادق المجلس النيابي في 22/12/1936 على معاهدة التحالف والصداقة مع فرنسا وأبرمت بنودها بقانون تم نشره في 27/12/1936 م. وأصدر المندوب السامي عفواً عاماً عن المساجين والمبعدين السياسيين، وعاد إلى البلاد الدكتور عبد الرحمن الشهبندر وسلطان باشا الأطرش وإحسان الجابري وغيرهم...
يقول الدكتور نجيب الأرمنازي(1) في كتابه "سورية من الاحتلال حتى الجلاء":
تقبل الشعب السوري هذه المعاهدة بقبولٍ حسن، وأعرب عن ثقته بالذين عقدوها، بتأييده المطلق                في الانتخابات التي جرت على أثرها. فحمل رجالها إلى الحكم راضياً مختاراً فرحاً مسروراً، وأنشأ بذلك الجمهورية الجديدة: "جمهورية المعاهدة" التي تتمتع بمزايا لا يستهان بها من الحرية واستقلال...
على الرغم من الفوز الساحق الذي حققته الكتلة الوطنية والذي أدى إلى تربّع قادتها على جميع كراسي السلطة، حاول المعارضون للكتلة تنظيم صفوفهم على شكل هيئات شعبية على أنقاض جمعيات وأحزاب سابقة، وكان أبرز هذه الهيئات "الهيئة الشعبية" التي ترأسها الدكتور عبد الرحمن الشهبندر واشترك معه بعض الهيئات الضعيفة وبعض من انشق عن الكتلة أمثال زكي الخطيب ومنير العجلاني. وألقى الشهبندر في مقر الكتلة الوطنية بدمشق في 15 حزيران 1937 خطاباً هاجم فيه الكتلة بقوله:
"إنني أرمي إلى توحيد الصفوف، ولا أريد أحزاباً ولا أعني بالشخصيات"، ففهم رجال الكتلة أنه يعرِّض بالكتلة وقادتها. كذلك شنَّ منير العجلاني هجوماً على الكتلة وحكومتها ومعاهدتها.
"ويذكر السيد وليد المعلم في حاشية كتابه «سورية الطريق إلى الحرية». بأن الشهبندر وضع كتاباً بعنوان "القضايا الاجتماعية الكبرى في العالم العربي" وهو مجموعة مقالات رأى فيها حاجة البلاد الضرورية إلى التجانس وأن حكومة النخبة هي السبب في طحن الجماهير العربية وجعلها متجانسة... ويرى أنه من الخطأ الوهم بإمكان تأليف حكومة عربية مركزية ديمقراطية... ويؤيد إقامة حلف عربي، ويطالب بالاتحاد مع العراق. ولم يُلق الشهبندر ضوءاً على العامل الديني، فقد طغى على ذلك إيمانه بالقومية القائمة على مرتكز البقعة الأرضية المتجانسة ووحدة النسب والتقاليد العامة. وطالب بمساواة المرأة مع الرجل، وحمل حملة شديدة على حجاب المرأة، وكانت زوجته في مقدمة من رفعوا الحجاب في دمشق!..."
ورد في كتاب عبد الرحمن الشهبندر للدكتور عبد الله حنا:
(لم يكن الدكتور عبد الرحمن الشهبندر في عداد الوفد السوري المفاوض في باريز حيث كان مبعداً ومحكوماً عليه بالإعدام منذ ثورة 1925. من هنا تعمقت جذور الخلاف بينه وبين الكتلة الوطنية، فقد كان يعتبر نفسه أَوْلى من الجميع بترؤس الوفد السوري المفاوض في باريز)، علماً بأن وفد الكتلة في باريز كان دائم الاتصال به عن طريق فارس الخوري ولكن الحقد الذي في نفسه لا بد أن يظهر في أول مناسبة!..
إلى جانب الشهبندر كان من المعارضين زكي الخطيب ومنير العجلاني، وقد سموا أنفسهم (الجبهة الوطنية المتحدة)، وكانوا يرون أن هذه المعاهدة بعيدة عن تحقيق الأماني القومية ولا تحقق الاستقلال، وكأن هؤلاء الثلاثة من الفهم والنبوغ ما يفوق الشعب بجموعه وقادته الذين وافقوا على المعاهدة.
وقد رد عليهم فارس الخوري في خطاب على مدرج جامعة دمشق، ومما قاله: "ليس في المعاهدة التي كتبت بدماء الشهداء ما يمس استقلال سورية، معاهدتنا معاهدة الند للند وهي تؤيد استقلالنا الاقتصادي والسياسي وحرية التعاقد مع الحكومات العربية الأجنبية".
(ومما يؤسف له بأن بعض من يعتبرون أنفسهم مفكرين وهم أنصاف مفكرين في أيامنا هذه ونحن في مطلع القرن الواحد والعشرين يؤيدون رأي الشهبندر!... ليس لشيء إلا لحقدهم على الكتلة الوطنية ورجالاتها الأفاضل نخبة الشعب السوري).
والجدير بالذكر أن الحزب الشيوعي السوري قال في المعاهدة: "لقد أحرز الشعب انتصاراً وطنياً كبيراً في عقد هذه المعاهدة... وحقق الشعب مطالبه الوطنية الكبرى مثل ضم جبل الدروز والعلويين إلى أمهما سورية". هذا بالإضافة إلى الشعب السوري برمته الذي خرج عن بكرة أبيه مهللاً فرحاً بالمعاهدة.
بعد توقيع المعاهدة وعودة الوفد المفاوض، جرت الانتخابات كما سبق ذكره، واستُبعد الشهبندر عن الوزارة التي كان يتحرق ليكون فيها، مما زاد في توجيه نيران نقده للمعاهدة على صفحات الجرائد القاهرية.
ولما عاد الشهبندر إلى دمشق بدأ بتحريض أتباعه الشهبندريين للقيام بمظاهرات الاحتجاج.
في الوقت الذي تعرضت له الحكومة المردمية والحكم الكتلوي الوطني لهجمات المعارضة الداخلية، كانت الدوائر اليمينية الفرنسية تحاول الرجوع عن المعاهدة والتملص منها، والتسويف في المصادقة عليها. ولم يبق مؤيداً لتوقيعها إلا أقصى اليسار الفرنسي. ومع تأخر توقيع المعاهدة ازداد نشاط المعارضين للحكم الوطني الكتلوي وانقسم الشعب إلى ثلاثة أقسام:
1 ـ الرجعية الداخلية الراغبة في بقاء الحكم الإمبريالي الفرنسي المباشر للحفاظ على مواقعها.
2 ـ العناصر الوطنية الشابة.
3 ـ الشهبندريون المذبذبون... الذين كانوا يتمنون المعاهدة ولما تم التوقيع عليها انقلبوا معترضين ولو أنهم جلسوا على كراسي الحكم لوافقوا عليها ورحبوا بها!...
تعرضت الحكومة المردمية للانتقاد، وكأن جميل بك هو الذي تأخر في التوقيع على المعاهدة. وبدأ أعداء البلاد من فرنسيين وإنكليز (الذين دعموا المعارضة لعلهم يحلّون محل فرنسا في سورية) بالهجوم على الحكومة واتهامها بالتقصير، كما دبّ الخلاف داخل الكتلة الوطنية، ووضع رئيس الجمهورية هاشم بك الأتاسي العراقيل في وجهها، وبدأت الثقة بالحكومة تضعف بعد توقيع مردم بك اتفاقية تجديد امتياز البنك السوري ومنح الشركات الفرنسية حق استثمار البترول السوري والتنقيب عنه، وسميت هذه المعاهدة "بونه ـ مردم بك" (وبونه هو جورج بونه وكيل وزارة الخارجية الفرنسية).
أثارت هذه الاتفاقية الكثير من التساؤل واتهم جميل بك بالتساهل مع الفرنسيين، وتعرضت الحكومة إلى انتقاد شديد وقامت المظاهرات الطلابية في أنحاء سورية مما دفع جميل بك لاستقالة وزارته المشكلة من أقطاب الزعامة النضالية في البلاد:
جميل مردم بك رئيساً ووزيراً للاقتصاد ـ سعد الله الجابري للداخلية والشؤون الخارجية ـ شكري القوتلي للمالية والدفاع ـ عبد الرحمن الكيالي للعدلية والمعارف. وكان على مردم بك أن يثبت للملأ أنه ليس في سورية رجال يقبلون التفاهم مع فرنسا على الأسس التي حضر المفوض السامي لتنفيذها... أي تعديل المعاهدة، أو ما رآه المفوض السامي من حيث تغيير بنود المعاهدة لتحقيق الغاية التي هي الإبقاء على الوجود العسكري الفرنسي.
وقد طلب المفوض السامي من جميل بك أن يستقيل من الحكم، لأنه لن يكون هناك تفاهم أو انسجام بين سلوك الحكومة وبين السياسة التي أعلن عنها المفوض السامي.
على أثر استقالة الحكومة الكتلوية (المردمية) اجتمع مجلس الكتلة الوطنية في 20 آذار 1939 وأيد كتاب استقالة الحكومة واعتبر "الأزمة القائمة الآن أزمة سياسة قومية"، واتخذ قراراً هاماً كان نقطة تحول في سياسة الكتلة الوطنية كمجموع إزاء الانتداب، أعلن فيه "عدم جواز استمرار الكتلة الوطنية في الحكم الذي يجب أن يقوم على أساس تنفيذ معاهدة 1936 ودعا إلى عدم تأييد أي حكومة لا تقوم على هذا الأساس. كما دعا الشعب لتوحيد صفوفه".
تفاقمت الأزمة في آذار إلى درجة أن هاشم بك الأتاسي رئيس الكتلة كلف في 5 نيسان 1939 نصوح البخاري بتأليف الوزارة وضمت خالد بك العظم وحسن الحكيم وسليم جنبرت، ولم تصمد هذه الوزارة طويلاً واستقالت في 5 أيار 1939.
بدأت السلطات الفرنسية تحيك المؤامرات وتشن الهجوم على رئيس الجمهورية والمجلس النيابي، وسرعان ما أصدر المفوض السامي في 8 تموز 1939 قراراً برقم 144 أوقف بموجبه العمل بالدستور وحل المجلس النيابي، وانتقلت سورية إلى الحكم الاستعماري المباشر، في الوقت الذي كانت غيوم الحرب العالمية الثانية تتلبد في سماء العالم منذرة بحرب ضروس. وأصدر المفوض السامي قراراً بإقالة رئيس الجمهورية جاء فيه ما يلي:
1 ـ يوقف مؤقتاً تطبيق الدستور السوري فيما يتعلق بتنظيم السلطة التنفيذية والتشريعية.
2 ـ يحل مجلس النواب ويحدد فيما بعد تاريخ        الانتخابات الجديدة.
3 ـ يعهد بتأمين السلطة التنفيذية تحت مراقبة المفوض السامي إلى "مجلس يؤلف من مديري المصالح العامة برئاسة أحدهم (مدير الداخلية)" وبذلك تشكلت حكومة المديرين برئاسة بهيج الخطيب مدير الداخلية وحل مجلس المديرين محل مجلس الوزراء.
وبهيج الخطيب هو من أصل لبناني مسلم سني غير متعصب عارف بالرجال خبير بجميع المناطق السورية، وبحكم انتمائه إلى الماسونية فإن له صلات مع مختلف رجال الأحزاب إلى جانب كونه من رجال الانتداب وقد أعلن الدكتور عبد الرحمن الشهبندر تأييده للخطيب لدى مقابلته له!...
وهكذا فقد كان مجلس المديرين في دمشق يعالج الأمور اليومية، وكانت قراراته ترسل إلى المندوب السامي الذي يوافق أو لا يوافق عليها. وهكذا نجد أن سورية كانت تحكم من قبل رجال من ورق، تنفذ ولا يحق لها أن تعترض،  عبيد للفرنسيين وضعوهم على كراسي الحكم ودعوهم "رئيس وأعضاء مجلس المديرين" تضليلاً للناس!..
منعت هذه الحكومة النشاط السياسي وعاد نفوذ المستشارين واعتقل وطنيون وصحفيون وفتح منفى أرواد من جديد وارتفعت الأسعار ارتفاعاً حاداً وساد التذمر بين أفراد الشعب.




لواء إسكندرون واسطة العقد السوري

الاسكندرون منطقة سورية معروفة باسم "لواء اسكندرون"، ضُمت إلى تركيا عام 1938، وباتت تحمل اسم "محافظة هاتاي". ويقع هذا اللواء في أقصى الشمال الغربي من سورية وتبلغ مساحته 18 ألف كم 2. كان يسكنه عام 1939 حوالي 220 ألف نسمة منهم 87 ألف فقط من الأتراك، ويقع على سفوح جبال طوروس الجنوبية، وتتألف أراضيه من سهول خصبة لا يصيبها الجفاف أبداً. يجري في القسم الغربي منه نهران كبيران هما سيحان وجيحان.
وتبدأ قصة سلب لواء إسكندرون منذ اتفاقية أنقرة أي اتفاقية الصلح الفرنسية ـ التركية في 21/11/1921 م، تلك الاتفاقية التي أقر الجانب الفرنسي في مادتها الأولى بالتنازل لتركيا عن 18 ألف كيلو متر مربع من الأراضي السورية. وكان قد تم التوافق على أنها أرض سورية في مراسلات حسين ـ مكماهون، كذلك أصرّ الملك فيصل بن الحسين في مؤتمر الصلح عام 1919 على المطالبة بها؛ فالمادة السابعة من المعاهدة  نصت على نظام خاص للّواء يتمتع فيه سكانه الأتراك بتسهيلات خاصة لإنماء ثقافتهم التركية، وإعطائها الصفة الرسمية إلى جانب العربية.
على الصعيد الاجتماعي: فقد كان الأتراك يملكون الثروة والنفوذ في اللواء، استناداً للسلطة العثمانية السابقة الممتدة لأربعة قرون، لكن في معاهدة عام 1936 عزز الجانب السوري سلطته على اللواء، استناداً إلى البند الخاص المتعلق بالاعتراف بالوحدة السورية لكل المناطق، على أساس اللامركزية الإدارة والمالية. وبموجب ذلك اعترف الجانب السوري بنظام مالي وإداري للّواء، معتبراً أن ذكر اللواء في معاهدة 1936 هو نصر دبلوماسي يجدد الحوار حوله وينفي قطعية الالتزامات الفرنسية للأتراك.
وقد انزعج الأتراك جداً من تلك الاتفاقية، وحاولوا الحصول من الجانب السوري على تنازل أو تصريح بهذا الشأن بُعيد توقيعها، وذلك أثناء عودة الوفد من باريز ومروره بتركيا.
كان جواب مردم بك للأتراك يومها، بأنهم تحت الانتداب، وأن التوقيع على أي اتفاقية أو معاهدة ليس من صلاحية الوفد، كما وأنه والسيد سعد الله الجابري خارج الحكم.
أعادت تركيا مفاوضاتها مع الجانب الفرنسي، واتُفق على عرض الموضوع على عصبة الأمم في 14/12/1936 لأن فرنسا غير مخولة بالتنازل عن أراضي الدولة المنتدبة عليها بموجب مادة واضحة في صك الانتداب. وتقرر إرسال مراقبين دوليين إلى اللواء، مع تعهد فرنسي بعدم تصديق المعاهدة مع سورية إلا بعد البت بقضيته في عصبة الأمم، مع إنقاص الوجود العسكري الفرنسي في اللواء.
سعت كل من فرنسا وبريطانيا إلى كسب الود التركي. فوافق رئيس الحكومة الفرنسية ليون بلوم على تعيين مفوض سامي خاص باللواء عام 1937 مما فصله سياسياً عن سورية، على أن تصادق على ذلك عصبة الأمم.
قام السوريون في اللواء بتحرك لمواجهة الأتراك، فقام زكي الأرسوزي بتأسيس "عصبة العمل القومي" التي أصدرت جريدة "العروبة" في تشرين أول 1937 وأنشأت نادي العروبة في أنطاكية ثم في الإسكندرون، وذلك في محاولة للتصدي للدعاية التركية.
سارع جميل مردم بك إلى توضيح عدم شرعية الاتفاق الفرنسي ـ التركي لتعارضه مع صك الانتداب للخارجية الفرنسية، وتوجه إلى تركيا محاولاً إنقاذ ما يمكن إنقاذه، فتقدم باقتراح تقسيم اللواء وتبادل للسكان بين المناطق التركية والعربية تبقى بموجبه أنطاكية سورية نظراً لمكانتها المعنوية الهامة كعاصمة قديمة لسورية المسيحية، ويصبح ميناء إسكندرون تركياً مع بقائه ميناءً حراً للتجارة السورية.
وافق رئيس الوزراء التركي عصمت إينونو من حيث المبدأ على اقتراح مردم بك لكنه لدى عرض اقتراحه على أتاتورك استشاط هذا الأخير غضباً، فأقال إينونو وأبعده بشكل كامل عن الحياة السياسية التركية آنذاك.
اجتاح الجيش التركي اللواء في 25/07/1938 وأعلنه سنجقاً مستقلاً تحت اسم "هاتاي"، تحت سمع وأنظار العالم وعصبة الأمم.
وهكذا سُلخ اللواء نهائياً عن سورية على مذبح الحرب العالمية الثانية. وقد عبّرت سورية عن رفضها لهذا الظلم بمظاهرات جماعية حاشدة شاركت فيها النساء بقوة وفعالية تميزت بظهورهن سافرات الرأس والوجه.
في تلك الفترة كانت الكتلة الوطنية عاجزة        (كما كان الشعب السوري كله) عن القيام بأي عمل فعّال لمنع اقتطاع هذا الجزء من الوطن الغالي، فكانت استقالة جميل مردم بك، وتشكلت عدة حكومات بِدءاً من لطفي بك الحفار ثم نصوح بك البخاري، ثم استقال هاشم بك الأتاسي رئيسي الجمهورية في 04/07/1939.
وذهبتْ واسطةُ العِقْدِ من جيد سورية إلى الأحضان التركية، وتقطعت شغاف قلوب السوريين أسفاً وحسرة على اللواء السليب. ومهما مرت الأيام وطُويت الذكريات فلواؤنا قطعة منا وسيبقى في ذاكرتنا وفي نفوسنا وفؤادنا. وهل تنسى الأم وليدها وإن سُلب منها؟...
وتمرّ الأيام، ويأتي الحكم الوطني عام 1943، ولم يعترف هذا الحكم بانتقال اللواء إلى الأتراك. وحتى يؤكد عدم اعترافه، فقد منع الأتراك من التصرف بعقاراتهم في سورية. وفي المحافل الدولية العربية سجلت قضية اسكندرون كأول قضية من قضايا الوطن العربي الدائمة!!...
وخلاصة القول: فإن الحكومة التركية استغلت سلب لواء اسكندرون، وسورية لم تكد تنفض عنها غبار الاستعمار الفرنسي وتتحرر من قيوده؛ فكانت الحكومة السورية لا تستطيع أن تتخذ سياسة مستقلة في معالجة هذه المشكلة الخطيرة، كما أن ساسة الأتراك وجدوا الظروف الدولية ملائمة لغايتهم العدوانية فانقضوا على فريستهم الضعيفة وسلبوها وعيون أهلها تنظر إليهم!!!...




اغتيال الدكتور عبد الرحمن الشهبندر

في السابع من تموز عام 1940 اغتيل الدكتور الشهبندر، فحاول بهيج الخطيب إلصاق تهمة القتل بالوطنيين، حيث اعتقل منهم ما يقارب من ثمانين وطنياً. وبالرغم من اكتشاف القتلة الحقيقيين، وكان بينهم: رجل يدعى أحمد عصاصة والشيخ معتوق، فإن بهيج الخطيب طلب من القاتل أن يزج بأسماء زعماء الكتلة الوطنية مقابل السعي للتخفيف عنه، فادّعى عصاصة بأسماء           مثل: عاصم النائلي وشكري القوتلي وجميل مردم بك ولطفي الحفار وسعد الله الجابري، مما دفع بزعماء          الكتلة للهرب من دمشق، بينما بقي شكري القوتلي             في حماية قنصل السعودية. وتوجه جميل بك              ولطفي الحفار إلى العراق ولحق سعد الله الجابري            بهما فيما بعد.














تفصيل عملية اغتيال الشهبندر لعلاقة ذلك بجميل مردم بك وصحبه:
ما أن غادر آخر مريض عيادة الدكتور شهبندر وقت الظهيرة، حتى أقبل عليها خمسة من المجرمين، يحمل أحدهم سلة تفاح كهدية، سلمها للخادم إبراهيم الكردي، ودخل اثنان العيادة، وانتظر آخران خارجها، وبقي الخامس أمام مدخلها قريباً من سيارة أجرة.
تقدم أحد المجرمين "أحمد عصاصة" من الشهبندر الذي همّ بمعاينته، فأطلق عليه رصاصة من مسدس أصابته في رأسه فاستشهد على الفور، وفر المجرمون دون أن يشاهدهم أحد سوى الخادم الذي أفزعه المنظر وشلّ حركته، بينما امتطى المجرمون السيارة التي كانت بانتظارهم لتنقلهم إلى البساتين المحيطة بدمشق حيث يتوارون فيها.
انتشر نبأ الجريمة كالبرق، فعم الحزن والأسى. وفي اليوم التالي شيعت البلاد شهيدها إلى مثواه الأخير، ودفن في جوار صلاح الدين الأيوبي.
تمكنت قوات الأمن وبسرعة فائقة من إلقاء القبض على المجرمين الخمسة:
1 ـ عادل عصاصة الملقب بأحمد.
2 ـ أحمد طرابيشي.
3 ـ محمد معتوق.
4 ـ عزت الشماع.
5 ـ سعيد الحصري.
وبعد استجوابهم أصدر النائب العام مذكرة بتوقيف عدد من المواطنين كان من بينهم بعض قادة الكتلة الوطنية ورجالاتها في دمشق.
مذكرة توقيف الأظناء التالية أسماؤهم:
1 ـ عادل بن محمد عصاصة الملقب بأحمد ـ مواليد دمشق 1921.
2 ـ أحمد بن قاسم الطرابيشي ـ مواليد دمشق 1920.
3 ـ محمد صالح بن الشيخ أحمد معتوق ـ مواليد دمشق 1919.
4 ـ سعيد بن أحمد الهندي الملقب بالحصري ـ مواليد دمشق 1920.
5 ـ عزت بن توفيق الشماع ـ مواليد دمشق 1920.
6 ـ سامي بن سعدو الحفار ـ مواليد دمشق 1912.
7 ـ محمد بن خيرو الحافي ـ مواليد دمشق 1919.
8 ـ خليل بن إبراهيم الغندور ـ مواليد دمشق 1922.
9 ـ عاصم بن غالب النائلي ـ مواليد دمشق 1913 .
10 ـ جميل بن عبد القادر مردم بك ـ مواليد دمشق 1893.
11 ـ سعد الله بن عبد القادر الجابري ـ مواليد حلب 1892.
12 ـ لطفي بن حسن الحفار ـ مواليد دمشق 1890 .
13 ـ محمد الحرش ـ مواليد دمشق 1920 (فار).
14 ـ فوزي القباني ـ مواليد دمشق 1898 (فار).
الجدير بالذكر أن السبب في حشر أسماء بعض          قادة الكتلة الوطنية ورجالاتها في مذكرة التوقيف،          أن عصاصة اعترف في إفادته الأولية بعد توقيفه بأن       عاصم النائلي (مدير مكتب جميل بك) وسامي الحفار أكدا له أن الشهبندر كافر خائن وعميل للإنكليز ولهذا لا بد من اغتياله وبأنه بعد الاغتيال ستنقلهم سيارة إلى العراق، وأن جميل مردم بك وسعد الله الجابري ولطفي الحفار سيدفعون لمن يقوم بهذه الجريمة مبلغاً من 300 ـ 400 ليرة ذهبية. إن هذه الإفادة التي نفاها النائلي منذ البداية، ثم تراجع عنها عصاصة أمام المحكمة ليست سبباً كافياً للزج بالكتلة الوطنية في هذه الجريمة لولا نوايا سلطات الانتداب وحكومة المديرين برئاسة بهيج الخطيب في إحداث انشقاق وطني بين الكتلة الوطنية والهيئة الشعبية (الموالية للشهبندر).






المحاكمة:
أصدر المفوض السامي الفرنسي قراراً بتشكيل محكمة مختلطة خاصة للنظر في الجريمة. تألفت من رئيس فرنسي هو القاضي "فورييه" وعضوين فرنسيين، وعضوين سوريين. ومثّل النيابة العامة فيها السيد "مصطفى حكمت العدوي"، وعين الجنرال "كويتو Couetoux" محققاً عسكرياً، وسميت هذه المحكمة "بالمجلس العدلي". وفيما يلي (قرار الاتهام) الصادر عن النيابة العامة بدمشق لدى المجلس العدلي في قضية مقتل الشهبندر الصادر في 26/10/1940. وإني أذكره كاملاً ليرى كل أعمى بصيرة، وكل من لا يرغب أن يعرف الحقيقة، وكل من يتجنى على عمالقة الكتلة الوطنية، ويعرف أن أبناء العائلات العريقة لا تقتل خصومها، فهي أطهر من ذلك وأكثر نبلاً:
إن النائب العام لدى المجلس العدلي القائد مصطفى حكمت البدوي بناء على التحقيق الجاري... يعرض ما يلي:
منذ عدة سنوات كان أحمد عصاصة يجتمع بصورة منتظمة إلى المدعوين صالح معتوق وأحمد الطرابيشي وسعيد الحصري وعزت الشماع، وكان يجتمع من جهة أخرى إلى سامي الحفار ومحمد الحرش وخليل غندور ومحمد الحافي.
وأنه قبل الجريمة بشهر ونصف تقريباً، أي في 29/05/1940، بينما كان أحمد عصاصة ماراً في سوق الحميدية دعي من قبل سامي الحفار إلى الجامع الأموي فدخلا إلى الجامع حيث التقيا بأبي صياح الحرش ومحمد الحافي وبأبي فياض الغندور وفوزي القباني وشاب عُرف أثناء المقابلات أنه عاصم النائلي، وكان هذا الأخير يقول: إن الدكتور شهبندر جاسوس إنكليزي وهو عامل على تفريق الكلمة وتمزيق الكتلة الوطنية. وقد دار الحديث عن وجود خونة كالدكتور، وقد قيل عنه بأنه عدو الدين والكتلة، فاتفق جميع الحاضرين على اغتياله وعلى الاجتماع في اليوم التالي في منزل عصاصة.
وفي 30/05/1940 اجتمعوا كلهم ما عدا فوزي القباني في منزل عصاصة، وقد طال الاجتماع ساعة تقريباً، وكان الحديث يدور حول الموضوع السابق، وكان عاصم النائلي يقول إن الشهبندر إنكليزي السياسة ويرغب في إدخال الانكليز إلى هذه البلاد، وهو الذي فرّق الكلمة في البلاد وأوصلها إلى هذه الحالة، وكان الجميع يوافقون على هذا الكلام ويقولون عن الدكتور أنه "خائن ومضر بالبلاد" ويمدحون الكتلة، وجرى بحث في كيفية تنظيم الاغتيال، فأصروا جميعهم عليه، وأن سامي قال لهم: بعد الاغتيال ستنقلنا سيارة إلى العراق فيما إذا عُرفنا، وإن معيشتنا مؤمنة هناك من قبل جميل مردم بك وسعد الله الجابري ولطفي الحفار، وأيد هذا الوعد عاصم النائلي، وقال عصاصة أن جميع المسلمين سيعطفون علينا بعد الجرم، وكل شيء مؤمن لنا في العراق، وأننا سنقبض بعد ارتكاب الجريمة ثلاثمائة أو أربعمائة ليرة عثمانية بواسطة عاصم النائلي، يدفعها جميل مردم بك وسعد الله الجابري ولطفي الحفار، وتقرر أن يقوم عصاصة بالكشف على مكتب الدكتور وسيحضر بالاشتراك مع سامي الحفار الأسلحة اللازمة بواسطة الشاب المذكور أعلاه.
في اليوم الثاني في 01/06/1940 اجتمع في الجامع الأموي بناء على اتفاق سابق، كل من سامي الحفار والغندور والحافي وعصاصة، وقالوا بأن الرجل الشريف هو جميل مردم بك وجماعة الكتلة الوطنية وأن جميل مردم بك كان قد تحمل مشاقاً وذهب إلى باريز. وقالوا أيضاً بأن الفرج قريب، وقد حان وقت العمل فاتفقوا جميعاً على اغتيال الدكتور شهبندر وإعلان الحرب على حزبه، واتفقوا أن يجتمعوا في اليوم التالي.
وفي اليوم التالي، 02/06/1940، اجتمع في الجامع الأموي بناء على اتفاق سابق كل من عصاصة والحرش والغندور والحفار، وطلبوا من عصاصة أن يجد مريضاً ليذهب معه إلى عيادة الدكتور شهبندر ليكشف المحل، وقالوا له أنه سيجد الحافي في منتصف سوق الحميدية، وإن هذا الأخير سيعطيه دراهم. وبالفعل وجد عصاصة الحافي أمام الجامع الصغير ينتظر في سوق الحميدية، ولما رآه الحافي سلمه خمساً وعشرين ليرة سورية بدون أي طلب من عصاصة، فسأله عصاصة عن السبب فأجابه الحافي: إن ذلك أجرة معاينة الطبيب.
في 03/06/1940 أخذ عصاصة صديقه أحمد الطرابيشي إلى عيادة الدكتور شهبندر، فعاينه الدكتور ودفع له عصاصة ثلاث ليرات سورية أجرة المعاينة، ولما سأل الدكتور عن اسم المريض أجابه عصاصة فوراً أنه يدعى حيدر رمضان، وكان ذلك بناءً على التعليمات المعطاة له من قبل سامي الحفار، وقد أيدّ ذلك دفتر أسماء المرضى للدكتور شهبندر.
ولما عاد عصاصة إلى الجامع الأموي وجد الحفار والحافي والحرش والغندور والقباني، وأن هذا الأخير عندما شاهد عصاصة آتياً قال: ها هو قد أتى، وذهب بعد ذلك فسرد لهم عصاصة كل ما جرى معه وكل ما رآه عند الطبيب، وأعاد إلى محمد الحافي 22 ليرة سورية المتبقية، عندئذ قال له سامي الحفار والحرش: يجب أن تتفرغ عدة أيام لإيجاد أشخاص يرافقونك إلى عيادة الطبيب.
في 5 أو 6 حزيران 1940 مساءً قرع باب دار عصاصة رجل لم يتمكن التحقيق من معرفته، فسلم عصاصة كيساً يحتوي على مسدس وغلاف ومشطين قائلاً له: خذ هذا فإن الجماعة أرسلوه إليك. وقد أثبت التحقيق أن الحرش كان قد اشترى الغلاف من عند السروجي إسماعيل سوار وكان في ذلك الحين يرافقه عصاصة.
في يوم 8 أو 9 حزيران 1940 تقابل عصاصة مع أبي صياح الحرش فسأله الأخير عما إذا كان استلم المسدس فأجابه عصاصة بالإيجاب.
وفي يوم 15 أو 16 حزيران 1940 قضى أبو صياح الحرش ليلته في منزل عصاصة، ولما سأله عصاصة عن هذه المؤامرات انبرى أبو صياح الحرش بمدح جميل مردم بك قائلاً: "إنه على استعداد أن يضحي بحياته في سبيل حزب جميل بك وأنه بعد خمسة عشر يوماً يكون الناس جميعهم ضد الدكتور شهبندر".
وبعد مدة، عقد اجتماع في دار محمد الحرش ضم الحرش والحفار والغندور والحافي، وقد تذاكر هؤلاء بالخطة التي يجب اتباعها في الاغتيال، فاتفقوا على أن يكون ذلك يوم الأربعاء في 3 تموز 1940 مساءً، على أن يكون الاجتماع في المسجد الأموي، واتفقوا أن يقوم الغندور بإطلاق الرصاص يساعده الباقون بإتمام الجريمة.
ولما أعلمهم الغندور أن ليس لديه سلاح، فأجابه الحفار أنه سيزوده بمسدس، وطلب الحفار إلى عصاصة أن يذهب معهم ليرشدهم إلى دار الدكتور، فذهب الحفار وعصاصة والحرش والحافي والغندور، وأرشدهم عصاصة إلى الدار. وفي هذا الاجتماع قال الحرش والحفار: بعد الاغتيال ستقبضون من جميل مردم بك ولطفي الحفار وسعد الله الجابري ثلاثمائة أو أربعمائة ليرة ذهبية وسيرسلونكم إلى العراق عن طريق قرايا الملح.
في 25 حزيران 1940 ذهب عصاصة بناءً على طلب محمد الحافي إلى الجامع الأموي، فوجد فيه الحرش والغندور والحافي والحفار ولم يتمكن التحقق من معرفة الحديث الذي دار بينهم في هذا الاجتماع، إنما ثبت من اعتراف الأظناء أنهم كانوا متفقين على اغتيال الدكتور الشهبندر في ذلك اليوم، وأن الغندور أظهر استعداده للقيام بهذه المهمة، فوزع سامي الحفار مسدسان على الغندور والحافي وكان هو والحرش مسلحين، فأصبحوا كلهم مسلحين عدا عصاصة على ما يظهر، فخرجوا من الجامع قاصدين مكتب الشهبندر، فدخلوا جامع دك الباب حيث أدوا صلاة المغرب ثم توجهوا إلى عيادة الشهبندر، فرأوا أمام مكتب الدكتور شخصاً قال لهم: عودوا فإن الدكتور لم يحضر، وقد قيل عن هذا الشخص أنه ابن الطباع أو ابن الطباخ، ولكن التحقيق والمقابلات العادية التي جرت لم تتمكن من معرفة هذا الشخص، فذهبوا بعد ذلك إلى دار عصاصة واعتذر الحفار والغندور إلى دار عصاصة وظل الحرش والحافي في تلك الليلة في دار عصاصة، وقد اعترف الحرش إلى عصاصة بناء على طلب وإلحاح الثاني للأول أنهم قادمون لاغتيال الشهبندر، بناءً على طلب جميل بك وسعد الله الجابري ولطفي الحفار، وأن هؤلاء الثلاثة سيساعدونهم مادياً ومعنوياً فيما إذا قُبض عليهم، وهم الذين أخبروا الحرش عن وجود الدكتور في مكتبه في ذلك النهار، وأن المسدس الذي أُرسل إلى عصاصة هو ملك أحد فلاحي الغوطة من رجال جميل مردم بك.
في 3 تموز 1940 اجتمع سامي الحفار والحافي وعصاصة في الجامع الأموي. وقد انتقي الغندور لاقتراف الجريمة، إنما خاف هذا الأخير نتيجة هذا العمل فترك الاجتماع وفرّ إلى السويداء، ولم يسفر هذا الاجتماع عن شيء.
في نهار الخميس المصادف 4 تموز اجتمع عصاصة إلى سامي الحفار بناءً على طلب هذا الأخير بواسطة غلام في جامع الياغوشية في الشاغور، وقد شاهد هناك أيضاً الحرش والحفار، وقد طلب هذان الشخصان إلى عصاصة أن يقوم باغتيال الشهبندر وشجعاه على هذا العمل بتحريض من جميل مردم بك وسعد الله الجابري ولطفي الحفار وأقنعاه بلزوم القيام بهذه المهمة مع بعض رفاقه لكونهم غير مشبوهين، وقال سامي الحفار أنه أراد أن يقوم عدة مرات بهذه المهمة إنما لم ينجح لكونه مشبوه، ولهذا السبب أسندوا إلى عصاصة هذه المهمة، فقبل عصاصة حينئذ، ورسم له سامي الحفار الخطة التي يجب اتباعها، واتفقوا أن يجتمعوا في اليوم الثاني أي يوم الجمعة في جامع دنكز حيث يسلمونه الأسلحة اللازمة.
في نفس اليوم اجتمع عصاصة مع رفاقه الطرابيشي والشماع والمعتوق والحصري في جامع النورية، فأعاد على مسامعهم أقوال الحفار والحرش وطلب إليهم أن يشتركوا معه بجريمة الاغتيال، فاتفقوا جميعاً على ذلك، وقد زاد صالح معتوق قائلاً: "إن الدكتور شهبندر ملحد ويجوز قتله شرعاً".
في يوم الجمعة 5 تموز 1940 ظهراً اجتمع عصاصة إلى الحفار والحرش في جامع دنكز فاستلم منهما صرة ضمنها ثلاثة مسدسات وأخذ منهما أيضاً ثلاث ليرات بناء على اتفاقهم. وفي نفس النهار ذهب عصاصة والمعتوق والشماع والحصري والطرابيشي إلى الربوة على سبيل النزهة، وكان الحديث بينهم عن الدكتور شهبندر، ومن المحتمل أنهم قد تباحثوا في كيفية الاغتيال، فاتفقوا جميعهم أن يجتمعوا غداً في جامع النورية.
في اليوم المعين أي يوم السبت الواقع في 6 تموز ما بين الساعة السابعة والثامنة اجتمع كل من عصاصة والمعتوق والشماع والطرابيشي والحصري في جامع النورية، فوزع عليهم عصاصة المسدسات، وكان مع المعتوق مسدس قديم، وأخذ من عصاصة أفضل منه، وأعطى مسدساً إلى الشماع، ثم خرجوا من الجامع وذهبوا حتى سوق التبن وافترقوا في هذا المكان، فذهب عصاصة والحصري لشراء سلة تفاح لاعتقادهم أن ذلك يكون دليلاً على نيتهم الحسنة نحو الدكتور، وقد سبقهم المعتوق والشماع والطرابيشي إلى شارع البرلمان حيث انتظروا الحصري والعصاصة، وقد وصل هذان الأخوان ومعهما سلة التفاح، ثم عاد عصاصة وحده حتى سوق الخيل، فاستأجر سيارة، وشارط السائق أن ينقل له مريضاً من شارع البرلمان حتى محلة الفحامة، وطلب إليه أن ينتظر مدة من الزمن. ولما أتى عصاصة إلى شارع البرلمان في السيارة وجد الشماع أمام دائرة الصحة، فأوقف السيارة في هذا المكان، وظل الشماع بالقرب منها ثم ذهب عصاصة، وبعد قليل أوعز الشماع إلى السائق أن يتجه بسيارته إلى مفرق الفرنسيسكان وأن يوقفها مقابل الشارع الذي يقطن فيه الدكتور، وتوجه في هذه الأثناء العصاصة والحصري والمعتوق والطرابيشي إلى عيادة الدكتور، فظل الحصري في الشارع أمام المنزل يراقب الطريق، ودخل المعتوق وعصاصة والطرابيشي غرفة الانتظار، فعرف الخادم عصاصة والطرابيشي؛ إذ أنهما كانا قد زارا الدكتور من قبل، فأخذ منهما سلة التفاح وأخبر الدكتور بوجودهما.
بعد انتظار قليل أذن لهما الدكتور بالدخول، فدخل عصاصة والطرابيشي إلى غرفة المعاينة، وبينما كان الدكتور منحنياً على الطاولة يدقق في دفتر زيارات مرضاه ويبحث عن الوصفة التي كان قد أعطاها للمريض، أطلق عصاصة عليه عياراً نارياً فأصابه في الناحية الحلمية اليمنى، فوقع الدكتور على الأرض، فخرج الاثنان من مدخل ثانٍ مارين بغرفة الاستقبال حيث اجتمعا بالخادم فهدده عصاصة بسلاحه فخاف الخادم وفر إلى المطبخ، ثم اجتمعا على الدرج بالمعتوق، وفي أسفل الدرج بالحصري، فانطلقوا جميعهم هاربين نحو السيارة. وهناك هددوا جميعهم السائق بمسدساتهم وطلبوا إليه أن يسرع، وكان عصاصة يوجهه إلى حيث يريد حتى وصلوا إلى محلة الفحامة فالتجأوا إلى دار شقيقة عصاصة، حيث سلم كل منهم مسدسه إلى عصاصة، وتفرقوا بعد أن تناولوا طعام الغذاء.
وفي نفس النهار ذهب عصاصة إلى جامع الياغوشية ومن ثم إلى منزل فوزي القباني بناء على الموعد المتضمن أنهم سيجدون سيارة تقلهم إلى العراق، فوجد الجامع مغلقاً ولم يجد أحداً في دار فوزي القباني، فعاد إلى منزله حيث قضى ليلته، ثم في صباح اليوم الثاني الأحد ذهب إلى المهاجرين فقضى فيها ليلتين أو ثلاث مع المعتوق والشماع، وفي يوم الأربعاء عاد عصاصة إلى الشاغور وسلّم المسدسات إلى رجل يعرف أن له صلة دائمة مع الحفار والحرش، ومن ثم ذهب إلى منزل محمد الحافي وقضى فيه ليلة، وأخبره الحافي بأن الحرش والحفار قد استلما المسدسات وأنهما سيجتمعان إليه.
في اليوم الثاني اجتمع عصاصة إلى الحرش في بساتين الميدان، وكان مع الحرش رجلان، فأخذ عصاصة من أحدهما مسدسه "البرابلو" الذي كان قد استعمله في الجريمة، وقضى الليل في البساتين مع الحرش.
وفي نهار الجمعة 12 / تموز 1940 فوجئ عصاصة والحرش أثناء وجودهما في البساتين برجال الشرطة فأطلقا النار عليهم وفرا هاربين، وبعد ذلك عادا إلى محلة الميدان وافترق عصاصة عن الحرش، وراح عصاصة ينتقل من منزل إلى آخر حتى ألقي القبض عليه يوم الاثنين في 15 تموز 1940.
ويُستنتج من كل ذلك أن المدعو عصاصة قد أقدم على اقتراف جريمة القتل عن سابق تصور وتصميم أي منذ أواخر شهر أيار، وإن هذه الفكرة ظلت في ذهنه حتى يوم اقتراف الجريمة، وأنه هو الذي أقنع شركاه المعتوق والطرابيشي والحصري والشماع بلزوم اقتراف تلك الجريمة، وأنه هو الذي قام بتنظيمها، وأنه حاول أثناء التحقيق الاستنطاقي أن يخفف عن نفسه المسؤولية فقال: إنه كان أطلق النار على الشهبندر من دون قصد لأن مسدسه كاد يقع من حزامه فالتقطه، وإذ ذاك انطلق العيار الناري من دون أدنى إرادة.
إن هذا الأسلوب هو مناقض لجميع الأدلة التي  جاءت ضده أثناء التحقيق ومتناقض حتى مع إفادته      السابقة التي اعترف فيها اعترافاً صريحاً أنه هو الذي أطلق النار بملء إرادته.
ولا شك بأن المدعوين المعتوق والطرابيشي والشماع والحصري قد وافقوا عصاصة على اقتراف جريمة قتل الشهبندر، واشتركوا في هذه الجريمة وهم عالمين بها وعلى إطلاع تام بها، وإن كل ذلك ثابت في إفادتهم لدى الشرطة والمستنطق الأهلي. وقد حاولوا أن يرجعوا عن هذه الإفادات أمام المستنطق وينفوا التناقضات التي ظهرت في إفاداتهم السابقة. وإن الشيخ صالح معتوق قد لعب دوراً هاماً إذ أنه سهّل لعصاصة مهمة قبوله قتل الدكتور قائلاً له: (إن قتل الدكتور مسموح شرعاً). وهو الذي أوعز إلى عصاصة وهو في السجن أن يبدل إفادته لدى المستنطق كما هو ثابت من الكتاب الذي صودر منه في السجن وهذا الكتاب يؤيد بصورة جلية الوقائع المسرودة أعلاه.
أما الحرش والحفار والحافي والغندور فإن هؤلاء الأظناء قد عملوا على تهيئة الجريمة أثناء الاجتماعات العديدة التي اشتركوا فيها وكوّنوا فكرة الاغتيال، وكان الحرش والحفار يشجعان هذه الفكرة ويبذلان كل ما في وسعهما من جهد لإقناع رفقائهما، ولما تم الاتفاق بينهم على الاغتيال، أخذ الحرش والحفار يهيئان الخطط اللازمة لإتمام الجريمة، وقد بيّتا للقتلة الخطة الواجب اتباعها، كما أنهما زوداهم بالأسلحة اللازمة، وأنه أثناء الاستنطاق قد أنكر سامي الحفار جميع الأعمال المنسوبة إليه، ولكنه كان قد اعترف أمام المستنطق الأهلي وأمام مدير الشرطة ومترجمه العريف بهجت كمال بأنه كان قد اشترك في الاجتماع الذي عقد في الجامع الأموي وحضره شاب قال الحرش عنه أنه عاصم النائلي.
وأما الغندور والحافي فإنهما بعد موافقتهما على مشروع الاغتيال اشتركا فعلاً في جميع المؤتمرات التي كان من شأنها تهيئة الجرم وتسهيل تنفيذه، وأن الفكرية المجرمة قد اختمرت في أذهانهما لدرجة أنهما لم يكتفيا بالاشتراك في محاولة القتل التي جرت في 25/06/1940 بل قدّم الغندور نفسه للقيام بمهمة الاغتيال.
وقد ثبت أيضاً من التحقيق أن فوزي القباني كان على إطلاع تام بكل ما يجري بين المتهمين العصاصة والحفار والحرش والحافي والغندور، وأنه كان حضر أول اجتماع في الجامع الأموي وكان كلما شاهد أحد المتهمين حاول أن يمده بالمال فيما إذا كان محتاجاً لذلك. ويستنتج أيضاً من أقوال المتهمين أن موعد اجتماعهم بعد القتل كان في دار فوزي القباني أو في جامع الياغوشية حيث كانوا موعودين أن تنتظرهم هناك سيارة لتأمين فرارهم.
ويُستنتج أيضاً بان المدعو عاصم النائلي كان قد اشترك بالاجتماعين الأولين اللذين عقدا في الجامع الأموي وفي منزل عصاصة، وقد توصل النائلي في هذين الاجتماعين إلى إقناع رفقائه بقتل الشهبندر قائلاً لهم: إن الدكتور شهبندر خائن ومضر للوطن. وقد حرضهم على الاغتيال وسهل لهم ذلك بالوعود والتأمينات وخلافها. وقد عرفه عصاصة لدى أول مقابلة جرت وفقاً للشروط القانونية، كما أن الحافي قد اشتبه فيه.
ويستنتج أيضاً من إفادات العصاصة والحفار والحافي والغندور أن الدافع والمحرض لهم على اقتراف جريمة قتل الشهبندر هي الوعود والتأمينات والحيل والدسائس التي  قام بها بصورة غير مباشرة كل من جميل مردم بك وسعد الله الجابري ولطفي الحفار، والتي يتضمن أكثرها مساعدتهم مساعدة مالية وتأمين سفرهم للعراق وتأمين معيشتهم هناك. وإن فكرة اغتيال الشهبندر كانت في نية جميل مردم بك قبل وقوع الجريمة كما تبين من شهادة المدعو محمد الدرخباني.
وقد ثبت أيضاً أن المتهمين لم تكن غايتهم الوحيدة قتل الشهبندر فحسب، بل كانوا يرمون من وراء ذلك إلى إيقاد نار الفتنة بين الأحزاب ليتمكنوا بعدئذ من الوصول إلى بغيتهم، ألا وهي نشوب اضطرابات تؤدي إلى حرب أهلية طاحنة.
وقد أيدّ التحقيق أيضاً المعلومات الآتية باختصار:
أولاً ـ خلافاً لما قاله عصاصة وعاصم نائلي فإن الشاهد محي الدين بدوي أفاد أنه رآهما واقفين أمام دكان صبحي مالك...
ثانياً ـ تبين من شهادة الدكتور منير شيخ الأرض أنه كان سعى مراراً للتوفيق بين جميل مردم بك والدكتور شهبندر غير أنه فشل في مسعاه...
ثالثاً ـ أفاد الشاهد محمد الدرخباني أن كان كُلف مراراً من قبل جميل مردم بك للقيام بمهمة اغتيال الشهبندر لقاء وعده بمبلغ من المال، وقد أفاد هذا الشاهد أن الشيخ الصابوني قد توسط لديه كي لا يعطي شهادة ضد جميل بك...
رابعاً ـ أفادت الآنسة هيلين عجمي لدى المستنطق الأهلي خلافاً لأقوال جميل مردم بك وعاصم النائلي، من أن جميل بك قد زار النائلي أكثر من مرة، وقالت أنها كانت تكلمت مع شقيقتي عاصم النائلي بهيجة وخديجة وقال لهما أن آل المؤيد العظم مستعدون لإسقاط الدعوى عن عاصم النائلي فيما إذا اعترف بالحقيقة.
وبناء على ذلك:
أولاً ـ إن المدعو أحمد عصاصة متهم كونه ارتكب في دمشق في 06/07/1940 وفي وقت لم يمر عليه الزمن، جريمة القتل عمداً على شخص الدكتور الشهبندر، وهذا الجرم منصوص عنه ومعاقب عليه في المادة 170 من قانون الجزاء.
ثانياً ـ إن المدعوين أحمد الطرابيشي وصالح معتوق وسعيد الحصري وعزت الشماع متهمون كونهم في نفس الظروف والوقت والمكان، قد اشتركوا في الجريمة المذكورة بمساعدتهم ومعاونتهم جرم منصوص عنه ومعاقب عليه بالمادتين 170 و45 من قانون الجزاء.
ثالثاً ـ إن المدعوين الحرش والحفار متهمان كونهما في دمشق خلال شهر أيار وحزيران وتموز اشتركا في جريمة عصاصة، أولاً: بتحريضهما بواسطة مبلغ من المال والوعود لارتكاب جريمة القتل عمداً، ثانياً: بإعطائهما الأسلحة التي استعملت في اقتراف الجريمة،           ثالثاً: بمساعدتهما ومعاونتهما عصاصة بإعطائهما إياه التعليمات والخطط جرم منصوص ومعاقب عليه في المادتين 170 و45 من قانون الجزاء.
رابعاً ـ المدعوون خليل الغندور والحافي والقباني متهمون كونهم في نفس الظروف والمكان والزمان اشتركوا في جريمة القتل عمداً، المرتكبة من قبل عصاصة لتسهيلهم وتحريضهم على اقتراف هذه الجريمة المعاقب عليها بالمادتين 170 و45 من قانون الجزاء.
خامساً ـ المدعوون عاصم النائلي وجميل مردم بك وسعد الله الجابري ولطفي الحفار متهمون كونهم في نفس الظروف والمكان والزمان، حرضوا على ارتكاب الجريمة بواسطة مبلغ من المال والوعود والدسائس والحيل، وبذلك اشتركوا في جريمة القتل العمد. جرم منصوص عنه ومعاقب عليه في المادتين 170 و45 من قانون الجزاء.
سادساً ـ إن المدعوين أحمد عصاصة ومحمد الحرش متهمان أيضاً كونهما حاولا في دمشق خلال شهر تموز في وقت لم يمر عليه الزمن، اقتراف جريمة القتل من دون تعمد على أفراد القوة المسلحة أثناء قيامهم بالوظيفة، مع الملاحظة بأن هذا الجرم كانت الغاية منه تأمين فرارهما، جرمٌ منصوص عنه ومعاقب عليه في المادتين 74 و46 من قانون الجزاء.
سابعاً ـ إن المدعوين عصاصة والحرش والحافي والغندور والحفار، حاولوا بالاشتراك مع بعضهم بالاتفاق، اقتراف جريمة القتل عمداً على شخص الدكتور شهبندر، جرمٌ منصوص عنه ومعاقب عليه بالمادتين 170 و46 من قانون الجزاء.
ثامناً ـ إن المدعوين عصاصة ومعتوق وطرابيشي والشماع والحصري والحرش والحفار والحافي والغندور متهمون أيضاً، كونهم حملوا مسدسات دون رخصة جرم معاقب عليه في المادة 2 من القرار رقم 736.
قائمة شهود الحق العام: محي الدين بدوي، صبحي مالك، عاشور مالك، منير شيخ الأرض، محمد الدرخباني، عوض الكناكري، فوزي الحمري، الشرطي هاشم المهايني، محمد عبد الرحمن الصعيدي، سعدو بن إبراهيم حميد، إسماعيل آشيتي، فلاديمير سبع، هيلين عجمي.
ترجمة طبق الأصل في 29 تشرين أول 1940
دمشق 26 تشرين أول 1940
صدر من النيابة العامة دمشق
لدى المجلس العدلي ـ النائب العام
"وقد أوردتُ النص كاملاً كما ورد، محافظاً على الأمانة التاريخية رغم ما فيه من أخطاء لغوية وضعف في الصياغة".
شغلت محاكمة المتهمين باغتيال الشهبندر الناس ردحاً من الزمن إلى أن صدر الحكم.
سأروي هنا ما قاله السيد منير الريس الذي سُجن على ذمة التحقيق في قضية الشهبندر. يقول:
كنا نتتبع في سجننا قضية الشهبندر لأن الإفراج عنا متعلق بانتهاء التحقيق فيها، وعلمنا أن بهيج الخطيب رئيس مجلس المديرين لعب دوراً قذراً في قضية الشهبندر فقد وجه التحقيق منذ الخطوة الأولى إلى الوطنيين واعتقل نحو ثمانين شاباً منهم في سجن القلعة، وعين من بين القضاة محققاً يسير حسب أهوائه ويوجه التحقيق في القضية إلى اتهام خصومه ولكن القبض على أكثر القتلة لم يوصله إلى غرضه؛ فقد تبين أنهم من طبقة الصناع والأجراء ومن الذين يتأثرون برجال الدين ويلازمون مجالسهم في المساجد والبيوت، وليس بينهم وبين الوطنيين صلة اللهم إلا صلة الإخلاص...
ثم يتابع الريس: ابتدأت المحاكمة... وأجلت إلى        موعد لاحق ثم أجلت مرة أخرى... وبعد الاستماع إلى قرار الاتهام وبدأ سماع الشهود... إلى أن قرر المجلس بعدها دعوة الشيخ الجليل مكي الكتاني للاستماع إلى شهادته فحضر وأدى الشهادة أمام المجلس العدلي، وأيدّ معرفته المتهمين أحمد عصاصة ورفاقه الجالسين في قفص الاتهام، وأنهم من الذين يحضرون حلقة درسه. وسُئل الكتاني عما إذا كان يذكر أن أحد المتهمين سأله واستفتاه في قول الشهبندر: "إذا كان حب الديمقراطية كفراً فأنا كافر!..." فقال الكتاني أنه لا يذكر. وإذا كان استفتي في من يقول: "إذا كان حب الكفار كفراً فأنا كافر" فإنه يقول الآن وأمام المجلس العدلي بكفر القائل، فالشرع الإسلامي واضح من هذه الناحية، ولكنه كرجل دين لم يسمع حديث الشهبندر عن الدول الديمقراطية، حتى يفطن للفتوى التي يقول أحمد عصاصة أنه وجهها إليه وأنه يعني بها رجلاً سياسياً.
(كان رئيس المحكمة وهو قاضي فرنسي لاحظ عند مثول الشيخ الكتاني أمام المجلس وقوف أحمد عصاصة ورفاقه المتهمين في قفص الاتهام إجلالاً للشيخ الجليل واحناءهم هاماتهم زيادة في الاحترام).







فلما انتهى الشيخ من شهادته واستدار وقف المتهمون ثانية منكّسي الرؤوس لوداعه، ففطن رئيس المحكمة لهذا التبجيل والإجلال ونادى الشيخ الكتاني وهو يتخطى القاعة ودعاه إلى العودة، فرجع الشيخ كتاني والمتهمون ما يزالون وقوفاً يضمون أذرعهم إلى صدورهم ومنكسي رؤوسهم وقال له: لقد لاحظت يا أستاذ شدة احترام هؤلاء المتهمين لشخصك فهلا وعظتهم بأن يقولوا الحق وألاّ يعرقلوا سير العدالة في هذه المحكمة، وألاّ يكتموا عن المحكمة شيئاً حتى يظهر الحق، ويأتي حكمها عادلاً؟...
فالتفت الشيخ مكيّ الكتاني نحو المتهمين وقال: "يا أحمد، يا صالح، يا سعيد، اذكروا أنكم بين يدي الله، حين تنظر هذه المحكمة في قضيتكم فقولوا الحق ولا تخافوا شيئاً يسبب ظلماً قد ينزل بأحد الناس!... إنكم قد تلاقون وجه ربكم فلا تلاقوه إلا خالصي النية أنقياء الضمير!.."
فجأة انفجر أحمد عصاصة بالبكاء وصاح بأعلى صوته:
سأقول الصدق سأقول الصدق مهما كانت العواقب وانبرى يسرد للمحكمة كيف تلاقى مع أخوانه في خدمة الوطن وتعاهدوا على قتل الخونة ونظموا قائمة بأسماء الذين اعتقدوا أن في قتلهم رضاء الله والوطن، وكان في عداد الأسماء جميل مردم بك...
واعترف أن بهيج الخطيب قد جاء به من السجن إلى منزله ليقول له إنني الوحيد القادر على إنقاذ عنقك من حبل المشنقة إذا أنت اتهمت معك أحداً ممن لهم صلة بالوطنيين، وأنه وقّع على إفادة في منزل الخطيب عندما نقلوه ليلاً إليه ووعدوه بإطلاق سراحه، ووصف البيت من الداخل وصفاً دقيقاً زيادة في إثبات تآمر بهيج الخطيب على رجالات الكتلة الوطنية، وكيف اضطر أمام ما زين له بهيج الخطيب أن يوجه التهمة إلى عاصم نائلي حتى يصل منه إلى جميل مردم بك ولطفي الحفار وسعد الله الجابري وشكري القوتلي. "فكانت اعترافات عصاصة وهو يجهش بالبكاء مذهلة للمحكمة والحضور وصاعقة نزلت على رأس بهيج الخطيب العميل المزور وعلى رأس أقرباء الشهبندر الذين أرادوا رؤوس أقطاب الوطنية السورية ثمناً لقتلهم" وعلى رأسهم فيصل عبد الرحمن الشهبندر ونزيه المؤيد العظم وبهيج الخطيب الذين ذهبت محاولاتهم اللاحقة أدراج الرياح في إعادة المحاكمة مرة أخرى للإيقاع بجميل بك ورفاقه.
"وصدر الحكم في يوم الخميس الثاني من كانون الثاني عام 1941 بإعدام المتهمين أحمد عصاصة وزمرته الفارين والمعتقلين، وبالسجن على بعضهم".
هذا وقد تحاملت بعض الصحف ومنها صحيفة "الأيام" لنصوح بابيل وصحيفة "النضال" وبعض أعضاء الكتلة وأصدقائها كالأستاذ "يوسف الحكيم" في مذكراته التي نشرت عام 1983.
وتم تبرئة ساحة عاصم النائلي وجميل مردم بك وسعد الله الجابري ولطفي الحفار وشكري القوتلي وغيرهم من الذين زج بهم بهيج الخطيب في مؤامرته هو ومن وراءه من الكارهين لزعماء الكتلة الوطنية، وحاولوا تشويه سمعتهم بأن نشروا صورهم مع المجرمين في الصحف.
وتُوج انتصار الحق على الباطل بإعدام المجرمين شنقاً في ساحة المرجة بدمشق، وانتهى بذلك الكابوس الذي خيم على رؤوس الوطنيين باستقالة حكومة المديرين وعلى رأسها بهيج الخطيب. وسأكتفي بهذا القدر من الحديث عن مصرع الشهبندر برصاصة غادرة وأذكر بعض ما جرى لزعماء الكتلة الفارين إلى العراق والذين ثبتت براءتهم ثبوت براءة الذئب من دم يوسف بن يعقوب عليهما السلام.
تروي السيدة "سلمى لطفي الحفار" في كتابها "مذكرات لطفي الحفار" وقبله في كتاب "يوميات هالة" الصادر عن دار الملايين، وهو من أجمل الكتب التي قرأتها في طفولتي، ما يلي:
"في ليلة الخامس عشر من شهر تموز عقد رجال الكتلة الوطنية اجتماعاً في منزل جميل مردم بك بعد أن علموا من ترجمان المفوض السامي "بيو" الوطني الشريف الأستاذ "عبد الله العبسي" أن النية معقودة على توقيفهم في الغد، وأن طلبهم للإفادة في آن واحد هو بالتأكيد للقبض عليهم رهن التحقيق. تداول المجتمعون واتفقوا على مغادرة سورية قبيل الفجر والالتجاء إلى العراق ريثما تتم المحاكمة وتظهر براءتهم التي كانوا متأكدين منها كل التأكيد. غادر جميل بك ولطفي بك عن طريق الصحراء حتى بلغا مركز الفلوجة العراقي بعد أن اجتازوا الجوازات والجمارك السوري بسرعة هائلة من غير توقف، وأعلما المركز العراقي بهويتهما وطلبا من الموظفين فيه أن يتصلوا بمديرية الأمن العام في بغداد. وعندما تأكدت الأوساط العليا من شخصيتهما قبلت لجوءهما السياسي مرحبة بهما، فنزلا ضيفين على العراق محفوفين بالتكريم والاحترام، وأقاما في فندق "زيّا" مدة ثلاثة أشهر إلا قليلاً، إلى أن أصدر المجلس العدلي بدمشق الحكم بتبرئتهما هما وسعد الله الجابري، الذي وصل إلى بغداد بعد وصولهما بقليل وأقام ضيفاً مكرماً على الحكومة العراقية في فندق آخر.
ولقد كان كرم الضيافة واهتمام الوصّي على العرش العراقي عبد الإله ورئيس الوزراء سبباً في مواساة ورفع معنويات الزعماء السوريين. وقد جرى وداع جميل بك ولطفي بك وداعاً حاراً يليق بهما، واستقلا سيارة شركة "نرن" وعادا إلى دمشق أما سعد الله بك فقد عاد إلى حلب وحده بعد أداء فريضة الحج انطلاقاً من بغداد ".
بعد عودة جميل بك ورفاقه إلى دمشق في أعقاب ظهور براءتهم، عقدت الكتلة الوطنية التي أضحى شكري بك القوتلي رئيساً لها عدة اجتماعات لدراسة الأوضاع المستجدة، وتقرر بالإجماع تحويل الكتلة إلى حزب سياسي هو "الحزب الوطني".
يقول منير المالكي في كتابه من "ميسلون إلى الجلاء سيرة سياسية":
"الحزب الوطني: وقد كان مشكّلاً من رجال الكتلة الوطنية، انضم إليهم فريق من رجال الحكم وله أنصاره في جميع المدن السورية، ويعتبر أقوى الأحزاب وكان يرأسه رئيس الوزراء جميل مردم بك".
بعدها استقالت حكومة المديرين وتشكلت وزارة برئاسة خالد بك العظم في 3 نيسان 1941 وفي عهدها زحفت الجيوش البريطانية والفرنسية على سورية ولبنان.
أصدر ممثل فرنسا الحرة في سورية الجنرال كاترو Catroux بياناً في 27/09/1941 أعلن فيه انتهاء الانتداب واستقلال سورية، وانسحبت قوات الجيش الفرنسي الخاضعة. لحكومة فيشي، وبقيت القوات الموالية للجنرال ديغول   De Gaulle والمتفقة مع الحلفاء.
كان الشيخ تاج الدين الحسني في هذه الفترة رئيساً للجمهورية، وبعد تولي خالد بك العظم رئاسة الوزارة المصغرة جرى تأليف وزارة جديدة في نفس السنة برئاسة حسن الحكيم وكانت وزارة موسّعة.
عينت انكلترا بالاتفاق مع حليفتها فرنسا الجنرال الإنكليزي "إدوارد سبيرس Edward Speras" وزيراً مطلق الصلاحية في سورية ولبنان.













وبقي الجنرال كاترو مندوباً عاماً لفرنسا الحرّة فيهما. وذلك خلال عام 1942 وكانت وزارة الحكيم قد استقالت وتألفت وزارة حسني البرازي تلتها وزارة جميل الألشي، كل ذلك في عهد الشيخ تاج الدين الحسني. بعدها تشكلت وزارة جديدة برئاسة عطا بك الأيوبي في آذار 1942، وجرت انتخابات في تموز بحرية تامة فاز فيها الكتلويون في دمشق وسائر المحافظات، وتم انتخاب رئيس للمجلس النيابي، وانتُخِب شكري بك القوتلي رئيساً للجمهورية بالإجماع.
شرع القوتلي بإجراء مشاورات لتأليف حكومة جديدة، فصدرت مراسيم تكليف سعد الله بك الجابري، وتم تأليف الوزارة برئاسته في 19/08/1942 على الشكل التالي:
لطفي الحفار للداخلية ـ جميل مردم بك للخارجية ـ نصوح البخاري للدفاع الوطني والمعارف ـ خالد العظم للمالية ـ الدكتور عبد الرحمن الكيالي للعدلية ـ مظهر باشا رسلان للأشغال العامة والتموين ـ وتوفيق شامية للزراعة والتجارة.
كان من أبرز ما قامت به هذه الوزارة التحضير لإنشاء جامعة الدول العربية.













وقد استمرت هذه الوزارة في إدارة دفة الحكم أربعة عشر شهراً تمكنت في خلالها من إرساء قواعد حكم متينة في العاصمة والمحافظات. استقالت الحكومة الوطنية الأولى برئاسة سعد الله الجابري في 12/11/1944 بعد رجوعه من الإسكندرية وتوقيعه على ما سمي "بروتوكول الإسكندرية" بهدف تشكيل جامعة عربية تخدم مصالح الدول العربية.



















وتألفت حكومة برئاسة فارس الخوري، وانتخب سعد الله الجابري رئيساً لمجلس النواب. وتم التوقيع على ميثاق الجامعة في مؤتمر عام انعقد في القاهرة بتاريخ 22 آذار 1945. وتألفت الجامعة من الدول التالية:
الجمهورية السورية ـ إمارة الأردن ـ المملكة العربية السعودية ـ الجمهورية اللبنانية ـ مملكة اليمن ـ مملكة العراق.
في عام 1945 سافر الرئيس شكري القوتلي يرافقه جميل مردم بك إلى القاهرة، وهناك اجتمعا بالوزير البريطاني الأول "المستر تشرشل" الذي كان يعقد مؤتمراً مع الرئيس الأمريكي روزفيلت والزعيم ستالين في فندق ميناهاوس قرب الأهرامات في الجيزة. وطالبه القوتلي بأن يتم الجلاء عن سورية باعتبار أن الحرب قد انتهت في المنطقة، وأجابه تشرشل عن طريق نصيحة قدمها له: "إن على سورية أن تعلن الحرب على المحور. وإن مثل هذه الخطوة من سورية لن تعرضها لأية مخاطر ما دامت القوات الغازية بعيدة ومنشغلة بالحرب فوق أراضيها. وهي في الوقت نفسه ستؤهل سورية لتكون مدعوة إلى "مؤتمر سان فرنسيسكو". وإذا ما تمت دعوتها فإن الموضوع سيكون منتهياً حكماً لأن المنظمة لن تضم الدول الموضوعة تحت أية وصاية، وإنما ستضم الدول المستقلة تامة السيادة.
وفي 12 شباط 1945 قصد الرئيس شكري القوتلي قاعة مجلس النواب، وأعلن بنفسه في الجلسة الحرب الدفاعية ضد دول المحور.
وجهت الدعوات إلى مؤتمر سان فرنسيسكو الذي عليه أن يضع ميثاق الأمم المتحدة، ولم توجه الدعوة إلى سورية ولبنان، ذلك أن الدعوة يجب أن توجه من قِبَل الدول الخمس مجتمعة وهي بريطانيا ـ الولايات المتحدة الأميركية ـ الاتحاد السوفييتي ـ الصين ـ وفرنسا. ولم توافق فرنسا على هذه الدعوة، "إذ أنها تمسكت بالانتداب الذي قالت بأنه ما زال ساري المفعول وتمسكت بأنها مسؤولة عن النظام العام وبأن القوات الخاصة ما زالت مرتبطة بها".
أما سورية ولبنان فقد تمسكتا بأنهما دولتان تتمتعان بكامل السيادة، ولم يعد هناك موجب لتكون فرنسا مسؤولة عن النظام. فالحرب أصبحت بعيدة عن البلاد، ولم يعد هناك مجال لتكون مسرحاً للعمليات العسكرية، وبأنه تم الاتفاق في 10 آذار 1945 على أن تسلم فرنسا لسورية نصف القوات الخاصة، على أن يتم تسليم النصف الآخر عند انتهاء العمليات الحربية في أوروبا.
غادر جميل مردم بك وزير الخارجية إلى القاهرة وقابل جلالة الملك فاروق الأول وعرض عليه الموضوع.















هدد الملك فاروق هو والدول العربية الأخرى المدعوة بمقاطعة المؤتمر إذا لم تتم دعوة سورية ولبنان، وتحت هذا الضغط اضطرت فرنسا للموافقة على دعوة سورية ولبنان لقاء ثمن طلبته من سورية وحدها، وهو أن يرسل رئيس الجمهورية السورية شكري القوتلي برقية شكر للجنرال دوغول!!... وقد أرسل القوتلي هذه البرقية فعلاً بتاريخ 2 نيسان 1945 هذا نصها:
"إنه لمدعاة سروري أن أبعث لسعادتكم بالشكر الجزيل للبادرة النبيلة التي قامت بها الحكومة الفرنسية تجاه سورية فيما يتعلق بحقها المشروع في الجلوس بمؤتمر سان فرنسيسكو. وأَغْتَنِمُ هذه الفرصة لأقدم لسعادتكم أطيب تمنياتي من أجل سعادة وازدهار فرنسا والشعب الفرنسي".
سافر الجنرال "بينيه Beynet" المندوب العام الفرنسي المطلق الصلاحية إلى باريز للحصول على موافقة حكومته على اتفاق نقل القوات الخاصة إلى الحكومة السورية.








"غادر الوفد السوري إلى سان فرنسيسكو برئاسة فارس الخوري رئيس مجلس الوزراء. وأصبح جميل مردم بك رئيساً لمجلس الوزراء بالنيابة بالإضافة لوزارة الخارجية".
في 4 أيار 1945 علمت الحكومة السورية بأن فرنسا أنزلت إلى البر قوات فرنسية، وتم توجيه مذكرة إلى مندوب فرنسا تحيط بموجها الحكومة الفرنسية علماً بالأثر السيئ الذي أحدثه نزول القوات في صفوف الأمة، وتحذر من تكرار مثل هذا العمل الذي يتعارض مع أبسط قواعد العرف الدبلوماسي الذي يوجب الحصول على إذن مسبق لمرور قوات أجنبية في أراضي بلد ذي سيادة.
في 8 أيار 1945 أعلنت الهدنة وانتهت الحرب في أوروبا بانتصار القوات الحليفة، وفي 12 أيار وصل الجنرال بينيه ممثل فرنسا إلى بيروت، وبتاريخ 17 أيار وصلت البارجة "جان دارك Jeanne D’arc" وأنزلت في بيروت 1500 جندي إضافي وأصدر المندوب السامي أوليفا روجيه البلاغ التالي باختصار:
بلاغ هام من دائرة الأركان الحربية رقم B24:
أيها الضباط والجنود الفرنسيين! أيها العاملون تحت العلم الفرنسي!!... بعد انتصارات قواتنا تحت قيادة الجنرال ديغول... رأت الحكومة الفرنسية عطفاً على التقاليد التحريرية التي أخذتها على عاتقها منذ أجيال أن تخدم سورية ولبنان كما خدمتهما حتى الآن!!... ولما كانت الأزمة بدأت تستفحل، أرى من الواجب أن ألفت نظركم إلى الاستعدادات التي يجب أن يقوم بها جيش الشرق ليكون محافظاً على شرف فرنسا!!...
1 ـ يقضي واجب فرنسا العسكري بإبادة جميع عناصر الشغب التي تريد إخراج فرنسا المنتصرة من هذه البلاد!!...
2 ـ يجب احتلال جميع دوائر الحكومة السورية ومؤسساتها الثقافية.
3 ـ يجب منع الاتصال مع الدول العربية المجاورة.
4 ـ يجب تجريد جميع أفراد الشعب من الآلات الجارحة في ظرف 48 ساعة.
5 ـ يجب أن تدار البلاد من قبل حاكم عسكري، وتُفتح المحاكم العسكرية إلى أن تنظر الدول المنتصرة في قضيتي سورية ولبنان وتعيد الحياة إلى مجاريها!!...
على جميع القوى العسكرية (الفرنسية ـ السنغال ـ الهجانة ـ الشركس ـ فرق المتطوعة) أن تكون على استعداد ليلاً ونهاراً.
كذلك وفي 18 أيار وكعادة فرنسا في ممارسة الدناءة في تعاملها مع سورية ولبنان، فقد علقت تسليم القطعات العسكرية السورية على الوصول إلى الاتفاقيات التالية:
1 ـ اتفاقية ثقافية.
2 ـ اتفاقيات تجارية وقنصلية.
3 ـ اتفاقيات عسكرية والتنازل عن بعض القواعد العسكرية لفرنسا.
لقد كان القوتلي صلباً في موقفه، ومردم بك أثبت بأنه المؤهل لمثل هذه المواقف، لقد جرب فرنسا كثيراً وأخيراً خرج بنتيجة أنه لا يجوز المباشرة بالمفاوضة من أجل أي اتفاقيات تعاقدية مع فرنسا منذ أن اتخذ القرار في مجلس النواب في 31/12/1938.
"وفي مساء 18 أيار 1945 أصيب الرئيس القوتلي بنزيف في معدته نتيجة القرحة التي يعاني منها والتي كادت منذ عام تودي بحياته، وقد اشتد النزيف ليلاً، فطلب أن يرى مردم بك على وجه السرعة وقال له والدموع في عينيه: "يا جميل... إنني أعتمد عليك الآن، وإذا وافتني المنية فالمسؤولية كلها تقع عليك، وأنا واثق بأنك قادر على مواجهة الموقف، إنني آذن لك بالقيام بمهام الرئاسة بالنيابة عني في جميع الشؤون. وقد طمأن مردم بك الرئيس بأن كل شيء سيكون على ما يرام..."
بدأ الهياج الشعبي في كل مكان، وصارت أمواج الجماهير تتدفق أمام سراي الحكومة، وكان مردم بك يخرج إلى الشرفة كلما جاءت موجة جديدة ليثير حماس الناس. وحدث ذلك في جميع المدن السورية. وتطوع الشباب في الدرك، ولم يكن هناك بنادق لتسلم إليهم، وفر ضباط سوريون من الخدمة تحت العلم الفرنسي وانضموا إلى إخوانهم، كما حدثت استفزازات عديدة، في جميع أنحاء سورية قام بها جنود فرنسا. وكان إطلاق الرصاص على الشعب السوري يومياً. بعث وزير الخارجية جميل بك برسائل ومذكرات عديدة إلى المندوب السامي يحذره من مغبة هذه الاستفزازات، ولكن لا حياة لمن تنادي. جميع هذه التصرفات لم تكن لها قيمة من الناحية القتالية، ولكنها أثبتت للعالم أجمع بأن السوريين يقفون خلف حكومتهم في رفض فرنسا وإصرارهم على ذلك.
في 26 أيار أصدر أوليفا روجيه بلاغاً إلى الفرنسيين عرض فيه ما يجري من أحداث وما يقوم به السوريون ضد القوات الفرنسية قال في ختامه:
"ونحن نعرف من هم الذين يقودونهم، ولدينا أسماء الذين ينفذون الأوامر، فاطلب من الفرنسيين أن يصبروا بضعة أيام، وقد لا يتجاوز صبرهم بضع ساعات، وعند ذلك نشرع في المجزرة الكبرى، فليكن كل واحد مستعداً، وسنصفي الحساب كله دفعة واحدة".  



دمشق في 26 أيار 1945 والجنرال أوليفا روجيه

وكذلك في يوم 26 أيار من عام 1945 يروي الأستاذ شمس الدين العجلاني تحت عنوان: "الرجل الذي تحدى الانتداب".
شهدت شوارع دمشق في هذا اليوم موكباً عسكرياً حافلاً، تزأر سياراته بصفاراتها الحادة عربات جيب عسكرية... ضباط وشرطة... وسيارات مدرعة ومصفحة... الموكب يخترق شوارع دمشق محاطاً بسيارة فاخرة تحمل العلم الفرنسي، ويصل الموكب بسلام إلى وزارة الخارجية، تقف السيارة الفاخرة، ويقفز الجنود حولها ويتقدم أحدهم ليفتح الباب للجنرال "بينيه Beynet" الذي تبختر بكل عظمته ونياشينه التي علقها على صدره، مع شلة من ضباطه إلى مبنى الوزارة قاصداً مكتب الوزير!!... ولم يكن يدري آنذاك أن وزير الخارجية جميل بك قد عُجن بالوطنية وتلقى أول درس في حب الوطنية من صدر أمه (التي شتمها عمر أبو ريشة) ولم يكن عمره آنذاك إلا أياماً قليلة... لم يفاجأ الوزير بدخول الجنرال الفرنسي، لشدة الضوضاء التي أحدثها هو وموكبه العسكري الحافل!!...
دخل الجنرال وكل نياشينه إلى مكتب الوزير دون موعد أو استئذان، وألقى تحية الصباح على الوزير مردم بك، الذي رد عليه بكل برود أعصاب وهو يقلّب بعض الأوراق التي كانت على مكتبه، فتقدم الجنرال للوزير بمذكرة تتضمن مطالب فرنسية من الحكومة السورية. تناولها مردم بك وأخذ يقرؤها بكل هدوء بعد أن طلب فنجان قهوة لنفسه دون أن يطلب للجنرال أي شيء!...
بعد مرور قرابة ربع ساعة قال الوزير: إن سورية لا تستطيع قبول ما جاء في المذكرة، فرد عليه الجنرال: وهل تستطيع سورية عدم القبول؟ وابتسم بسخرية قائلاً: هل تعتقد سورية أنها دولة مستقلة لكي ترفض طلبات فرنسا؟ فابتسم مردم بك هو الآخر بسخرية ووقف وكل عنفوان رجالات سورية معه قائلاً: وهل تعتقد فرنسا أنها دولة عظمى لكي توجه هذه المذكرة إلى سورية؟ وأشار إلى باب مكتبه قائلاً: اخرج من مكتبي.
عقدت الدهشة لسان الجنرال وتراقصت كل النياشين على صدره، ولم ينطق بكلمة واحدة، وإنما لملم نفسه وجرته قدماه إلى باب المكتب، وخرج من وزارة الخارجية السورية مهزوماً منكسراً.
وأدرك جميل بك أن هذه الحادثة سيكون لها ذيولها، ولا بد من وضع رئيس الجمهورية بصورة هذه الواقعة، فتناول سماعة الهاتف يطلب رئيس الجمهورية شكري بك القوتلي، وقص جميل بك على الرئيس ما حدث فقال القوتلي للوزير: أنت غلطان لأنك لم تقطع رقبته، أو على الأقل أن تأمر بإلقائه من أعلى درج الوزارة.
هذه هي سورية وهؤلاء هم رجال سورية وصانعو استقلالها، فهل عرفتم هذا الرجل الذي قال لمندوب فرنسا: اخرج من مكتبي لأنه تطاول على الوطن، على سورية؟ إنه جميل مردم بك واحد من عشرات بل مئات رجالات سورية المجبولين بالكبرياء وحب الوطن، الذين صنعوا استقلال سورية. لا تنسوا هذا الرجل إنه واحد من رجالات سورية، والأمة التي لا تقرأ تاريخ رجالاتها لا تستطيع بناء مستقبلها!!!...
اليوم الأحمر الأسود:
في 29 أيار 1945 في يوم لا ينسى من تاريخ سورية المسطّر بالدماء والدموع والابتسام.
قامت فرنسا بعد صحوتها من النزع الأخير وبعد أن كال لها جيش هتلر أقسى الضربات، وكان مندوبها السامي في ذلك الوقت "أوليفا روجيه Oliva Roger"، وكان يجمع بين القيادة العسكرية وبين وظيفة مندوب فرنسا في سورية، وكان مقر قيادته وأركان حربه في واجهة مجلس النواب (وقد تهدم وأنشئت مكانه اليوم عمارة كبيرة جديدة) وكان في كل مساء يحتفل برفع العلم الفرنسي على سارية القيادة.
أبلغ أوليفا روجيه الحكومة أنه سوف يقوم بجولة بعد رفع العلم. وكان سعد الله بك الجابري رئيساً لمجلس النواب، فصرف النواب وذهب هو إلى حيث يقيم "في فندق أوريان بالاس Orient Palace"، ولكن الحكومة بقيت مجتمعة في السراي. "(في ساحة المرجة)".
حضر جنود (السنغال) التابعين لفرنسا وبيدهم السواطير، واستاقوا رجال الشرطة التي تحمي مجلس النواب إلى الرصيف المقابل وطلبوا منهم بفظاظتهم المعهودة أن يشتركوا في تحية العلم الفرنسي.
رفض مفوض الشرطة السورية "سعيد القهوجي" ورفض رجاله هذا الطلب، فقتلوه هو ومن معه وبقي إبراهيم الشلاح الذي تظاهر بالموت، ثم وجهت المدفعية إلى بناء مجلس النواب من الشارع. وبدأ إطلاق النار من كل حدب وصوب وفي جميع المفارق والطرقات، قام الطيران الفرنسي بقصف قلعة دمشق حيث مقر قيادة الدرك، وسقطت بعض القنابل على سجن القلعة فأصابت الكثير من السجناء وشباب الحرس الوطني، قام جنود فرنسيون بإشعال الحرائق وبدأ القصف العشوائي في جميع الاتجاهات. وقد كان القائد العام للدرك الكولونيل "هرانت مالوكيان" المشهور بمواقفه الوطنية.















انتشر الذعر في كل مكان ودارت معارك في شوارع دمشق واستشهد الدكتور مسلم البارودي وهو يسعف الجرحى في ساحة الحجاز (حيث أقيم نصب تذكاري له عند محطة الحجاز).
كان مقرراً أن يعقد النواب جلسة في الساعة الخامسة بعد ظهر ذلك اليوم لسماع بيان جميل مردم بك رئيس الوزراء بالوكالة عن تطورات الموقف، لكن الدبابات المرابطة أمام المجلس حالت دون وصول أكثرية النواب واكتمال نصاب المجلس، فأجّل رئيس المجلس سعد الله الجابري الجلسة إلى موعد آخر، وانصرف رئيس الوزراء بالوكالة إلى إرسال مذكرة لوزراء الدول المفوضين في دمشق.
وكان السيد جميل مردم بك قد أرسل برقية إلى المستر تشرشل يشرح له فيها الأعمال الإرهابية التي تقوم بها فرنسا في سورية فورد جواب البرقية في مساء يوم 29 أيار، يطلب فيها تشرشل بذل الجهد للمحافظة على السكنية والنظام.
بعد أن انصرف النواب من الجلسة المؤجلة دعاهم جميل بك ووجوه المدينة لمقابلته في دار الحكومة لإطلاعهم على برقية تشرشل، وفيما كان الاجتماع معقوداً وقد شارفت الساعة على السابعة مساءً، إذ بالنار الفرنسية تطلق من كل مكان وعلى كل مكان ولاسيما على دار الحكومة ومجلس النواب وفندق الأوريان بالاس وذلك لإبادة النظام بكامله. وهنا لا بد من ذكر قصة طريفة عن خروج سعد الله الجابري من فندق الأوريان بالاس إلى لبنان ناجياً من مكيدة فرنسا:
كان من زوار دمشق يومئذ غبطة بطريرك موسكو، وكان يقيم في فندق الأوريان بالاس ضيفاً على الحكومة السورية (الذي قال: إن هذا القصف يشبه إلى حد بعيد ما كان ينزله الألمان بمدينة ستالينغراد) وقد تدخلت مفوضية الاتحاد السوفييتي بإنقاذ البطريرك ونقله من دمشق إلى بيروت ورافقه السيد سعد الله الجابري بعد أن ارتدى لباس أحد رجال الدين ومرّ أمام أعين الفرنسيين وركب سيارة البطريرك وغادر إلى بيروت حيث عقد مؤتمراً صحفياً...
اشتد القصف على دار الحكومة فما كان من جميل بك وصحبه إلا الانسحاب تحت ستار الظلام إلى دار خالد بك العظم في سوق ساروجة بدعوة منه والمعروف عن خالد بك كرم ضيافته...
قضت دمشق ليلة من أحلك لياليها فقد قطع المحتل الكهرباء والهاتف بين جميع المدن السورية والعالم،            حيث كانت مصلحة الهاتف تابعة لقيادة الجيش الفرنسي         في ذلك الوقت.
اجتمعت الحكومة والوجهاء في تلك الليلة في دار خالد بك العظم الذي يروى ما حدث في مذكراته الجزء الأول منها صفحة 295 فيقول:
اقترح جميل مردم بك أن نذهب كلنا إلى داري في سوق ساروجة حيث ننتظر الفرج فوافق الجميع وبدأت عمليات التسلل التي رافقها لحسن الحظ توقف لإطلاق الرصاص لمدة كافية لعبورنا منطقة الخطر.
وبعد ربع ساعة التقينا في داري التي كانت مكتظة باللاجئين إليها... حتى أربى عددهم على المئة شخص، وكان أول ما قام به السيد جميل مردم بك أن تناول سماعة الهاتف وأخبر أهله بأنه سليم، وأنه في داري، وحذا حذوه الكثيرون، فعلم الفرنسيون، باستراق السمع على المخابرات الهاتفية الملجأ الذي لجأت إليه الحكومة والنواب. فصبوا مدافعهم من المزة علينا، فتساقطت القذائف على الدور المجاورة وانهارت على ساكنيها الآمنين...
كان كل ما علمناه عن رئيس الجمهورية أنه لا يزال مريضاً ولا يبارح داره. وقد اقترح البعض انتقال الحكومة إلى مكان أكثر هدوءاً واقترح البعض خروج الحكومة إلى عمان حيث تواصل جهودها من هناك ضد العدوان.
عمد جميل بك إلى إعداد العدة للسفر إلى عمان بصحبة الحكومة، وأرسل ابن عمه الدكتور حيدر بك مردم بك مع بعض الموظفين إلى شرق الأردن لإعلام حكومتها بقرب وصول رئيس الحكومة وأعضائها.
يتابع خالد بك ما جرى في تلك الليلة فقال: رغم كل المخاوف التي انتابت الجميع فإن ذلك لم يحول الحضور دون الشعور بالجوع عندما اقترب منتصف الليل. وصار بعض الحاضرين يعملون على تدارك قطع الكعك أو الخبز لسد حاجتهم الملحة... ولعل كثرة القنوط واليأس تجعل المرء غير حافل بما يحيطه من أخطار فيستسلم إلى القدر تاركاً الأمور تجري لمستقرها. ومن الناس من تثور أعصابه فيصبح يقظاً متحفزاً. "ومنهم من يستطيع التغلب على توتره، وكان جميل مردم بك من هؤلاء الأخيرين، إذ استرخى على معقد والتف بعباءة وطلب إلى الجالسين معه في الغرفة أن يرحلوا عنها أو يكفوا عن الكلام ليأخذ حاجته من النوم".
انتشر في الحي خبر التجاء أعضاء الحكومة وبعض النواب إلى منزل خالد بك، فجاءت وفود تطلب من جميل بك التكرم بالانتقال إلى حيّ آخر يتخذه مركزاً لحكومته خوفاً على حياته وحياتهم.
قرر جميل بك الانتقال إلى حي الصالحية الذي بقي خالياً من الجيش الفرنسي. وفي الهزيع الأخير من الليل جاء فخري بك البارودي بلباسه العسكري ـ إذ كان برتبة عقيد ـ وكان قد أصيب في عنقه نتيجة القصف.
استيقظ جميل بك صباحاً وتناول طعام الإفطار بهدوئه المعروف، ثم جرى التخطيط لعملية مغادرة دار خالد بك إلى دار شكري بك في الصالحية، واتجه مع بعض صحبه إلى القابون ثم إلى حيّ الأكراد فالصالحية واجتمع هناك بشكري بك القوتلي.
تقول ابنة العم سلمى مردم بك رحمها الله في كتابها أوراق جميل مردم بك:
كان على مردم بك أن يذهب لمقابلة الرئيس فاستقل سيارته فوراً مع السائق وحارس واحد واتجه إلى حيّ الأكراد في مجازفة خطيرة، من أجل أن يرى بنفسه ماذا يحدث هناك.
وقد كان لظهوره في حي الأكراد أثر سحري، فالأكراد الذي يمجدون الشجاعة التفوا حول الحكومة وقدموا خدماتهم لمقاتلة الفرنسيين. وقد سجل لهم مردم بك مشاعرهم ولقبهم بأنهم أبناء صلاح الدين الذي ألحق الهزيمة بالمحتلين الأوروبيين للأراضي العربية...
وعلى باب بيت رئيس الجمهورية شكري بك وجد مصفحة بريطانية يقودها الجنرال البريطاني كلارك وقد جاء لحماية الرئيس بعد أن تدهورت حالته الصحية، وكذلك لحماية القائم بالأعمال الأمريكي، وقد اجتمع به جميل بك وفوجئ القائم بالأعمال برؤية جميل بك وقال: إن الفرنسيين أبلغوه أن الحكومة قد لجأت للفرار. وفهم أن الانكليز لا مانع لديهم من حماية الحكومة إذا طلب أعضاؤها ذلك. أجاب مردم بك: "أنه في اليوم الذي يجد نفسه بحاجة لحماية وهو يتجول في عاصمة بلده، فإنه سيتخلى عن جميع مسؤولياته تجاه سورية". وتم إبلاغ احتجاج الحكومة إلى ممثلي الدول الأجنبية، وصارت تعقد الاجتماعات بدار جميل مردم بك في شارع نوري باشا في منطقة الجسر الأبيض، على بعد خطوت قليلة من دار المندوبية العامة الفرنسية. وانقلب منزله إلى مقر لوزارة الخارجية. وقد تمكن جميل بك من إيصال الرسائل إلى جميع رجال السلك الدبلوماسي العرب والأجانب وأثبت لهم أن الحكومة بكامل هيئتها لا زالت موجودة.
وصل وزير بريطانيا المفوض لدى سورية المستر "آلن شون Schone" إلى دار مردم بك... وكان مطلعاً على تطور الأحداث يوماً بيوم. وقال له مردم بك: إن ما يحدث تحت سمعكم وبصركم لا يحتاج لوصف... وإذا لم تتدخل بريطانيا حالاً فإنها ستخسر سمعتها لدى العرب. إن العرب أصبح لهم مخلب وناب بعد أن اجتمع شملهم وتأسست جامعتهم العربية وما زال طريق الهند يمر من بلادهم.








قصد الوزير المفوض شون منزل شكري بك          فوجده طريح الفراش قال له الرئيس القوتلي: "إذا لم توقفوا هذه المجزرة سأخرج إلى الشارع لأموت مع شعبي، وأُشهد العالم كله بأنكم أنتم الإنكليز المسؤولون عن هذه الجريمة الإنسانية".
في صباح اليوم الثالث أي 31/ أيار وصل إلى علم جميل بك بأن اجتماعاً يضم من يُسمون أنفسهم بالعقلاء قد اجتمعوا في منزل أحدهم وهو لا يبعد كثيراً عن منزله، وأن هذا الاجتماع تم بتشجيع من الفرنسيين من أجل أن يلتمسوا من الجنرال أوليفا روجيه وقف القصف عن المدينة مع الوعد بأن الوزارة الجديدة ستؤلف منهم. لقد أرسل جميل بك لهم واحداً فقط من رجاله، وهو هاشم السقباني، الذي ذهب أمام دار الاجتماع وأبلغهم بأن الحكومة مطلعة على ظروف اجتماعهم وأنها تعرفهم بأسمائهم وتعرف الغاية من اجتماعهم. لذلك فهو ينقل إليهم رغبة الحكومة بأن يفضوا هذا الاجتماع بالتي هي أحسن، وإلا فإنهم يتحملون النتائج إذا ما بلغ الخبر للشعب الهائج. فانفض الاجتماع قبل أن يبرح الرجل مكانة...
في الساعة الخامسة مساءً أذاعت محطة لندن العربية بأن المستر أنطوني إيدن قد تلى في مجلس العموم البريطاني الرسالة التي وجهها المستر تشرشل إلى دوغول من حيث أن الأوامر قد صدرت إلى الجيش التاسع البريطاني من أجل إعادة القوات الفرنسية إلى الثكنات. وكان ذلك معناه على أرض الواقع الإلغاء التام للدور الفرنسي في سورية. يقول دوغول في مذكراته: لو كان هدف الإنكليز هو مجرد وقف إطلاق النار لوقفت الأمور عند هذا الحد، ولكن الإنكليز كانوا يريدون أمراً آخر. ومنذ أن تبلغ الإنكليز أن فرنسا قد أوقفت استعمال السلاح، لجؤوا إلى مسرحية كانوا قد هيأوا لها مسبقاً من أجل إذلال فرنسا علناً.
وقد تم حصر عدد القتلى والجرحى في هذه الأيام الثلاثة كالتالي: عدد القتلى والجرحى 2688، منهم 1900 في دمشق والباقي في المحافظات الأخرى، علماً بأن الكثيرين من الجرحى كتموا أسماءهم تجنباً للمعاملات الرسمية.
"وهكذا خرج الأمر من يد فرنسا وضاعت جهودها في استعمار سورية بالقوة حسب مخطط باريز، ولكنها مع ذلك لم تقطع الآمال في إعادة الاحتلال ما دام في الميدان الدولي مجال، أيّ مجال".
في اليوم الأول من حزيران أثبتت الحكومة السورية لرجال السلك السياسي بأن أي مركز فرنسي لم يصب بأذى ولا يحمل آثار إطلاق رصاص. واصطحب جميل بك بنفسه أعضاء البعثات السياسية وطاف بهم في أرجاء دمشق. لم يشاهد أحد منهم أي أثر للاعتداء الذي ادعاه أوليفا روجيه. وطافوا في المناطق التي قصفتها القوات الفرنسية وشاهدوا الجثث التي كانت ما تزال ملقاة في باحات سجن القلعة وفي مهاجع المساجين. وكل ذلك اشتمل عليه الكتاب الأسود الذي أصدرته الحكومة السورية عام 1946.
وبتاريخ 4 حزيران استدعى الجنرال دوغول السفير البريطاني المستر "داف كوبر" وبعد أن طلب منه الجلوس قال له: "إنني اعترف بأننا لسنا على مستوى الدخول معكم في حرب ولكنكم أهنتم فرنسا وقمتم بخيانة الغرب وهذا ما لا يمكن أن يكون موضوعاً للنسيان". وقف داف كوبر وخرج.
في 26 آب قدم فارس الخوري رئيس الوزراء استقالة حكومته التي كان فيها جميل مردم بك وزيراً للخارجية وصدر مرسوم جمهوري بإعادة تكليفه تشكيل الوزارة الجديدة التي استغني فيها عن جميل مردم بك، ولم يستغرب أحد ذلك بسبب التناقضات القائمة ومسايرة شكري القوتلي الذي كان يرغب بتزعم الحكم دون مراعاة للوضع والظروف التي تمر بها البلاد. وبعد شهر وخمسة أيام استقالت الحكومة.
في 30 أيلول صدر مرسوم جمهوري بتكليف سعد الله الجابري لرئاسة الوزارة وأعيد انتخاب فارس الخوري رئيساً لمجلس النواب. واستبعد جميل بك من الوزارة الجديدة.
في 3 آذار 1946 جرى التوقيع في باريز على اتفاق بريطاني ـ فرنسي ينص على البدء بإجلاء القوات الفرنسية والبريطانية عن سورية اعتباراً من الحادي عشر من شهر آذار على أن ينتهي جلاء آخر جندي يوم الثلاثين من نيسان.
"أنجزت القوات الفرنسية والإنكليزية جلاءها عن الأراضي السورية في يوم الأربعاء 17 نيسان 1946 فأصدرت الحكومة السورية قراراً باعتبار هذا اليوم عيداً وطنياً للجمهورية السورية باسم عيد الجلاء".
وخرج أفراد الشعب السوري إلى الشوارع يتسلقون أسطحة المنازل ليشاهدوا الأعلام الخفاقة ترفرف في الأعالي، ويتجولون في الشوارع يهتفون حتى بحت حناجرهم بحرية سورية واستقلالها. وهل هناك أجمل من يوم الجلاء؟؟...
"وانتخبت سورية عضواً في مجلس الأمن الدولي عضواً غير دائم فكانت سورية أول بلد عربي تحرر في آسيا وأفريقيا دون أي امتياز أجنبي".
وبذلك انتهت مرحلة من مراحل الاستعمار وفرض السيطرة على هذا البلد، الذي بدأ قبل ربع قرن، وبدأت مرحلة الاستقلال والكرامة والشرف، وسقطت آخر ورقة من أوراق الانتداب على سورية.
هذا وكان شون السفير البريطاني في دمشق قد حذر جميل مردم بك من السماح للبنوك الأميركية من العمل في سورية وإبعاد الرأسماليين الأميركان عن الاقتصاد السوري. ولهذا رفضت الحكومة السورية منح الإذن لشركة ترانس أريبيا (التابلاين) بمد خط أنابيب النفط السعودية إلى البحر الأبيض المتوسط عبر سورية، مما زاد من غضب الأميركان. وجاء بعد ذلك حسني الزعيم بعد انقلابه على الحكم وسمح بمد هذا الخط!!....




تأسيس جمعية الهلال الأحمر العربي السوري وانتماؤه إلى الصليب الأحمر الدولي في جنيف

تداعى جمع من أطباء سورية إلى عقد اجتماع في دار الدكتور مصطفى شوقي بغية تشكيل جمعية الهلال الأحمر العربي السوري ـ وقد كان في مقدمة طالبي الدعوة الأطباء السادة: عبد القادر الزهراء ـ محمد سالم الحمصي ـ يحيى الشماع ـ وأحمد شوكت الشطي، وعهد إليهم بالسعي لدى الجمهورية السورية لتحقيق ذلك.
وهكذا أُسس الهلال الأحمر السوري بمرسوم جمهوري رقم 540 صادر في 30 أيار 1942 عدها جمعية ذات نفع عام معفاة من رسم الطوابع. صدر عن رئيس الجمهورية السورية محمد تاج الدين الحسني.
قررت الهيئة الإدارية لجمعية الهلال الأحمر السورية بدمشق في 2 نيسان عام 1946 مفاوضة المؤسسة الدولية للصليب الأحمر طالبة الانتساب إليها. وقد أرسلت بتاريخ 20 حزيران 1946 كتاباً إلى دولة جميل بك مردم بك رئيس جمعية الهلال الأحمر السوري رئيس الوزراء السوري آنذاك، يحمل اعتراف المؤسسة المنوه عنها بالهلال الأحمر السوري، وأرفقته بالبلاغ الآتي الذي وزعته على جمعيات الصليب الأحمر في العالم بأسره كافة، وأصبح بذلك الهلال الأحمر السوري معترفاً به دولياً:
تعميم رقم 375
الاعتراف بالهلال الأحمر السوري
جنيف في 12 تشرين الأول 1946.
لسائر اللجان المركزية لجمعيات الصليب الأحمر الوطنية
حضرات السيدات والسادة
لنا الشرف أن نحيطكم علماً بأن اللجنة الدولية للصليب الأحمر قد اعترفت رسمياً بجمعية الهلال الأحمر السوري...
وقد تقرر أن تكون مدينة دمشق المركز الرئيس للجمعية التي يرأسها حضرة صاحب الفخامة رئيس الجمهورية، أما اللجنة الإدارية المركزية فإنها تضم الشخصيات التالية:
حضرة صاحب الدولة جميل مردم بك ـ رئيساً
الدكتور مصطفى شوقي ـ نائب رئيس
الدكتور أحمد قدري ـ نائب رئيس
الدكتور شوكت الشطي ـ سكرتيراً
الدكتور محمد سالم ـ سكرتيراً
السيد شفيق دياب ـ محاسباً
السيد جورج صحناوي ـ أمين صندوق
والسادة الأعضاء:
الدكتور عبد القادر زهرة ـ الدكتور جميل كبارة ـ الدكتور يحيى الشماع ـ محمد عبد الفتاح شريتح ـ وهبي الحريري ـ فتح الله أسيون ـ عبد الهادي الرباط ـ سامي ميداني ـ رفعت عناية ـ وديع صيداوي.
واللجنة الدولية للصليب الأحمر سعيدة أن تستقبل الجمعية السورية الجديدة عضواً في أسرة الصليب الأحمر الكبيرة... وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.




فلسطين الجرح الدامي في فؤاد الأمة العربية

كانت فلسطين قبل حرب عام 1914 العالمية جزءاً من الدولة العثمانية وهي رقعة صغيرة من الأرض مساحتها نحو 26 ألف كيلو متر مربع. فلما انهارت الدولة العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918 وقعت فلسطين بين مخالب الاستعمار البريطاني من ناحية وجشع اليهودية العالمية من ناحية أخرى. وجعلت تتخبط بين هاتين القوتين العظميين وليس لها من ناصر ولا معين إلا الله.
ولم يكن لدى أهلها من وسائل المقاومة والدفاع ما يستطيعون به دفع أذى أو رد عادية.
وبالرغم من ذلك كله قامت جماعة من أبناء فلسطين المخلصين يبذلون جهودهم الضئيلة، وينظمون صفوفهم القليلة، ويؤلفون جبهة متواضعة أمام تلك القوى الدولية العاتية، وكان سلاحهم الوحيد الإيمان والإخلاص.
وبالرغم من عدم التكافؤ بين القوتين والجبهتين، فقد نشبت معركة هائلة طويلة المدى لم تلن فيها لعرب فلسطين قناة ولم تهن لهم عزيمة في كل أدوار الكفاح والنضال، مدة ثلاثين عاماً، حاول خلالها الاستعمار البريطاني ـ متآمراً مع اليهودية العالمية ـ بلوغ أغراضه ومقاصده في فلسطين بالوسائل الآتية:
حاولوا بادئ ذي بدء أن يحملوا عرب فلسطين على الرضوخ والإذعان لخطتهم الغاشمة والموافقة على سياسة إنشاء الوطن القومي اليهودي الذي وعدهم به بلفور.
فلما أسقط في أيديهم جعلوا أكبر همهم شراء أرض فلسطين بالمال وامتلاك البلاد عملياً بهذه الوسيلة، فألقوا بمئات الملايين من الجنيهات، فارتفعت أسعار الأراضي عشرات الأضعاف بل إلى مئات الأضعاف أحياناً. ولكن عرب فلسطين صمدوا أمام هذه التجربة أيضاً وقد بلغ ما بيع من الأراضي حتى انتهاء الانتداب البريطاني عام 1948 / 15 أيار فقط سبعة بالمئة من مجموع مساحة أراضي فلسطين.
ما انفك الإنكليز ـ منذ احتلالهم فلسطين ـ يساعدون اليهود بمختلف الوسائل على التسليح والتدريب والتنظيم العسكري، في حين كان كل ذلك محرم على عرب فلسطين.
بقي زعماء اليهود يعملون متعاونين مع البريطانيين على إيجاد الظروف الملائمة لإجلاء عرب فلسطين عن بلادهم وتسليمها لليهود، وقد تعهدوا على تسليم فلسطين لليهود خالية من سكانها العرب!!...
في شهر آذار 1942 خطب بن غوريون في           تل أبيب قائلاً:
"إن الصهيونية قد انتهت من وضع خطتها النهائية وهي أن تصبح فلسطين دولة يهودية. وإن اليهود لا يستغنون عن أي قسم من فلسطين، حتى قمم الجبال وأعماق البحار".
وفي ديسمبر 1944 عقدت اللجنة التنفيذية العامة لحزب العمال البريطاني مؤتمراً كان من أخطر المؤتمرات في تاريخ هذا الحزب، وبعد بحث قضية فلسطين اتخذت قراراً بالإجماع: "بتحويل فلسطين إلى دولة يهودية، وإخراج أهلها العرب منها إلى الأقطار المجاورة"، ولم تعترض الحكومة البريطانية على ذلك المبدأ الأثيم.
لم تعد المطامع اليهودية الخطيرة في البلاد العربية المجاورة لفلسطين خافية، فإن زعماء اليهود المسؤولون جاهروا ويجاهرون بأن فلسطين لا تكفيهم، وأنها ليست إلا "مركز وثوب" لتحقيق أهداف الصهيونية العالمية، وهي الاستيلاء على بقية فلسطين والأردن وسورية ولبنان والعراق وسيناء والدلتا المصرية ومناطق خيبر وبني قريظة وبني النضير، وغيرها من الأراضي الحجازية المجاورة للمدينة المنورة، بما فيها قسم كبير من المدينة المنورة نفسها، بحجة أنها كانت موطنهم في القرون الماضية، وقدموا طلباً باستعمارها إلى الملك عبد العزيز آل سعود مقابل عشرين مليون جنيه ذهباً بواسطة الرئيس الأمريكي روزفلت، عندما قابله في فندق الفيوم القائم على بحيرة قارون في مصر عام 1945، ولكن الملك عبد العزيز رحمه الله رفض بكل شدة وإباء.
ولا يحاول اليهود إخفاء مطامعهم بل يتحدّون الأمة العربية كلها بوقاحة واستخفاف!... فهم ينقشون على واجهة الكنيست عبارة "أرضك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل". ولا يتسع المجال للتفصيل في مطامع اليهودية والصهيونية في هذا الكتاب بل أكتفي بالأمور التي لها علاقة بجميل مردم بك، والأحداث التي جرت في فترة ما بعد استقلال سورية.
هكذا ضاعت فلسطين:
لم تكتمل فرحة سورية بالجلاء بسبب قلق أهلها والدول العربية على مصير فلسطين التي تفاقمت فيها موجات الغزو الصهيوني المتعاقبة وأحداث داخلية وصراعات مع اليهود.
دعا مجلس الجامعة العربية إلى عقد دورة استثنائية في بلودان بسورية في 8 حزيران 1946، حضرها ممثلون عن مصر والعراق والأردن واليمن والسعودية وفلسطين وسورية ولبنان. مثَّلَ سورية سعد الله الجابري ـ فارس الخوري ـ جميل مردم بك ـ ولطفي الحفار، وكان أمين عام الجامعة عبد الرحمن عزام باشا.
وفي اليوم الأول لانعقاد المؤتمر انبثقت عنه لجنة داخلية بناءً على قرار مجلس الجامعة مؤلفة من الأعضاء التالية أسماؤهم:
الشيخ يوسف ياسين: عن المملكة العربية السعودية.
حمدي الباجه جي: عن مملكة العراق.
الدكتور فوزي الملقي: عن إمارة شرق الأردن.
علي المؤيد: عن إمامة اليمن.
صائب سلام: عن لبنان.
جميل مردم بك: عن سورية.
لطفي الحفار: عن سورية
وانتخبت تلك اللجنة الداخلية لطفي الحفار رئيساً لها وصائب سلام مقرراً. ومثل فلسطين جمال الحسيني.
بعد بضع جلسات معلقة ومداولات ومباحثات خرج المؤتمر بتوصيات... ما أنزل الله بها من سلطان!!!... ظن العرب بعدها بأن فلسطين ستعود لأهلها سالمة غانمة.
وبدأ الخلاف العربي وبدأت المشاحنات في طريقة حلّ الأزمة الفلسطينية.
في أثناء وجود سعد الله الجابري رئيس الوزراء في القاهرة على رأس وفد سورية، تأزم الوضع بدمشق ودب الخلاف بين سائر الوزراء. فأوفد شكري القوتلي رئيس الجمهورية رئيس ديوانه لزيارة الجابري في مصر الذي ألمّ به مرض مفاجئ. وقيل أنه أرسله ليطمئن عليه، وقيل لأخذ إعلان استقالته منه شفهياً.
"بعد أن زاد ألم المرض بسعد الله الجابري عاد إلى حلب. وفي صباح اليوم العشرين من شهر حزيران 1946 توفي زعيم العروبة رحمه الله وحزنت عليه البلاد حزناً شديداً؛ فقد كان خسارة كبرى لسورية. وقد أقيم للفقيد الكبير حفل تأبين على مدرج الجامعة السورية بدمشق 05/04/1948 حضره رئيس الجمهورية شكري بك القوتلي ورئيس الوزراء جميل مردم بك رئيس لجنة التأبين والعديد من زعماء العالم العربي. وقد ألقى جميل مردم بك كلمة فيما يلي مقاطع منها:
سيدي الرئيس: أتقدم إليكم بوافر الشكر وعظيم الامتنان على تفضلكم بحضور هذه الحفلة التي نقيمها تخليداً لذكرى رفيق من رفاق الجهاد وأخ من أحب الأخوان.
وأرفع آيات الحمد إلى حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق عاهل مصر والسودان الذي تفضل فأوفد مندوباً خاصاً ليمثله في هذه الحفلة اعترافاً بما للفقيد الغالي سعد الله الجابري من مكانة مرموقة في نفوس أبناء الضاد.
وأقدم إلى صاحب الفخامة رئيس الجمهورية اللبنانية جزيل الشكر على تفضله بإيفاد من يمثله تقديراً لما يتمتع به الراحل الكبير من مقام سَني في القطر الشقيق اللبناني.
كما وإنني أزجي من الشكر أَبْلَغَهُ ومن الثناء أغزره لكبار رجالات العرب الذين تكرموا بالحضور أو بإرسال كلماتهم مشاركةً لنا في هذا الرزء الأليم، الذي هو في الحقيقة رزء العرب أجمعين.
عاش الجابري ومات في سبيل هذا الوطن، لم يخفق قلبه إلا لمجد أمته، ولاصَبَتْ نفسه إلا لصيانة بلاده، ولا شعر بألم غير ألمها، ولا سعد إلا بسعادتها. ما عرف الوهن في اللقاء، ولا الخور في العزيمة والمضاء، ولا ألان قلبه يأس، ولا حطم إرادته طغيان.
كان المثل الكامل للرجولة، عف السريرة، متوقد الذكاء، سريع الخاطر، حاضر البديهة، لا يبالي ما يعترض طريقه في الجهاد من عقبات وعثرات، مضحياً بالنفس والنفيس في سبيل مَثَله القومي وهَدَفه الوطني، حتى زهد في متع الحياة، وما فكر إلا في بلاد الشام وطنه الصغير، وبلاد العرب وطنه الكبير.
وكانت كرامته بكرامة وطنه، بل كان يجعل كرامة الوطن فوق كل كرامة وعزة الوطن فوق كل عزة، كما كان في وفائه لصحبه وإخوانه نسيجٌ وحده، فلم يحاول أن يبني مجده الشامخ وشرفه الباذخ على أشلاء أخدانه وهياكل أترابه، بل أنه يقر بفضل كل ذي فضل، ويقدر عمل كل عامل مخلص، مصرحاً بذلك في خطبه وأحاديثه على رؤوس الأشهاد.
ولقد احتل مكانة سامية ومنزلة عالية لدى رجالات العرب في مختلف أقطارهم ومتباعد ديارهم، لما لمسوا فيه من المزايا الرفيعة والخصال المنيفة التي عزّ مثالها وبعد منالها، فهفت إليه القلوب وتطلعت إليه النفوس وانعقدت على حبه الخناصر وضمت على إجلاله الجوانح.
وكان في جميع المحافل الأجنبية مثال الرجل الجريء في صراحته، القوي في حجته الصلب في حق وطنه وأمته.
سيدي الرئيس: في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخنا ونضالنا القومي نفتقد سعد الله الجابري في إخلاصه وشدة مراسه وفيض عبقريته وذكائه فلا نجده، ونشعر بالفراغ العظيم الذي خلّفه فقده، فإذا غاب عنا وجهه وتوارى تحت أطباق الثرى شخصه فإن أحدوثته الذكية وسيرته الرضية وأعماله الطيبة ستبقى أبداً ماثلة لعيوننا، وسنمضي قُدماً لتحقيق ما تعاهدنا عليه من رفع اسم بلاد الشام عالياً، وتحرير البلاد العربية وتحطيم ما ترسف فيه من أغلال الرق وقيود العبودية، حتى تعود الأمة العربية سيرتها وتواصل رسالتها في خدمة الحضارة والإنسانية، لأننا نؤمن إيماناً ثابتاً لا يتزعزع بأن الناس قد ولدوا أحراراً ولا حق لأحد أن يسومهم ذل الرق وخسف الاستعباد أو يرضخهم إلى هوان الاستعمار وقيد الإسار.
وإن هذه الجمهورية السورية المستقلة التي ساهم سعد الله الجابري في تشييد بنيانها وترسيخ أركانها برغم حداثة عهدها وبداءة نشأتها سائرة نحو أهدافها الكبرى ومثلها العليا.
وإن جامعة الدول العربية التي كان لفقيدنا العزيز قسطه الوافر ونصيبه الكبير في مراحل تطورها ورفع صرحها الرفيع وتأثيل عزها المنيع، ماضية في سبيل جمع شمل العرب والدفاع عن حقوقهم وبلوغ أعز أمانيهم وأكرم آمالهم.
ذلك هو العهد الذي تنعم روح سعد الله الجابري بالوفاء به وتحقيقه، لا الدمع الصبيب والأسى الكثيب. وهو من نستمد من روحه السامية القوى لإتمام ما بدأناه وإنجاز ما حاولناه من تحرير دنيا العرب وتذليل كل عثرة تعترض سبيلهم وتعوق نهضتهم وتؤخر بعثهم، ومهما كانت الأنواء شديدة والعواصف ثائرة صاخبة فإن سفينة العالم العربي سائرة باسم الله مجراها ومرساها إلى الشاطئ الأمين، وهي بالغة بحول الله وعونه وبفضل إخلاص القادة والوعي القومي والشعور المرهف والآمال والآلام التي أورثنا إياها تاريخ مليء بالمفاخر الباقية والمآثر الخالدة، إلى ما تهفو إليه وترجوه.
فعلى رجال الحكم في بلاد العرب أن يتخذوا من حياة سعد الله الجابري مثالاً يحتذى، وأسلوباً يسطر على غراره وينسج على منواله إذا كانوا يحرصون على بلوغ الغاية وإدراك الوطر القومي والأرب العربي، ويرغبون في أن يخلد التاريخ أعمالهم وتبقى على الدهر صحائفهم، حتى لا تدهمنا الحوادث ولا تنغصنا المفاجئات ولا تبعد بنا عن إدراك أهدافنا الخطوب والنوائب.
فمن عاش كما عاش سعد الله الجابري، وتحلى بما تحلى به من وطنية في الحكم وفي خارج الحكم، واستقر في صميم الشعب كما استقر، وسهر على مصالحه كما سهر، وأدرك ما يضطرب في فؤاده ويهجس في نفسه أخلق به أن يحقق الأمل ويدرك الوطر ويبلغ الغاية ويخلد في ديوان الإنسانية وسفر النهضة القومية الوطنية.
شكّل جميل بك الوزارة الجديدة في 27/12/1946، وانعقد في القاهرة مؤتمر الجامعة العربية برئاسته وعضوية نعيم أنطاكي وزير الخارجية، وأهم الموضوعات التي عالجها المؤتمرون كان موضوع فلسطين، الذي أخذ يزداد سوءاً وتعقيداً وتآمراً سافراً من بريطانيا وأمريكا على حقوق أبنائها والعرب جميعاً.
في عام 1947 جرت في سورية انتخابات جديدة في 07/07/1947 فنجح قسم من لائحة "الحزب الوطني" المنبثق عن "الكتلة الوطنية" فاز فيها: فارس الخوري ـ سعيد الغزي ـ صبري العسلي ـ أحمد الشرباتي ـ جورج صحناوي ـ نسيب البكري ـ جميل مردم بك، ومن قائمة حزب الشعب: سامي كبارة ـ منير العجلاني ـ زكي الخطيب، والشيخ محمد المبارك من قائمة العلماء، وحبيب كحالة صاحب جريدة المضحك المبكي من الحزب القومي العربي، ونوري الابش ـ نوري الحكيم ـ محمد آقبيق ـ فريد أرسلانيان من المستقلين.
في 29 تشرين الثاني 1947 قررت هيئة الأمم المتحدة تقسيم فلسطين بين العرب الفلسطينيين واليهود الصهاينة. كان رئيس الوزراء آنذاك جميل مردم بك التي شكلها بتاريخ 06/10/1947. وفي منتصف شهر أيار 1948 وقعت كارثة فلسطين، ولم تجد البلاد العربية بداً من محاربة إسرائيل، فدخلت جيوشها فلسطين لإنقاذها من الغاصبين وحققت معارك رابحة، ولكن مجلس الأمن الذي انعقد في العاشر من حزيران فرض هدنة على الطرفين كانت في البداية مؤقتة ثم أعقبها هدنة بُنيت على المفاوضات، فأعلنت الأحكام العرفية في سورية، وسُمّي رئيس الوزراء جميل مردم بك حاكماً عسكرياً لها. وتم حل جيش الإنقاذ في  15/ أيار 1948 وتقرر استبداله بالجيوش النظامية.








زحفت الجيوش العربية من مراكز تحشّدها في الساعة العاشرة من صباح يوم 15 أيار 1948 إلى هدفها فلسطين، كما روى ذلك فوزي القاوقجي قائد جيش الإنقاذ في مذكراته. وكانت محطات الإذاعة في العواصم العربية تذيع خطب رؤساء الدول والحكومات على الشعوب واعدة إياها باقتراب ساعة تصفية الحساب مع اليهود، مؤكدة لهم النصر، ومظاهر الأفراح قائمة في كل مدينة عربية وفي كل قرية، ولم يكن أحد من العرب يشك في النصر الموعود، سوى القيادة العامة لهذا الجيش (ويذكرني ذلك بما حدث عام 1967 وخطابات عبد الناصر وصوت العرب إذاعة أحمد سعيد وغيرها من الإذاعات العربية)!!...
ابتهج الفلسطينيون وتحمسوا كثيراً لدخول الجيوش النظامية، لاعتقادهم أنه قد جاء الفرج واقتربت ساعة النصر النهائي. قام جيش الإنقاذ برفد الجيوش العربية بقواته وسلاحه وخبرته التي اكتسبها في معاركه السابقة، وجرت معارك ضارية منها معركة المالكية العظيمة التي رفعت معنويات الجيوش العربية. وتتالت الضربات على القوات اليهودية. يقول عبد الرحمن عزام باشا لفوزي القاوقجي عندما سأله: ما رأيك بطلب الهدنة؟ فأجابه فوزي: لست أرى معنى لها فنحن نتقدم على العدو في كثير من المعارك. فأجابه عزام باشا: "إن الأميركان والإنكليز يضغطون علينا ضغطاً شديداً، لنقبل الهدنة. وقوات الجيوش العربية يشكون من قلة العتاد، ويطلبون قبول الهدنة" قال القاوقجي: "إنني استغرب هذه الشكوى وهم لم يخوضوا بعد أية معركة كبيرة تستنفد العتاد وتحملهم على الشعور بالضعف"!!... قال عزام باشا: "إنه أمر لا بد منه؛ فالحكومات العربية مشتركة مع القواد في الرأي بضرورة قبول الهدنة" قال القاوقجي: "إن الهدنة معناها إعطاء فرصة لليهود ليزيدوا من تسلحهم..."
وفي نهاية الحديث قال القاوقجي لعبد الرحمن عزام باشا: "أرجو منك أن تبذل ما بوسعك لإحباط مشروع الهدنة فقد تكون مبدأ كارثة فلسطين".
ساد الجبهة مع اليهود هدوء نسبي مرده إلى انشغال اليهود باستعداد واسع النطاق نتيجة ما يصلهم من أسلحة وعتاد وأفراد، بينما العرب في لهوهم يعمهون وفي اجتماعاتهم والمؤتمرات السياسية ضائعون وعن اليهود ساهون.
في 11 حزيران 1948 قام اليهود بهجوم مضاد بعد قصف شديد. ثم تلاه هجوم آخر في 20 حزيران. وكانت أمريكا وانكلترا ترسلان البوارج من البحر لقصف القوات العربية. وصمد العرب صموداً مشرفاً لكن عُقدت هدنتان: الأولى في 11 حزيران 1948 والأخرى في 18 تموز 1948، وانسحبت الجيوش العربية من فلسطين، وانقلب الوضع رأساً على عقب.
كان جميل بك قد عارض بشدة الموافقة على الهدنة الأولى والثانية، والتي كانت الموافقة عليها سبباً مباشراً للهزيمة. ولكنه اضطر في المرتين للموافقة تحت ضغط المصريين والعراقيين والأردنيين الذين كانوا لا يزالون يعانون من الاحتلال البريطاني.. وكانت الحكومة الوحيدة التي تساند سورية هي حكومة لبنان المستقلة التي يرأسها السيد رياض الصلح. وكذلك رفض اتفاقية الهدنة التي دعيت إليها سورية لتوقيعها في رودس.








وفي خضم هذه الأحداث أطلق اليهود النار على "الكونت برندوت"، وهو الوسيط الدولي الذي عينته الأمم المتحدة للتفاوض مع العرب والصهاينة.
وبما أنني لست في معرض التأريخ للكارثة الفلسطينية المفجعة، التي لا زال الشعب العربي يدفع دماء أبنائه ثمناً لها ويدفع ثرواته البشرية والمادية في سبيلها. لذلك لن أتوسع في تفاصيل أحداثها الدقيقة ومواقف رؤساء الدول العربية والعالمية من هذه المأساة.
في 22 آب 1948 شكل جميل مردم بك وزارة جديدة عقب استقالة وزارته السابقة في 18 آب. وفي 01/12/1948 قدم جميل مردم بك استقالة وزارته الأخيرة التي كانت مؤلفة من: جميل مردم بك رئيساً للوزراء ووزيراً للداخلية والدفاع، وسعيد بك الغزي وزيراً للمالية. ومحمد العايش وزيراً للاقتصاد الوطني. وقُدمت الاستقالة إلى رئيس الجمهورية شكري بك القوتلي. وتألفت الوزارة الجديدة برئاسة خالد بك العظم الذي احتفظ بوزارة الخارجية والدفاع. ثم وقع انقلاب حسني الزعيم.
"قبل الحديث عن مجريات وأسباب انقلاب حسني الزعيم لا بد من الحديث عن كيفية عودته إلى الجيش بعد أن سُرح منه".
ولي وقفة مع الأستاذ عدنان الملوحي في كتابه         "أيام الشام" الذي يتحدث فيه عن أسرار ودقائق المجريات التي عاشها وهو الصحفي المخضرم والمواكب للأحداث عن قرب خلال الفترة العصيبة من حياة سورية.
يقول الأستاذ عدنان الملوحي:
في أحد أيام نيسان 1947 أقام أحد أنصار العهد الوطني حفلة كبرى حضرها حوالي ألف مدعو في مقدمتهم الرئيس شكري القوتلي وأقطاب العهد الوطني وكبار رجالات البلاد... في مزرعته الخاصة في غوطة دمشق.
كان الرئيس شكري القوتلي يجلس في صدر السرداق الذي أقيم في المزرعة يحيط به عدد من الوزراء والنواب وكبار المسؤولين ورجال الدولة، وكلهم يكنّون لفخامته التقدير والاحترام...
ولكني لاحظت بعض الفتور بين الرئيس القوتلي ورئيس الوزراء السيد جميل مردم بك. وبدا واضحاً أن بين الرجلين الكبيرين بعض الخلاف حول الموقف من قضية إعادة حسني الزعيم إلى الخدمة، كما فعل الرئيس القوتلي، بينما كان الرئيس مردم بك يرفض هذه البادرة ويحذر ويصف الزعيم بأنه متهور مغامر... وقد يُعرّض البلاد للخطر ويتصرف تصرفاً غير مسؤول. وكان رأي السيد جميل مردم بك في الحقيقة صائباً وصحيحاً أيضاً في هذا الأمر. وهو أن من كان يخدم في صفوف الجيش الفرنسي العدو، وتحت علمه الأسود، ويؤدي له التحية في الصباح والمساء، لا يصح أن يخدم أو يعاد إلى الخدمة في الجيش الوطني، خاصة وأن حسني الزعيم كان مدمناً على شرب الخمر وتعاطي القمار، ولم يُعرف عنه موقف وطني مشرّف في حياته على الإطلاق.
بينما كان الرئيس القوتلي برقة قلبه وحبه للإحسان إلى الناس يقول للرئيس جميل مردم بك: "عفا الله عما سلف... وحسني مسكين ودرويش ولا شوكة ولا دباحة... وبدو سلتو بلا عنب!!..."
يتابع الملوحي حديثه قائلاً:
وأذكر أن الرئيس جميل مردم بك أشار إليّ بيده وهو يجلس بجانب رئيس الجمهورية في صدر السرادق في تلك الحفلة الكبرى، فلما اقتربت منه نظر إلي الرئيس القوتلي بطرف عينه، فقال لي السيد مردم بك: (أحضر غداً الساعة الحادية عشرة إلى مكتبي في رئاسة الوزراء لتنضم إلى الوفد المرافق، ولتسافر معنا إلى لبنان حيث سأُمثل سورية في الاحتفال بعيد استقلال لبنان الشقيق وجلاء القوات الأجنبية عن أرضه..)
فرحت كثيراً وشكرت الرئيس مردم بك على بادرته الطيبة نحوي، وكان بيني وبينه معرفة طيبة... وإن لم أكن على اتفاق معه في الرأي، ولكنه والحق يقال، ذكي وألمعي وعلى قدر كبير من المعرفة بالسياسة، وإنك لتعجب لهذا الرجل النحيل القصير القامة الصغير الرأس، كيف استطاع أن يتقدم على سائر رفاقه من رجال الرعيل الأول، وأن يتولى رئاسة الحكومة وأكثر من ثلاثة وزارات معها في بعض الأحيان عدة مرات!!... وفي ظني أن السيد جميل مردم بك كان ذكياً إلى حد يفوق الوصف، وربما كان يفوق في ذكائه فيصل بن عبد العزيز وإن اختلف الكثيرون فيمن هو أذكى!!...
أعود إلى الحديث عن حسني الزعيم في كتاب  عدنان الملوحي:
بعد نقل حسني الزعيم وتسلمه لمنصبه الذي قفز منه إلى السلطة، ساءت العلاقة كثيراً بين رئيس الحكومة السيد جميل مردم بك ورئيس الجمهورية السيد شكري القوتلي، وكان من نتيجة ذلك وبسبب الدسائس التي كانت تحاك في القصر الجمهوري ضد السيد جميل مردم بك لحمله على الاستقالة، أن أضطر مُكرهاً إلى التخلي عن الحكم والسفر إلى منفاه الاختياري في القاهرة. وبذلك تمكن خالد بك العظم من تأليف الوزارة الجديدة.
يقول عدنان الملوحي:
في تلك الفترة العصيبة بعد هزيمة العرب في فلسطين 1948 رأيت من واجبي بل من صلب عملي ومهمتي أن أهرع إلى دار السيد جميل مردم بك رئيس الوزراء يومئذ، لأسأله عن هذا الذي يجري في الخفاء والعلن، على حد سواء، للإطاحة بالعهد الوطني والنظام الديمقراطي والقيام بانقلاب على أثر الهزيمة الأولى المُرّة في فلسطين، على يد الولايات المتحدة الأميركية والصهيونية العالمية وصنيعتها إسرائيل... وسألته وهو في حالة من الذهول والإحباط بسبب ما جرى وما وقع، فقال لي وكأنه يحاول إيجاد المبررات والأعذار عن كل ما حدث: "لقد حذرت فخامة الرئيس، خاصة في الآونة الأخيرة، من مغبة عودة حسني الزعيم إلى الخدمة، ومن خطر بقائه في منصبه الذي يشجعه ويغريه للقيام بانقلاب تدفعه إليه وتغريه للقيام به الولايات المتحدة الأميركية، التي تخطط لإثارة الفوضى في سورية والبلدان العربية الأخرى، وللقيام بانقلاب فيها، لتقوية إسرائيل وتمكنها من الوصول إلى أهدافها العدوانية، وبالتالي لتحقيق أهدافها وهي التغلغل والتسلل إلى بلادنا العربية وفرض وجودها وسيطرتها عليها، ومع ذلك فإن فخامته لم يأبه لتحذيري، وها هم، يا بُني يريدون حملي على تقديم استقالة حكومتي ليخلو لهم الجو. وليجدوا في الوزارة القادمة، مجالاً للوصول إلى الانقلاب المنشود والموعود!!...
وأذهلتني المفاجأة، بل هذه المكاشفة والمصارحة، وقلت في نفسي: لعل  السيد جميل مردم بك، وهو يقول ويصرح بذلك، لا يريد ترك الحكم، بل يريد البقاء فيه، لاسيما هو الذي اشتهر كثيراً بأنه متمسك أكثر من غيره بالحكم والسلطة. ولكن الرجل بحكم موقعه وتأثيره الكبير والمباشر على الأحداث ودوره الفاعل فيها، ربما كان حريصاً على أن يجنب البلاد ـ وهو أحد أبرز رجالاتها ـ خطر هذا الانقلاب الذي يحذر منه، والذي يهدد البلاد التي لم تنعم بالاستقلال والاستقرار إلا منذ عهد قريب لا يزيد عن عامين!!..
قال لي السيد جميل مردم بك والكلام لعدنان الملوحي: "ربما قدمت استقالة حكومتي لرئيس الجمهورية في وقت قريب جداً، وسأغادر البلاد بعد ذلك إلى القاهرة لأقيم فيها... وإذا قدّر لي، يا بُني، أن أعود، ولا أظن أنني سأعود، وإذا قُدّر لبلادنا أن تَسْلم من شر هذا الانقلاب الذي يطل برأسه الأسود، ولا أظن ذلك، وإذا استيقظ فخامة الرئيس من غفلته، ولا أظن ذلك...
لقد كنت على خلاف مع السيد جميل مردم بك، لتمسكه الشديد بالحكم والسلطة... ولكن الرجل، والحق يقال، كان ذكياً وشجاعاً، وكان ديمقراطياً أيضاً، وكان معارضاً شديد البأس للانقلابات والدكتاتوريات، وهو يعرف خطرها الشديد على البلاد، والتي تقلب الحياة رأساً على عقب وتسبب الدمار والإرهاب والفوضى والعذاب للشعب والأمة!!...
وإذا نادى السيد جميل مردم بك بإنقاذ البلاد من خطر الانقلاب وحذر منه، فإنني أُقدّر له هذا الموقف الذي لم يقفه يومئذ رجال العهد الوطني وعلى رأسهم رئيس الجمهورية السيد شكري القوتلي، الذي كانت المياه تجري من تحته وهو لا يدري، وكان مع غيره من رجال العهد الوطني المحيطين به في غفلة عن هذا الخطر الداهم القادم، وكانوا يظنون أن السيد جميل مردم بك يحذر من خطر غير موجود ومن شيء لا أساس له!!...
بعد سفر السيد جميل مردم بك إلى القاهرة، وقد ودعته على سلم داره، قامت حكومة خالد بك العظم، كما هو معدّ ومخطط، وبدا واضحاً أن ساعة الانقلاب تقترب، وأن نهاية العهد الوطني والحياة الديمقراطية قد اقتربت هي أيضاً، وأن سورية مقبلة على أحداث خطيرة جسام... ولكن بعض الأعين كانت مغلقة وغافلة، ورئيس الجمهورية السيد شكري القوتلي في غفلة عما يجري في الخفاء وعلى بعد خطوات منه!!...
وقد حدثت حالة من الفوضى والضياع والاعتقاد بأن البلاد على أبواب انقلاب، وأن حسني الزعيم سيقوم به نيابة عن الولايات المتحدة الأميركية!!...
لكن الرئيس شكري القوتلي كان يستبعد قيام انقلاب في سورية رغم أنه سمع به من بعض المقربين إليه ومن بعض الموظفين... وبدا واضحاً تماماً أنه كان لا يشعر بشيء مما يجري حوله، أو كان يُقنع نفسه بأنه لم يخطئ بإعادة حسني الزعيم إلى الخدمة!!...
يقول الأستاذ عدنان الملوحي:
وأنقل هنا أوراقي التي كتبتها واحتفظ بها منذ تلك الأيام من عام 1949 هذه الواقعة:
أرسلني ابن عمي الحاج رشيد الملوحي، وهو صحفي وطني قديم، ومن أقرب المقربين إلى الرئيس شكري القوتلي يوم 12/02/1949 إلى دار الرئيس القوتلي القريبة من داره في حي (بستان الرئيس) قرب محلة الجسر الأبيض، وقال لي: إنه تحدث إلى فخامته حول الانقلاب الوشيك الوقوع وقال له: "إن ابن عمي عدنان، قد علم بهذا الأمر الخطير من رئيس الوزراء المستقيل السيد جميل مردم بك الذي سافر إلى القاهرة بعد أن يئس من إقناع الرئيس القوتلي بوجوب إبعاد حسني الزعيم وإنهاء خدمته قبل أن يورط البلاد فيما ينوي توريطها به".
وصلت بيت فخامة الرئيس وأدخلني رجل شركسي إلى غرفة الضيوف، ولم يلبث الرئيس القوتلي أن دخل من غير اكتراث ولا اهتمام، ووقفت احتراماً له وبادرني قائلاً: "أنت ما تزال يا بني صغيراً للخوض في مثل هذا الأمر الذي حدثني الحاج رشيد عنه وأنك على معرفة به، فأنا الذي أعرف كل شيء!! وأعرف أن حسني الزعيم لا يفكر في انقلاب ولا في شيء آخر وما يهمه هو تأمين عيشه وسلامته وسعادته، ولا شوكة له ولا دبّاحة... اذهب يا بني، وسلم لي على ابن عمك الحاج رشيد، وأرجو لك النجاح في عملك الصحفي الجديد"!!...
وانصرف الرئيس القوتلي وتركني وحدي ولم أجد بداً من الخروج والعودة إلى ابن عمي لأخبره بما وقع لي مع فخامته.
إن الغرفة التي عاد إليها الرئيس القوتلي، وهو البطل الوطني والمناضل الكبير من أجل الاستقلال، بعد أن ودعني على تلك الصورة التي وصفتها وأثرتْ في نفسي كثيراً، هي نفسها الغرفة التي اقتحمها عليه ليلة الانقلاب رجال حسني الزعيم وأيقظوه من نومه وحملوه إلى سجن المزة بلباس النوم جزاء ما قدمه لبلاده وشعبه وأمته وما بذله في سبيل استقلالها وسيادتها وحريتها.
ولعل عدم الخوض والاسترسال في ما ورد في كتاب عدنان الملوحي حفاظاً على كرامة وشرف المواطن العربي الأول كما سماه عبد الناصر. وأكتفي بما سبق ذكره          وأنوه إلى أن أول عمل قام به حسني الزعيم غداة          انقلابه هو توقيعه بناء على طلب أمريكا اتفاق "التابلاين" الذي رفض جميل بك وشكري بك توقيعه والذي كان من أحد أسباب الانقلاب.
وأختم الكلام عن حسني الزعيم بما ورد في كتاب محمد سهيل العشي "فجر الاستقلال في سورية منعطف خطير في تاريخها":
يقول محمد سهيل العشي:
في حوالي 25 آذار 1949 استدعت السفارة البريطانية في دمشق السيد المحامي الأستاذ (عصام الإنكليزي) وأعلمته وجود محاولة انقلاب على القوتلي. وفي السابع والعشرين  من آذار استدعت سفيرنا (إدمون حمصي) وطلبت إليه إبلاغ القوتلي بأن انقلاباً يعدّه حسني الزعيم قائد الجيش ضده.
"نادى الرئيس شكري القوتلي حسني الزعيم في مساء 29/03/1949 ليلاً، فدخل إلى مكتبي وقال: خيراً يا سهيل ماذا يريد فخامة الرئيس؟ أجبته: لا أدري لكنه يريدك فوراً. ورافقته إلى مكتب الرئيس في الطابق العلوي، وعدت إلى مكتبي وبعد حوالي نصف ساعة، رأيته يدخل إلى مكتبي وعيناه مغررتان بالدموع وقال لي: يا سهيل، إذا كان في سورية رجل تُقَبَّل قدمه وليس يده، فهو هذا الرئيس شكري القوتلي!! أنا أُتّهم بالقيام بانقلاب؟ معاذ الله، لقد أقسمت لفخامة الرئيس أن هذه الأخبار لا أساس لها من الصحة، وهي ملفقة وكاذبة ومغرضة!!...
وقد أجاد التمثيل لدرجة صدقته، كما صدقه فخامة الرئيس قبلي. وبدأتُ أُطيبُ خاطره حتى هدأ، وقفل عائداً من حيث أتى إلى القنيطرة مركز قيادة الجبهة.
وفي حوالي الساعة الثالثة من صباح يوم 30 آذار 1949 وقع الانقلاب.



ا لحكومات التي تولى رئاستها
جميل مردم بك
(من 21/12/1936 وحتى 01/12/1948)

رئاسة الوزارة الأولى:
من 21 كانون أول 1936 حتى 23 شباط 1939 وهي أول وزارة وطنية.
رئاسة الوزارة الثانية: كانت بالوكالة أثناء غياب فارس الخوري رئيس الوزراء في نيويورك (الأمم المتحدة) من 10 نيسان 1945 وحتى تموز 1945.
رئاسة الوزارة الثالثة: من 28 كانون الأول 1946 وحتى 2 تشرين أول 1947.
رئاسة الوزارة الرابعة: من 6 تشرين أول 1947 وحتى 22 آب 1948.
رئاسة الوزارة الخامسة: من 22 آب 1948 حتى 1  كانون أول 1948.






الوزارات التي كان عضواً فيها

1 ـ وزارة الداخلية:
       من 28 كانون أول 1946 حتى 2 تشرين أول 1947 بالإضافة إلى رئاسة الوزراء.
2 ـ وزارة الخارجية:
       من 19 آب 1943 حتى 14 تشرين أول 1944
 من 14 تشرين أول 1944 حتى 5 نيسان 1945
 من 7 نيسان 1945 حتى 23 آب 1945
 من 6 تشرين أول 1947 حتى 22 آب 1948 إضافة إلى رئاسة مجلس الوزراء.
3 ـ وزارة الدفاع الوطني:
 من 7 نيسان 1945 حتى 23 آب 1945 إضافة إلى وزارة الخارجية، والاقتصاد الوطني.
 من 22 آب 1948 حتى 1 كانون أول 1948 إضافة إلى رئاسة الوزراء.
4 ـ وزارة الزراعة:
 من 15 حزيران 1932 حتى 18 نيسان 1933 إضافة إلى وزارة المالية.
5 ـ وزارة المالية:
 من 15 حزيران 1932 حتى 18 نيسان 1933 إضافة إلى وزارة الزراعة.
 من آذار 1938 حتى 26 تموز 1938 .
6 ـ وزارة الاقتصاد الوطني:
 من 14 تشرين الأول 1944 حتى 5 نيسان 1945 إضافة إلى الخارجية والدفاع الوطني.
7 ـ وزارة الصحة والإسعاف العام:
 من 28 كانون أول 1946 حتى 2 تشرين 1947 إضافة إلى رئاسة مجلس الوزراء وكان هو أول وزير للصحة والإسعاف العام.



وداعاً سورية لا لقاء بعده

في كانون الثاني 1949 غادر جميل مردم بك سورية إلى القاهرة حيث أقام فيها إلى أن وافته المنية عام 1960. وفي خلال هذه المدة جرت محاولات عديدة لحمله على العودة إلى النشاط السياسي، ولكن حالته الصحية لم تعد تمكنه من تحمل المسؤوليات التي يفترض بالزعيم السياسي أن يتحملها.
وعندما سقط حكم أديب الشيشكلي في عام 1954 أعيدت الأوضاع الدستورية بضغط مارسه كل من الملك سعود بن عبد العزيز، وجمال عبد الناصر، وأوفد عبد الناصر أنور السادات ومدير مكتبه أمين شاكر لإقناع مردم بك بالعودة إلى سورية، وكان الرئيس عبد الناصر مستعداً لتقديم الدعم والمساندة إذا رغب بترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية، ولكن مردم بك نصح مخاطبيه بأن يدعوا لعودة شكري القوتلي إلى رئاسة الجمهورية الذي كان قد أُبعد عنها بطريقة غير دستورية.
في شهر أيلول 1954 نشر جميل مردم بك تصريحاً أعلن فيه رسمياً اعتزاله الحياة السياسية، ولم يكن قد تجاوز الواحد والستين من العمر.
وفي التاريخ المعاصر كان المثال الفريد للزعيم السياسي الذي يعتزل الحياة السياسية وهو في أوج نشاطه، وفي الأول من شباط عام 1958 دعاه الرئيس جمال عبد الناصر للوقوف معه ومع الرئيس شكري القوتلي عند التوقيع على الإعلان عن الوحدة بين سورية ومصر.









"وفي 28 آذار 1960 توفي جميل بك ونقل إلى سورية حيث ووري الثرى في مدفن آل مردم بك في الباب الصغير بدمشق.
اللهم ارحمه ووسع قبره واجعل الملائكة تغسّله بالماء والثلج والبرد، واجعل قبره روضة من رياض الجنة إنك على كل شيء قدير".
ختاماً: أعجني قول الدكتور نجيب بك الأرمنازي:
مهما كان في شواغل اليوم أو الغد ما يقتضي معالجته من المهمات السياسية، فالوقائع السالفة، والحوادث الماضية، ينبغي أن لا تبرح قيد الخاطر، لأن الميراث المشترك لكل أمة يربط بين مختلف أجيالها. والذين شهدوا أيام الحكم الأجنبي، وعرفوا عِظَم ما يطلبه من خيال وشجاعة وتضحية يدركون أن الاستقلال التام هو ثمرة الجهود المتمادية التي أدت إلى انتصار المبادئ الوطنية الرفيعة، والقيم الإنسانية السامية.









صفحــــات متناثــــرة




القصيدة الظالمة!!...

يقول عدنان الملوحي:
زارني ذات يوم في مكتب الجريدة التي أعمل فيها الأستاذ رشيد الساطي مدير مكتب رئيس الوزراء السيد جميل مردم بك.. وقال لي عبارته المعتادة: (عايزك دولة البك..) وقمت معه واتجهنا إلى دار رئيس الوزراء في حارة نوري باشا وكان الوقت مبكراً حوالي الساعة الثامنة والنصف صباحاً، ووجدت في الدار عدداً من الأصدقاء والأنصار، وبادرني رئيس الوزراء قائلاً: (لعلك سمعت، يا ابني عدنان، بقصيدة الأستاذ عمر أبو ريشة التي ألقاها في حفل عام قبل أيام، ونال فيها من العهد الوطني ومن حكومتي ومني شخصياً، سامحه الله، ورأيت أن أسالك صدى هذه القصيدة في أوساط الرأي العام وبين الناس...) فأجبته على الفور: (إن الناس، يا سيدي، يحبون "الفاينة" كما تقول العامة، ويشمتون عادة بالحكام، يحبون بل ويطربون لسماع كل ما يقال عنهم، إن صدقاً وإن كذباً. وهم يرددون الآن قصيدة الشاعر عمر أبو ريشة وكأنهم يرددون أغنية من أغاني محمد عبد الوهاب!!).
قال: (ثم إنني أريد أن أسالك هل ترى من الفائدة إقامة الدعوى على الشاعر بتهمة القدح والذم والسب والشتم؟؟).
قلت في الحال: (إلاّ هذه يا دولة الرئيس، فدع الرجل وما قاله عنك وعن العهد الوطني والحكومة الوطنية، لأنك إن أقمت الدعوى عليه اصطنعت أزمة سياسية لا مبرر لها. وعليك أن تمر بها مرور الكرام وتدعه يقول ما يشاء، وسيستشعر القوة إذا أقمت دعوى عليه..!! فقال: (نِعمَ الرأي رأيك، يا بني، وسأفعل ما أشرت علي به، رغم أنك في عمر ابني زهير وربما أصغر)... وشكرته على ثقته بي، ثم قلت له: (ولكني أريد، يا سيدي، كصحفي لا أكثر ولا أقل، أن أعرف منكم الحقيقة المجردة من كل غاية عن سبب حملة الشاعر عليكم في قصيدته هذه التي طبقت الآفاق من حلب إلى الشام وربما تعدتها إلى سائر المناطق والمحافظات السورية؟؟).
كانت قصيدة الشاعر أبو ريشة يومئذ عنيفة قاسية قال فيها من جمله ما قال:
أمتي هل لكِ بين الأمم
منبر للسيف أو القلم

أمتي كم صنم مجدته
لم يكن يحمل طهر الصنم

ومنها:  
لا يلام الذئب في عدوانه
إن يَكُ الراعي عدو الغنم

ثم طورت لاحقاً وألصق بها بيتان إضافيان وقحان وقاحة من قالهما:
إن أرحام البغايا لم تلد
مجرماً مثل هذا المجرم

كيف ترجو أمة عزتها
وبها مثل جميل المردم؟


وقد تصدى لهذه القصيدة الشاعر عبد الرحمن الدندشي بقصيدة جاء فيها:
ذاك ابن مردم علام ولا صنم
ويثقب الألف عام عنده نظر
كانت فلسطين في التقسيم نظرته
فقيل عنه عميل خائن مجرم
يتابع الملوحي: هذا وأخرج رئيس الوزراء من جيبه بطاقة بتوقيع أحد كبار نواب حلب الشهباء ومن قدماء رجال الكتلة الوطنية وهو حسن بك إبراهيم باشا الذي كانوا يلقبونه وينادونه (أبونا حسن بك) وألقى بالبطاقة إلي، فوجدت فيها ما يلي: (الرجاء أحر الرجاء من دولة الرئيس، إصدار القرار بتعيين الأستاذ عمر أبو ريشة في السلك الدبلوماسي برتبة سفير، كما وعدتم، لأنه ملّ الانتظار...)!!!...
ورددت البطاقة إلى دولته، وسمعته يقول لي بالحرف الواحد: (لقد توسط الشاعر كثيراً من أصدقائه وأصدقائي لتعيينه في هذا المنصب واستمهلت الجميع ريثما أجد له مكاناً مناسباً فهو شاب مثقف ويتقن اللغة الإنكليزية بطلاقة ولكن لا بد من أن يمهلنا بعض الوقت، وبدلاً من ذلك ثارت حماسته علينا ورمانا في قصيدته هذه بسهامه وشتائمه..)
ولاحظت أن دولته كان صادقاً فيما قال، وأنه كان نادماً أيضاً على عدم التعجيل بتعيين أبو ريشة في المنصب الذي كان يحلم به ويتوق إليه، وإلا لما فوجئ بهذه القصيدة. وربما فوجئ بقصيدة مديح وثناء ودعاء. فالإنسان وخاصة الشعراء عبيد الإحسان كما يقول المثل!!... إلى هنا قول الملوحي.
ولعل إحراق مكتب الحزب الشيوعي في دمشق والذي اتهم بالتخطيط له جميل بك دفع أبو ريشة المناصر للشيوعية في ذلك الوقت إلى كتابة قصيدته التي تطاول فيها على جميل مردم بك. وإنَ تطاول هذا الشاعر على جميل بك والسيدة الفاضلة خديجة خانم تحسين بك. لو كان قد حصل فعلاً فإنما يدل على سوء في التهذيب!...
كذلك قال بعض الحاقدين بأن جميل بك قد اندفع يلتمس باباً للخروج من القاعة!! علماً بأن من حضر قال: إن جميل مردم بك لم يطرف له جفن وتظاهر بالسكينة والهدوء وتمالك أعصابه ولم يكترث لقول أبو ريشة كيف لا وهو ثعلب السياسة وحكيم الكتلة الوطنية بدون منازع.



مقالة أعجبتني

في كتاب رجل العروبة الذي أصدرته الرابطة الأدبية في بيروت عام 1948 وردت مقالة أعجبتني تحت عنوان:

ليس الإعجاب خطيئة إن الإعجاب فضيلة

بقلم: الأستاذ توفيق وهبة

تقول المقالة:
حاضر كاتب عربي عن جميل بك مردم بك، ثم طبع المحاضرة فقرأها من لم يسمعها، ثم طلب إلي أن أقول كلمة في المحاضرة وفي موضوعها، والكلمة واحدة لأن الاثنين واحد.
إن الكاتب العربي ترجم الرجل وهو حيّ، ولما كانت التماثيل والنُصب غير مرغوب فيها في الإسلام أقام له نصباً من الفصاحة والبيان والرسم القلمي، فوفاه حقه من غير أن يطمس حقوق سائر الأبطال السوريين الذين لم يتح لهم بعد كاتب عربي نظير كاتبنا لوضع تراجمهم وهم أحياء.
إن جميل مردم بك من رجالات العرب الأفذاذ الذين تعالوا عن الجدل والتمحيص، فهم فوق أي نقاش وأي حوار، هذا إذا نظرت إليه من الوجهة الدولية، أما إذا كنت مزاحماً له على رئاسة وزارة في سورية، أو مناقشاً له على نيابة في دمشق، فإنك تجد فيه ألف موضع للطعن والثلم، ذلك أن أي سياسي ولو كان إسمه تشرشل يلاقي أعداء في دائرته الانتخابية، ولكن لا خلاف عليه في نضاله الخارجي وكفاحه الدولي.
لقد رافق الكاتب مراحل جهاد جميل مردم بك، كما رافق جميل مردم بك مراحل جهاد سورية، فالتاريخان تاريخ واحد، ويضم جملة أجزاء، وفي كل جزء صفحة لجميل مردم بك وأثر لجميل مردم بك.
مما لاشك فيه أن الذي حث الكاتب العربي على إقامة التمثال هو فرط إعجابه بالرجل، ولكن متى كان الإعجاب خطيئة؟ إن الإعجاب تفهّم وشعور وتقدير وجميع هذه فضائل لا تجدها إلا عند الذين لا يكابدون، ولا يحسدون ولا يتجاهلون، فإذا كان الإنسان حسوداً أنكر على غيره فضله، وإذا كان جهولاً لا يدرك قيمة العلم عند غيره، وإذا كان خمولاً لا يشعر بوثبة كفاح المكافحين، فالكاتب العربي إن أُعجب بجميل مردم بك، جدير بأن يُعجب به، لأنه تفهم الجمال والكمال والوطنية والعمل، ولولا تفهمه إياها ما استطاع أن يتحدث عنها.






القاعة الأثرية الشامية
في المتحف الوطني بدمشق


قاعة جميل مردم بك
في مقالة للأستاذ أبو الفرج العش محافظ المتحف الوطني بدمشق:
كانت دار رئيس مجلس الوزراء المرحوم جميل مردم بك قرب البيمارستان النوري في قلب مدينة دمشق القديمة... وكان في هذه المحلة دور كبراء دمشق: آل القوتلي، آل مردم بك، آل البكري... وكان أكثر رجالات هذه الأسر قادة الحركة الوطنية في بلاد الشام.
لما قامت الثورة السورية عام 1925 كانت هذه المحلة الكبرى هدفاً لغارات الطائرات الفرنسية، حين أرادت أن تنتقم من الأهلين العزّل، عندما أعياها القتال الشريف، وكانت لا شك تتقصد إيذاء المدينة وخاصة رجالاتها المخلصين.
أصابت قنابل الفرنسيين دار المرحوم السيد جميل مردم بك فهدمت جزءاً كبيراً منها..
فكّر المرحوم بالاحتفاظ بالعناصر الفنية العائدة إلى القاعة الرئيسية الأثرية ليعيد إنشاءها في قصر كان يزمع بناءه في دمشق؛ لذا فقد اتفق مع الفنان الشهير محمد علي (أبو سليمان) الخياط، على فك أجزاء القاعة وحفظها لديه ليشرف على العمل عندما يحين الوقت.
التقط للقاعة عدة صور فوتوغرافية المصور جورج درزي، ورسم مخطط القاعة وواجهاتها وأحد مقاطعها الرسام السيد كمال الكلاس.
لم تتح الفرصة للمرحوم جميل بك أن ينفذ مشروعه، وفي عام 1958 وجد من الأنسب أن يهدي الأجزاء التزيينية إلى المتحف الوطني بدمشق فأعلم المديرية العامة للآثار والمتاحف رغبته بهذا الإهداء.
تقبلت المديرية العامة هذه الهدية بكل سرور، واتخذت الإجراء القانوني لهذا القبول، فصدر قرار من مجلس الإدارة بقبول الهدية بعد موافقة وزير الثقافة والإرشاد القومي في جلسته المنعقدة في 31/05/1958 ووجّه السيد مدير الآثار العام إلى المرحوم جميل مردم بك كتاب شكر تحت رقم 1285 تاريخ 17/07/1958 هذا نصه:
"إلى دولة جميل مردم بك المحترم:
كان لتفضلكم بإهداء مديرية الآثار العامة مجموعة من الخشب المدهون الشامي لقاعة من قاعات دور دمشق الأثرية مع ما يتبعها من رخام مفصص وبحرة رخامية مساهمة من دولتكم في إغناء تراثنا والحفاظ على ثرواتنا القومية في الأماكن التي خصصت لذلك وهي المتاحف الوطنية، لتكون فيها شاهداً على ما أبدعه السلف، ووجهاً نيّراً يباهي فيه أمام الأجيال الحاضرة والقادمة، أطيب الأثر في نفوس أسرة مديرية الآثار العامة ومجلس إدارتها.
وقد قررنا مبدئياً إعادة إنشائها في إحدى غرف الجناح الإسلامي في المتحف الوطني بدمشق والإشارة إلى أنها هدية منكم.
وإنني إذ أتقدم إليكم باسمي وباسم مديرية الآثار العامة بجزيل الشكر على هديتكم الثمينة التي أعتبرها خدمة صغيرة تضاف إلى الخدمات الجُلّى التي قدمتموها إلى وطنكم العربي الكبير فقدرت حق قدرها، وسجلت لكم بمداد الفخر. أرجو لشخصكم الكريم العمر المديد والصحة الطيبة.

                         مدير الآثار العام
                          الدكتور سليم عادل عبد الحق"

لقد كان هذا الإهداء قبل فترة قصيرة من وفاته رحمه الله، وكأنه كان يشعر أن منيّته قد دنت فرأى أن توضع أجزاء القاعة في المكان اللائق بها، فلقد توفي في 28 آذار 1960.
ويتابع الأستاذ أبو الفرج العش مقالته:
تسلمتْ المديرية العامة أجزاء القاعة الأثرية، وأرادت أن تعيد إنشاءها. قلّب المسؤولون وجهات النظر أين يجب إعادة إنشائها وكيف؟
إن إعادة إنشاء القاعة كما كانت تماماً في أرض خالية يعتبر حلاً مثالياً، إلا أن الأرض التي يمكن أن تقام عليها غير متوفرة. ولقد اتفق أن كانت المديرية العامة تنشئ قاعة المحاضرات في نهاية الجناح الغربي من المتحف، وقد انتهى البنيان الأساسي وأوشك السقف على الانتهاء.
خطر للمسؤولين أن تدخل هذه الأجزاء الزخرفية في بناء القاعة فاستشير الفنان المرحوم أبو سليمان الخياط فوافق على الفكرة، وأبدى استعداده للقيام بهذه المهمة مع أولاده وصنّاعه.
وافق مجلس الإدارة على القيام بالعمل، وصدرت المديرية العامة الأموال اللازمة. وتسلم الأمر أبو سليمان بوصفه خبيراً.
ودشنت القاعة في 30 نيسان 1962، فأعجب المدعوون العرب والأجانب بأهمية العمل الفني الذي قام به أبو سليمان الخياط، ومنحته الدولة وسام الاستحقاق من الدرجة الثانية بموجب المرسوم رقم 697 تاريخ 30/04/1962، وقد خلّد إعادة إنشاء القاعة الأستاذ الشيخ الفاضل عبد الرزاق الحمصي في بيتين وضعا فوق باب المكتبة من جهة القاعة وهما:

هدية جميلة أهداها جميل(1)

وبعهد سليم(2) تم البناء

لست أنسى أبا سليمان(1) عمري

خاط البناء كما يخاط الكساء

والجدير بالذكر أن تاريخ إنشاء هذه القاعة في دار جميل بك كان بتاريخ 1150 هـ ـ 1737 م وقد نقش ذلك على إحدى الزخارف الزيتية.
وأرى أنه كان من العرفان بالجميل للجميل أن تسمى هذه القاعة "قاعة جميل مردم بك" ذكرى لذلك الرجل الذي كان له أياد بيضاء على هذا البلد العظيم!!...






































قصة الباخرة المخطوفة
 التي استغلها خصوم جميل مردم بك

في عام 1948 وفي غمرة الحاجة إلى سلاح بين يدي القوات العربية للدفاع عن فلسطين، وفي وقت زادت فيه الأحقاد بين زعماء البلاد العربية عامة وفي سورية خاصة، وتعاظم المكائد لبعض الشخصيات الحاكمة في سورية وخاصة لجميل مردم بك، جاءت حادثة الباخرة "لينو" لتفضح ما في نفوس البعض من حقد على مردم بك، رغم أن الحادث كان نتيجة بعض الإهمال وسوء في تقدير عواقب الأمور لا أكثر، "وسأروي هذه الحادثة على لسان السيد سهيل العشي(1) الذي كان الشاهد الأساسي في كل مجريات الحادثة ومداخلاتها". كما سأذكر ما جاء في رواية "مؤسسة الدراسات الفلسطينية من حرب فلسطين بالرواية الإسرائيلية الرسمية" حتى تنكشف الحقيقة لمن لا يريد أن يرى إلا من خلال نفسيته الضعيفة والحاقدة والتي مهما حاول أصحابها أن يداروا مرضهم فستفضحهم كلماتهم ليظهروا على حقيقتهم أقزاماً يتطاولون على عمالقة الجهاد الوطني الذين حققوا الاستقلال لسورية بلا شروط ولا قيود، ورفعوا العلم السوري فوق كل سورية من الشمال إلى الجنوب.
أما قصة السيد سهيل العشي فهي كما يرويها ويسميها:
"قصة باخرة مردم بك"
هذه قصة باخرة الأسلحة والذخيرة التي اشترتها الجامعة العربية وأوفدت من أجلها العقيد فوزي سلو يرافقه النقيب جمال فيصل، إلى تشيكوسلوفاكيا لإتمام الصفقة، وتعلقت هذه الباخرة الضائعة باسم المقدم فؤاد مردم بك.
سافرت هذه اللجنة إلى تشيكوسلوفاكيا (براغ) في شباط 1948 وأتمّت الصفقة لثمانية آلاف بندقية وعشرة ملايين طلقة. عملت الشركة على شحنها عبر شركة شحن وأمنّت عليها.
غرقت الباخرة في مرفأ باري الإيطالي. وتم إنقاذ ما فيها من قبل الجيش الإيطالي. أوفد مردم بك لإعادة شحنها في باخرة أخرى وتم التأمين عليها.
يقول سهيل العشي: جرى تكليفي من قبل الرئيس شكري القوتلي بالسفر إلى إيطاليا حوالي 10/11/1948 والتحقيق في هذا الموضوع والاتصال بالسفارة المصرية والتي كنتُ أعرف سفيرها عبد الرحمن حقي عندما كان في دمشق.
وصلت إلى إيطاليا باسم مزور، لتسهيل المهمة، مصطحباً معي الصديق علي صبري الذي كان يجيد اللغة الإيطالية. وقد استندت في تحقيقي على المصادر التالية:
ـ ملف القضية لدى السفارة المصرية (حيث لم يكن لنا سفارة في إيطاليا).
ـ المحامي اللامع هنريكو نونة ـ حلبي الأصل ـ يعمل في المحاماة في روما. ولديه ملف كامل عن القضية، بعد أن كلفته السفارة المصرية منذ البداية بمتابعة الموضوع.
ـ المخابرات الإيطالية للجيش.
ـ صاحب الباخرة (أرجيرو) السيد منارا في مرفأ (باري).
ـ مدام (بالماس) التي سكن عندها المقدم فؤاد مردم بك في روما.
ـ عائلات البحارة في ريف مدينة (باري).
وحصلت على المعلومات التالية:
تم الاتفاق بين الشاحن وبين شركة النقل "انتراسبيد Interaspeed" لنقل البضاعة من مرفأ تريست إلى بيروت، وتعاقدت هذه الشركة مع الوكالة البحرية "أوروبا Europe" لشحن البضاعة على باخرتها "لينو Lino" والتي يملكها السيد "دالاسيو" المقيم في روما، ولم يذكر في العقد طبيعة البضاعة، مما يسهل تأمينها.
تركت الباخرة الصغيرة ميناء "فيومه" اليوغوسلافي حيث بقيت حتى 30/03/1948. وفي الساعة السابعة والنصف من صباح 31/03/1948، غادرت الباخرة إلى بيروت، حسب نص العقد... ولم تُعلم الشركة الشاحنة بأمر السلاح وإنما ادعت بأنها بضاعة عادية.
ولما علم البحارة بأمر السلاح، خافوا مما ينتظرهم من مجهول، وأعلنوا رفضهم لمتابعة الإبحار، فاضطر ربان الباخرة للجوء لأقرب ميناء يعرف كيف يتصرف فيه، ووقع خياره على مرفأ "مولفيتا Molfetta" حتى ينجلي أمر التحقيق بشكوى البحارة. وأخبر قبطان الباخرة شرطة مولفيتا بالموضوع، وأراها المانيفست والأسلحة المشحونة لسورية. وباعتبار وجود أعمال شغب شيوعي في مرفأ مولفيتا آنذاك، فقد أبعدت السلطات الإيطالية باخرة لينو إلى مرفأ باري، ووصلته في 03/04/1948 وأُطلق سراح البحارة، وعادوا إلى تريست، بعد توقيف دام حوالي ثلاثين يوماً، وبقيت البضاعة تنتظر تعليمات "انتراسيد" لإتمام الشحن.
في اليوم التالي من رسو باخرة لينو في مرفأ باري، جاءت سفينة حربية بريطانية ورست بقربها، ونقل بعض الشهود، أن بحارة هذه القطعة البريطانية، كانوا يتدربون على أعمال الغطس يومياً وأنهم سمعوهم يقولون "نحن هنا ما دامت هذه الباخرة هنا". وبقيت هذه القطعة البحرية البريطانية ثلاثة أيام.
وقد تأكدتُ من هذه الأقوال، عندما سمعتها من مدير مرفأ باري. وبعد أن استأذنت هذه السفينة الحربية للإبحار في 09/04/1948، سمع دوّي كبير في صباح 10/04/1948 غرقت على أثره الباخرة لينو وتبيّن، بالتحقيق الإيطالي، من أن لغماً بحرياً إنكليزياً كان السبب في غرق الباخرة المذكورة.
وقد استطاع الجيش الإيطالي انتشال البضاعة بين تاريخ 12 ـ 19/04/1948، ووضعت الذخيرة في مكان والبنادق في مدينة أخرى خوفاً من حوادث الشغب. كما تمكن من تعويم الباخرة لينو بين 30/04/1948 و20/05/1948.
وقد اتصل السيد "هنريكو نونه باسم السيد دالاسيو" مدير شركة "أوروبا"، ومالك الباخرة "لينو"، بالسيد منارا وطلب إليه العمل على إيجاد باخرة، أو اثنتين لإعادة الشحن. وقبل 29/04/1948 بأيام قليلة، ذهب منارا صاحب السفنية "أرجيرو" إلى روما، وزار مكتب السيد "دالاسيو" الذي هو رئيس شركة شحن "أوروبا" ومالك الباخرة "لينو" وتعرف هناك على المقدم فؤاد مردم بك بحضور كلٍ من السادة:
ـ المحامي "هنريكو نونه".
ـ السيد "جوزيبه سيزال" مدير شركة تأمين "سلافيا كومباني" ومعه موظف من الشركة هو السيد "فرانسوا هانك" واللذين قدما من مدينة "براغ".
ـ السيد "جوزيللا جيوفاني" من ميلانو وهو ممثل شركة التأمين المذكورة آنفاً في إيطاليا.
ـ السيد "أوسكار ماستالير" ممثلاً عن شركة "انتراسيد كومباني" التي استأجرت من شركة "أوروبا" الباخرة "لينو".
عاد السيد "منارا" بعدها بأيام إلى روما، حيث اجتمع مع "مردم بك" وبحث معه موضوع الباخرة "لينو"، وفهم منه، ومن "دالاسيو"، أنه تم الاتفاق على أن تدفع شركة التأمين مبلغ        29 مليون لير إيطالي وخفّض إلى 25 مليون بعد نقاشات حادة.
في أواخر تموز 1948 جاء مردم بك إلى "باري" بعد أن تم انتشال الأسلحة والذخيرة، واجتمع مع الكولونيل الإيطالي "دوسانكتيس Desanctis" ـ وهو ممثل السلطة العسكرية الإيطالية والموكل إليه تسليم الذخيرة والسلاح إلى مردم بك ـ لتقدير الأضرار اللاحقة بالبضاعة. وبعد أيام اتصل "نونه" بالسيد "منارا" وأعلمه أن مردم بك اعتمد مع شركة نقل لشحن البضاعة على الباخرة "لاجيما Lagemma" من مرفأ "تارينته Tarente"، كي يهيئ "منارا" المستندات اللازمة لإعادة الشحن حسب الأصول.
وصل "نونه" وحده، مرسلاً من قِبل "مردم بك" إلى "باري" في 4 آب، وقد ذهب "نونه" و"منارا" والكولونيل "دروسانكتيس" إلى "تارينته" لملاقاة الباخرة "لاجيما". وعلموا حينها أن الباخرة واقعة تحت أمر مصادرة قضائي. ولكن هذا الأمر يمنع البيع ولا يمنع الشحن، ولكنهم فوجئوا أيضاً بأن أمر المصادرة صادر عن السيد "رولو" صاحب الباخرة، كما أفاد قبطان الباخرة بأنه لا يعلم شيئاً عن البضاعة التي ستشحن ولا بأي اتجاه ستشحن.
عندها، خامرهم الشك، وعادوا إلى "باري" كي يتصل "نونه" "بمردم بك" ويتلقى التعليمات. ووصلت في هذه الأثناء برقية من "مردم بك" إلى "نونه"، يطلب إليه عدم متابعة الشحن بباخرة "لاجيما"، لأنه علم بموضوع الحجز الواقع عليها.
ويذكر السيد "منارا" أن "مردم بك" طلب إليه متابعة فحص الذخيرة والسلاح، وذلك في 07/08/1948. وطلب السيد "منارا" ذلك من الكولونيل "دوسانكتيس" الذي أرسل صندوقين ذخيرة وبندقتين، كانت قد أخذتهما الشرطة الإيطالية، وأرسلها إلى "بومبريني بارادي ـ Bombrini Paradi". وهي شركة إنتاج ذخيرة، مركزها روما. ولم يعرف السيد منارا نتيجة هذا الفحص.
في حوالي منتصف شهر آب 1948، طلب "نونه" إلى "منارا" باسم "مردم بك" تهيئة شحن البنادق إلى مرفأ "جنوا" الإيطالي حيث ستشحن على الباخرة "خديوي إسماعيل"، وأنهم أوكلوا أمر الشحن إلى شركة "بارسانتي دي باري Parsanti Di Pari" التي ستؤمن نقلها براً إلى "جنوا"، علماً بأن "بارسانتي" هذه هي وكيلة شركة "فالبركا وسيموني Valberga Et Simoni" والتي مركزها في جنوا.
وقد اعترض هذا النقل صعوبات من قبل السلطة الإيطالية لمنح إذن النقل. وتمكن التغلب عليه في النهاية. ولكن مردم بك وإزاء هذه الصعوبات، عدل عن إرسال البضاعة إلى "جنوا" بالرغم من أنه كان بالإمكان تنفيذه بالفعل، بعد أن نجح المحامي نونه بتذليل الصعوبات، والحصول على إجازة النقل البري. وتفسير ذلك أن أوامر وصلت من دمشق ومن وزير الدفاع يطلب فيها إلى مردم بك التعاون مع السيد ممدوح حفار ـ تاجر دمشقي عرض خدماته على وزارة الدفاع لنقل الأسلحة والذخيرة على الباخرة السياحية المصرية "الخديوي إسماعيل" ـ لشحن البضاعة، والإسراع بذلك ومرافقة الباخرة.
ولكن ذلك لم يجد أذناً صاغية من "مردم بك"، كما لم يجد نفسه مرتاحاً للتعاون مع "الحفار"، بالرغم من أنه جاء إلى "باري" واتخذ كامل الإجراءات لتنفيذ شحن البضاعة إلى مرفأ "مسّينا ـ Messina"، حيث تتوقف "الخديوي إسماعيل"، لأخذها من ظهر الباخرة "أرجيرو" العائدة للسيد "منارا"، وقد حملت البضاعة فعلاً.
ولما أصبحت السيارات محملة وجاهزة للإقلاع من الثكنة في 18/08/1948، جاء مردم بك يسأل في "باري" السيد "منارا" عن إمكان شحن البضاعة إلى الباخرة "أرجيرو ـ Argiro" العائدة له، حيث استقر رأي "مردم بك" على شحن البضاعة على الباخرة أرجيرو وتحوي البنادق والذخيرة. وتم نقل كل البضاعة إليها في مساء 19/08/1948.
انطلقت الباخرة من "باري" إلى الإسكندرية بتاريخ 20/08/1948 بين الساعة 8 ـ 9 صباحاً وكان الزمن لوصولها إلى الإسكندرية تقريباً ستة أيام.
في تلك الأثناء كان "نونه" قد حصل على إذن مرور البضاعة براً. ولو أراد مردم بك الاستفادة من هذا الإذن لاستطاع. وكان مردم بك قد تلقى من وزارة الدفاع أمراً بمرافقة الباخرة، وبالرغم من أنه طلب إلى القبطان تهيئة غرفة له على الباخرة لكنه لم يرافقها. بل عاد في مساء 28/08/1948 إلى روما، قائلاً "لمنارا" بأنه سيأخذ الطائرة منها إلى الإسكندرية. وكان مردم بك قد أعطى أوامره إلى قبطان الباخرة "أرجيرو" بأن يبحر جنوباً بمحاذاة الشاطئ الإيطالي، ويتابع جنوباً حتى بلوغ المياه الإقليمية لشمال أفريقيا، فينعطف بعدها شرقاً باتجاه الإسكندرية.
غادر "مردم بك" باري بالقطار يوم 19/08/1948 عائداً إلى روما، وكان في وداعه بمحطة القطار الكولونيل "دوسانكتيس" والسيد "منارا". وأخذ "مردم بك" الطائرة من روما إلى الإسكندرية، ليلاقي الباخرة "أرجيرو" فيها في حوالي 27/08/1948، ولكنها لم تصل وضاعت!!...
ويتابع السيد "سهيل العشي": لقد بدأت بزيارة أهل البحارة، وتبين لي من أنهم مفجوعون بغياب رجالهم! ولكن سيّدة واحدة منهن قالت بأنها تلقّت بطاقة من زوجها من قبرص، مما يدل على أن الباخرة وقعت بيد السلاح البريطاني الذي أكمل مهمته واغتصب الباخرة وما فيها، وأخذها إلى قبرص، ثم إلى تل أبيب، حيث بقي البحارة معتقلين حتى نهاية المعركة مع إسرائيل. وأهدى البريطانيون سلاحاً من أموال العرب إلى اليهود!...
أما فيما يتعلق بالسيدة "بالماس Palmas" التي تردد اسمها في قضية "مردم بك" وبالباخرة: فهي سيدة بارعة الجمال عرّفه عليها السيد "دالاسيو"، ممثل شركة نقل "انتراسبيد"، وسكن عندها "مردم بك" ووقع في حبّها، وقد زرتها باسم صديق "لمردم بك"، فأطلعتني على رسائل منه يعدها فيها بالزواج (علماً بأن فؤاد بك كان وقتها متزوجاً)، ولكني استبعدت أن يكون لها أي دخل في موضوع الباخرة وما حدث لها. وكل ما في الأمر أن السيد "دالاسيو" يعلم من خلال "بالماس" التي كانت صديقته بكل تحركات وسكنات مردم بك، وأعتقد بأن هذا كان يمكن أن يحدث ولو كانت هذه الصديقة مسيحية!!... (وكون ابن عمي فؤاد قد أحب هذه السيدة الجميلة فهذا لا يعني أنه خان القضية العربية فما هو الفرق بين اليهودية وغير اليهودية؟!) إلا إذا كانت صهيونية.
يتابع سهيل العشي: وضعت تقريراً رفعته إلى فخامة الرئيس القوتلي وأرسلته في العشر الثاني من تشرين الثاني مع الصديق علي صبري الذي عاد إلى دمشق، "وبينت في هذا التقرير مراحل التحقيق كما بينت رأيي الشخصي من أن مردم بك ليس خائناً". فإن عدم مرافقته للباخرة تنفيذاً للأمر الذي تلقاه، وفي تلك الظروف، يستوجب اتهامه بعدم تنفيذ أمر خطير قد يصل إلى مرتبة الخيانة.
وقد اعتقل مردم بك وأودع السجن رهن محاكمته بمحكمة عسكرية، ولكن انقلاب حسني الزعيم كان سبباً في تغيير الأوضاع، فأحيل مردم بك إلى محكمة مدنية برئاسة القاضي "إسماعيل القولي" وعضوية الضابط "نبيه الصباغ"، وجرى استدعائي من حلب واستدعاء المحامي نونه من روما.
(ووجّه إليّ الأستاذ القولي سؤالاً واحداً: هل تعتبر فؤاد مردم بك خائناً؟ أجبت بالنفي).
وأفرج عنه بعد أن حُكم بالمدة التي قضاها في السجن.
هذه هي قصة المقدم مردم بك مع إعادة شحن السلاح والذخيرة، رَوَيْتُها بكل تفاصيلها وأنا المحقق الوحيد فيها. ولعلها تجعل القارئ الكريم، يطلع جيداً على بعض الجهد الذي بذلته سورية ـ الجمهورية المستقلة الناشئة ـ ومدى العدوان الذي عاملتنا به بريطانيا!... انتهى قول السيد "سهيل العشي".
فهل ينتهي أصحاب الأقلام القصيرة وأصحاب الألسنة الطويلة؟؟!!...




«رواية مؤسسة الدراسات الفلسطينية»
عن حرب فلسطين 1947 ـ 1948

"عملية لينو"

في بداية سنة 1948، عندما وقعت العقود الأولى بين ممثلي "الهاغاناه" ومصانع "سكودا" في إطار صفقة السلاح التشيكية، عقدت في المقابل صفقة سلاح بين التشيكيين والعرب. وتمت الصفقتان بإيحاء من السوفيات في تشيكوسلوفاكيا، عندما تسلم الشيوعيون السلطة في هذه الدولة. وعلمت "الهاغاناه" بوجود صفقة السلاح التشيكية ـ العربية هذه في آذار / مارس 1948. واتضح أنه في مقابل شحنة الأسلحة التشيكية التي اشترتها "الهاغاناه" وأرسلت على متن السفينة الإيطالية "نورا"، خرجت من ميناء فيوما السفينة "لينو" التي كانت هي أيضاً إيطالية، وعلى متنها شحنة أسلحة تشيكية مرسلة إلى سورية. وتضمنت الشحنة 6000 بندقية و8 ملايين رصاصة.
وفي ضوء وضع نسب القوى في تلك الفترة في أرض (إسرائيل)، اعتبرت هذه الشحنة تعزيزاً خطراً لقوة العرب، يحتمل أن يتسبب بتغيير ميزان القوى وحدوث تطورات خطرة على الجبهة.
وأصدر شاؤول مئيروف أمره إلى رجال "الهاغاناه" في روما بالعمل ضد "لينو" مهما تكن النتائج. وكانت الخطة التي ارتسمت معالمها في ضوء الأهمية الخاصة للموضوع، والتي نبعت أيضاً من عدم وجود وسائل أفضل، هي إغراق "لينو" في عرض البحر بقنبلة بدائية وزنها نحو 50 كلغ. وتُلقى القنبلة على السفينة من طائرة نقل من طراز "كوماندو"، تُختار من بين الطائرات التي اشترتها "الهاغاناه" والتي كانت موجودة بروما في طريقها من القارة الأميركية إلى تشيكوسلوفاكيا، لنقل أسلحة إلى البلد.
وبسبب فرص النجاح القليلة أمام هذه العملية والخطر المقترن بها من ناحية فقدان البحارة الإيطاليين لحياتهم، قدم مونيا مردور اقتراحاً بأن تعترض إحدى سفن "مؤسسة الهجرة" الثانية السفينة "لينو" في عرض البحر. وتستولي مجموعة مقاتلين مسلحة على أكمل وجه على "لينو"، وتقودها بأسلحتها إلى شواطئ البلد. وإذا لم تنجح، تغرقها في البحر. وبناء على ذلك أرسل من قيسارية في 02/04/1948، 25 من أفراد البلماح على متن سفينة الصيد "دروم افريكا"، وهم مجهزون بمدفع رشاش متوسط وستنات ومواد متفجرة. وكان في نيتهم التوصل إلى اتفاق مع طاقم الملاحين الإيطاليين، وفي حال المقاومة يستولون بالقوة على السفينة التي تحمل الأسلحة، ويتم تفريغ حمولتها على إحدى الجزر المهجورة في جوار الساحل اليوناني ثم يغرقونها.
وأصر شاؤول مئيروف، الذي طلب موافقة بن غوريون على تدمير "لينو"، على رأيه فيما يتعلق بالتدمير. وبناءً على الافتراض أنه لن تكون هناك معارضة في البلد، وافق شاؤول على القيام برحلات استطلاع جوية فوق البحر الادرياتيكي بهدف البحث عن "لينو"، وعلى تهيئة العتاد اللازم للقصف وإعداد سفينة رحلات سريعة. كما عين شالوم ليفن مسؤولاً عن تنظيم العملية من الجو. فقد كان يعتني وقتئذ ـ مع فريق من الطيارين ـ بطائرات "الهاغاناه" التي حطت مؤقتاً في إيطاليا.
وبينما كانت الاستعدادات جارية، وصل نبأ دخول "لينو" إلى ميناء مولبتا، شمالي باري، بسبب عطل طرأ عليها. وعرفت السلطات الإيطالية من عيدا سيرني، التي اتصلت بتكليف من "مؤسسة الهجرة" الثانية بعناصر صديقة في الأدميرالية الإيطالية، بنوعية حمولة السفينة "لينو". وبحجة أن القبطان أدلى بمعلومات كاذبة بصدد الحمولة، اعتقل الطاقم واقتيدت السفينة إلى ميناء باري العسكري.
وأثار أسر السفينة توتراً خاصاً في إيطاليا، التي كانت على أبواب الانتخابات. وفسر ظهور سفينة السلاح التي قدمت من ميناء يوغسلافي بأن في نية الشيوعيين الإيطاليين الاستيلاء على السلطة بقوة. واستوجب رسو السفينة في باري تغيير الخطط السابقة والتركيز، في الأساس، على محاولة إغراق "لينو" في الميناء. وبناء على طلب شالوم ليفن، أعفاه شاؤول مئيروف من مسؤولية معالجة أمر "لينو"، وعادت السفينة "دروم افريكا" إلى قاعدتها في قيسارية، وأوكلت قيادة عملية تخريب سفينة الأسلحة العربية إلى مونيا مردور، وضمت الوحدة التي شكلت للقيام بهذه العملية: الملازم أول أمنون يونا، وحدة تدمير: يوسف درور وبيني كرفيتس ومئير باليك، وعامل لاسلكي وسائقين. وبلغت الاستعدادات للعملية مرحلة متقدمة. وأرسلت أولاً وحدة التدمير إلى باري لدراسة المنطقة.
وفي روما طرح اقتراح باستخدام خبراء تدمير إيطاليين، لكن المسؤولين عن التنفيذ رفضوا هذا الاقتراح من زاوية "إننا في البلد لم نعتد أن يلتقط لنا أحد الكستناء من النار أو يحارب عنا".
وبعد الانتهاء من الترتيبات الضرورية في روما وصل مونيا مردور وأمنون يونا إلى باري. وهناك وضع مونيا مردور خطة العملية، وحدد طرق الوصول والتسلل إلى الميناء والجدول الزمني للتنفيذ في الليلة ذاتها، في 08/04/1948. وتم صنع اللغم بإشراف يوسف درور من أنبوب دراجة نارية حشي بالـ ت. ن. ت.، وركب عليه جهاز توقيت. وقد صنع الجهاز من مواد اشتريت من صيدليات وحوانيت وجرب في أثناء الإعداد للعملية. وأعطي صانعو اللغم تعليمات بأنه ينبغي أن يتسبب فقط بإغراق السفينة وليس تفجير حمولتها، كي لا يُقتل أحد في الميناء.
وفي الليلة الأولى لم تنجح محاولة التخريب، على الرغم من أن أفراد وحدة التدمير اجتازوا بسلام كل الطريق بموجب الخطة، ووصلوا إلى بعد نحو 20 متراً من "لينو"؛ فقد كان هناك حول السفينة وعلى متنها حراس إيطاليون، وأنارت مصابيح كاشفة لمدمرة بريطانية، راسية بجانبها، المنطقة في الجوار. وبما أن أفراد وحدة التدمير لم يكونوا مزودين بثياب غطس، فإنهم لم يستطيعوا البقاء تحت الماء فترة كافية لإلصاق اللغم بالسفينة. وفي طريق العودة فك أفراد وحدة التدمير جهاز التوقيت، وأغرقوا اللغم في الميناء. وفي اليوم التالي، أبحرت المدمرة البريطانية وكرر أفراد وحدة التدمير المحاولة فنجحوا في هذه المرة. في الساعة الواحدة والنصف فجر يوم 10/04/1948، غرقت "لينو" بحمولتها من دون أن يصاب أحد من جراء الانفجار.
لكن قضية شحنة الأسلحة السورية لم تنته بذلك. فمن دمشق أرسل (المقدم فؤاد مردم بك) لإنقاذ الشحنة وإيصالها إلى هدفها. ونتيجة تدخل السوريين انتشل الإيطاليون "لينو" وحملت الشحنة، التي كانت نسبة ضئيلة منها فقط قد تضررت، على متن السفينة الإيطالية "أرجيرو".
ودس بين طاقم السفينة ميكانيكيان إيطاليان موثوق بهما، من العاملين مع "مؤسسة الهجرة الثانية". وكانت التعليمات التي أعطيت لهما هي أن عليهما بعد ساعتين من مغادرة الميناء أن يوقفا السفينة بحجة حدوث عطل في الآلات وينتظر وصول سفينة صيد على متنها إسرائيليون. وفي 20/08/1948 أبحرت "أرجيرو" من ميناء باري.
وقبل يوم من ذلك، تسللت سفينة صيد سريعة من ميناء بلدة موله دو باري، وقد اختبأ في مستودعها البحاران دافيد بن حورين وعوفيد ساديه، اللذان كُلفا بالاستيلاء على السفينة.
ووفقاً للخطة، أوقف الميكانيكيان السفينة "أرجيرو"، وتم اللقاء خارج المياه الإقليمية الإيطالية، في المنطقة المحددة. وصعد دافيد وعوفيد، وهما يرتديان بذتي ضابطين بحريين، إلى ظهر السفينة شاهراً كل منهما مسدساً. وقدما نفسيهما للقبطان الإيطالي كموفدين من قبل مردم بك لمرافقة السلاح، وأشارا إلى جهاز اللاسلكي [الذي كان معهما] والمعد للاتصال بالعرب الذين أوفدوهما، زعماً. ولم يشك القبطان في الضابطين البحريين، وقاد السفينة في الاتجاه الذي حدداه له.
وبواسطة جهاز اللاسلكي، نسق لقاء بين "أرجيرو" وأسطول صغير تابع لسلاح البحرية الإسرائيلي في 26/08/1948 في منطقة تقع شمالي شرقي جزيرة كريت. والتقى الأسطول الصغير السفينة في الموعد والمكان المحددين. فسيطر على السفينة، وتم نقل جميع الأشخاص والشحنة إلى الطرادين "هاغاناه" و"ويغوود". أما "أرجيرو" فقد جنحت وأغرقت نتيجة ارتطامها. وفي 30/08/1948 رسى الأسطول الصغير بحمولته في ميناء حيفا.
وفي أثر نجاح المرحلة الأولى من عملية "لينو" أنشأت "الهاغاناه" في أوروبا في 13/05/1948 "وحدة لتخريب أعتدة العدو في أوروبا" بقيادة أمنون يونا الذي كان حتى ذلك الوقت منسق التدريبات العسكرية في مخيمات اللاجئين في إيطاليا.
وقد بدأت هذه الوحدة تدريباتها في صيف سنة 1948. ونشاطها خارج عن نطاق  أحداث كتابنا. لقد أنجزت عملية "لينو" ونفذت عمليات تخريبية أخرى، بينها ضرب طائرات كانت معدة للإرسال إلى الجيوش العربية.












سفينة أرجيرو











سفينة لينو وهي تغرق



موكب جميل مردم بك
ومفتش الشرطة الفرنسي

بقلم عارف النكدي(1)

كان جميل بك مردم بك في أوّل ظهوره وزعامته يتطلّع إلى مستقبل باسم مشرق، والناس يلتفّون حوله باعتباره الزعيم المرتقب. وكان جميل بك بحقّ الرجل السياسيّ والدبلوماسيّ الموهوب كما تبيّن فيما بعد.
وحصل عندما كان عائداً إلى دمشق من زيارة الأراضي المقدّسة عن طريق بيروت أن خرج الأهلون لاستقباله في دمّر استقبالاً فخماً في عشرات السيّارات. فتنبّهت السلطة الفرنسيّة لذلك، وحاولت عدم تمكينه من الدخول إلى دمشق بهذه التظاهرة الشعبيّة الرائعة، فأقامت حواجز من الأسلاك الشائكة على جانبي مدخل الربوة عند مدخل المدينة، ووضعت عدداً وافراً من رجال الشرطة بقيادة المفتّش الفرنسيّ السيّد كران، وأخذت تسمح بمرور السيّارات بين الأسلاك الشائكة، واحدة واحدة وبفاصل من الوقت لتحول دون دخول جميل بك المدينة بموكب حافل زاخر مع مستقبليه.
وعندما رأى جميل بك هذا التصرّف السيّئ أخذ يناقش مفتّش الشرطة الفرنسيّ بعدم أحقيّة السلطة القيام بهذا الإجراء، وأنّه يتعارض مع الحرّيّة الشخصيّة ويحول دون إظهار المواطنين شعورهم، واشتدّ الجدل بينهما. ويبدو أنّ جميل بك أسمع مفتّش الشرطة الفرنسيّ كلمات قاسية اعتبرها المفتّش مهينة له أثناء قيامه بواجب الوظيفة، فنظّم ضبطاً بالحادث ورفعه إلى مدير الأمن العامّ الفرنسيّ السيّد فيردون، الذي رفعه بدوره إلى المستشار القضائيّ مفتّش العدليّة العامّ والنائب العامّ لدى محكمة النقض المختلطة. وكان يقوم بها بالوكالة آنئذ السيّد استيف المستشار التشريعيّ، لتغيّب الأصيل بالإجازة. فأحال السيّد استيف، محضر الضبط بدوره إليّ، بوصفي النائب العامّ في المحكمة المختلطة بالوكالة، وطلب إليّ كتابة تحريك دعوى الحقّ العامّ بحقّ جميل بك بجرم تحقير وإهانة مفتّش الشرطة الفرنسيّ أثناء قيامه بالوظيفة، مع طلب توقيفه.
وقضاة النيابة العامّة، كما لا يخفى، ملزمون قانوناً بتنفيذ الطلبات الخطّيّة التي تردهم من مرجعهم الأعلى والعمل بموجبها. وإنّ الحكمة القائلة "إذا كان القلم مقيدّاً فاللسان طليق"، فمحلّها في المرافعات وإبداء المطالعات أمام المحاكم، لا في الطلبات الخطيّة وتحريك دعوى الحقّ العامّ. لذلك فقد حرّكت دعوى الحقّ العامّ بحقّ جميل بك أمام قاضي التحقيق، وطلبت توقيفه وفقاً لما جاء بكتاب المستشار القضائيّ. كان قاضي التحقيق آنئذ السيّد لوريش، وكان من خيرة القضاة أخلاقاً وعلماً وجرأة وتجرّداً وعدلاً.
وعندما وصلته إضبارة جميل بك مردم بك بعث إليه بمذكّرة جلب للحضور إلى مكتبه في يوم معيّن للتحقيق معه. وبالفعل فقد حضر جميل بك في الوقت المحدّد له، وحضر معه وتبعه مئات الأشخاص من أصدقائه ومريديه حتّى امتلأت بهم فسحات المحاكم المختلطة في بناية العابد، كما امتلأ بهم شارع رامي.
أمّا الباب المؤدّي إلى مكاتب القضاة، فقد أمرت بإقفاله، وأقمت حرساً كافياً من رجال الدرك والشرطة لحمايته ضدّ كلّ احتمال. وبعد أن استجوب قاضي التحقيق جميل بك، حضر لمكتبي وأطلعني على نتيجة التحقيق الذي يتلخّص بأنّ ما قاله جميل بك كان بالمقابلة لما صدر من المفتّش الفرنسيّ، وقدّم لي الإضبارة للإطّلاع عليها وبيان مطالعتي بشأن التوقيف أو عدمه. تذاكرت وقاضي التحقيق وأردنا أن يكون عملنا منسجماً ولا انتقاد عليه، لذلك خرجت من مكتبي بين هذه الجموع المحتشدة قاصداً سراي الحكومة لمقابلة المستشار القضائيّ بالوكالة في مكتبه، وإطلاعه على نتيجة التحقيق الذي جرى. وأبديت له رأيي بصراحة تامّة، وهو أنّه لا يوجد في القضيّة ما يستلزم توقيف جميل بك، وأنّ توقيفه يكون لطخة عار في جبين القضاء المختلط العادل الذي ينظر الناس إليه نظرة احترام وتقدير، لما يتحلّى به قضاته من نزاهة وعلم وتجرّد. فضلاً عن أنّ مثل هذه الدعوى إذا وصلت إلى المحكمة فسيكون مصيرها عدم مسؤولية جميل بك لعدم وجود ما يشكّل جرماً بحقّه. وبعد مناقشة وإقناع، قال لي المستشار القضائيّ بالوكالة "نحن لا نريد ظلم الناس. قرّر أنت وقاضي التحقيق ما تتّفقان عليه".
خرجت من مكتب المستشار القضائيّ بالوكالة شاكراً ومقدّراً علمه وترفّعه وتجرّده، وعدت إلى مكتبي وأبلغت قاضي التحقيق بكلّ ما جرى، ودوّنت مطالعتي بعدم التوقيف. فقرّر قاضي التحقيق وفقاً لطلبي عدم التوقيف، وأبلغ بذلك جميل بك فخرج، وعلامات الغبطة والسرور بادية على وجهه، لهذه العدالة وهذا التجرّد. وما أن وصل إلى الباب المطلّ على الجماهير التي كانت تنتظره بفارغ صبر وقلق، وشاهدوه طليقاً بهجاً، وأخبرهم بما جرى، حتّى تعالت الأصوات هاتفة بشكر المحاكم المختلطة وعدالتها.
وهكذا انتهت هذه القضية فيما بعد بمنع محاكمة جميل بك، وخلصت المدينة من مظاهرات ما كان يعلم نتيجتها إلاّ الله لو كان تقرّر توقيف جميل بك.



صندوق جميل بك

بعد وفاة جميل بك مردم بك قامت حكومة الوحدة!! بختم الصندوق الحديدي العائد له في بنك سورية والمهجر، خوفاً من أن يكون قد وضع فيه الأموال أو المجوهرات التي ظن البعض أن جميل بك قد اكتنزها قبل موته ولكن خاب أملهم ودليل ذلك التقرير المرفق!!... في الصفحة أدناه.



















الوثيقة الأصلية لصندوق الحديدي العائد لجميل بك



مقتطفات من مقال
بقلم شاعر العروبة بدوي الجبل

نشرته جريدة الحياة البيروتية ـ الخميس 31 آذار 1960 العدد 4275 السنة الخامسة عشرة.

حيـاة بطـولـة!

بقلم شاعر العروبة بدوي الجبل

رقد مجهداً بعد الكفاح الطويل المرير في ثرى المدينة الخضراء، التي أحبها فوهبها الريق من شبابه والوسيم من طموحه، على قيد خطوات من رفاق جهاده وأمجاده. وإذا منع الموت فوزي الغزي وعادل العظمة ونجيب الريس وإخوانهم من السيوف المغمدة في التراب، المثلمة من الضراب، ان يرحبوا بالصديق العائد من معركة الحياة، فلا أقل من أن ترحب القبور بالقبور والذكريات بالذكريات!
وإذا عزَّ الوفاء عند جيل من الناس لهؤلاء الأبطال الذين يتساقطون واحداً بعد الآخر في زحمة الردى وغمرة النسيان، بعد أن هدّتهم المعركة اللاهبة هدّاً، وألحّت عليهم أربعين عاماً توسمهم ضرّاً ويوسمونها كبراً، وتركت سماتها جراحاً فوق جراح على جباههم وصدروهم، تعودوا أن يعطوا المعركة الجبهات والصدور حيث تتألق البشاشة، ويضطرم الإباء. إذا عزّ الوفاء عند جيل من الناس أو عند الجمهرة من الناس، فلن يعزّ على النسمة اللينة الساجية، تغمر قبورهم بعبير ميسلون وأغنيات بردى وأحلام قاسيون وزغاريد جلاء.
ولن يعزّ الوفاء على الأيك الملتف، يحنو على القبور الظمأى بأفيائه وأندائه على ندة قمر، على أغرودة بلبل.
ولن يعزّ الوفاء على الربيع يباكر هذه القبور المتلهفة إلى الحب، بأنضر رياحين نيسان وفي الطبيعة كرم إذا ضن الناس وأريحية على همود المروءات، وحنان عندما يقسو قلب على قلب، وترشق عيون أخواتها بالنظرة الشزراء.
لقد أغفى جميل مردم إغفاءته الأخيرة في حضن الخميلة الزهراء، في عنفوان الربيع. في جوار النخبة من إخوانه، على أطياف ذكريات كأنها ندام الحوار ورفيف أجنحة الملائكة. أطياف السجون في أرواد، والحسكة، وأحكام الإعدام، المنافي والتشريد...
ومن هذه الذكريات ما يندى بمرح الطفولة، ومن هذه الذكريات ما يلفح بجمرة الشباب، ومن هذه الذكريات ما يغمض عينيه على كهولة تحلف أنها والشباب من جوهر واحد ومن أريحية واحدة، فتتمرد على السقم وتتكبر على الداء، وتحمل أعباء الستين في مرح العشرين، وتداور المرض كما داورت السياسة سنين طوالاً، حتى روضته وتألفته فخلعت عليه طلاقتها، ولم يستطع أن يخلع عليها عبوسه.
ومن هذه الذكريات طيوب باريس في المؤتمر العربي الأول، وبيعة فيصل في دمشق وسنوات عسرٍ ومحنة وسجون وكفاح وأعياد ومآتم. ثم تغمر الذكريات كلها عطور من الجنة من الثورات من الجروح والدماء، من الدموع الأبيّة والكبرياء الحيّة، من فتوحات العرب، من إيمانهم، من حضارتهم، مختصرة كلها بعيد الجلاء موجزة في فرحته، رفافة في رايته، مشرقة مع فجره، مدلّهة بنصره.
نشأ جميل مردم بك والقضية العربية لدات طفولة وشباب، فأصفاها الكريم من ودّه، والمترف من         عهده وبدت طلائع عبقريته في مؤتمر باريس العربي، رائعة في زينتها، أصيلة في سجيتها. وتوسم أصحاب الفراسة من كهول القضية وشيوخها بالشباب الكيِّس         الأنيق الطموح بشائر زعامة، وفواتح رئاسة، وعنوان فتوح، ومقدمات نصر.
ثم تكرّ الأيام تلو الأيام والسنون إثر السنين، فإذا بابن مردم بك يتألق في ظل العرش الهاشمي في دمشق، وينزل في وزارة الخارجية منزلة المستشار الأمين المرموق، ويشار من بعيد ومن قريب في أوساط السياسة الرفيعة إلى الشاب الداهية، لا تحجب نظارتاه بريق ذكائه، ولا تستر كياسته خفي دهائه.
وينتهي عهد فيصل في دمشق كما تلألأ شباب ثم خبا، ويسجن من يسجن ويهاجر في سبيل الله والعرب من يهاجر، ويكتب الله لابن مردم بك أن يكون ممّن نجوا من براثن الأسد، ليستأنف الكفاح في كل الميادين من القاهرة إلى بغداد ومن مكة إلى عمّان. وهو في ألوان الكفاح رابط الجأش محكم الحيلة رحب الصدر واقعي التفكير. ولكنه لا يضن على الواقع بنشوة الخيال وجوانح الإيمان.
ولست هنا أكتب تاريخاً لابن مردم بك، ولكنني أعرض مشاهد قصيرة متتابعة من حياة مخصبة عريضة مشرقة. فمن الكفاح العنيف سنوات طوالاً، إلى إلغاء المعاهدة المعروفة بمعاهدة الشعباني، حين استطاع ابن مردم بك وإخوانه أن يحوّلوا أقليتهم في المجلس النيابي إلى أكثرية ترد المعاهدة.
ويعلم المندوب الفرنسي بذلك وهو في المجلس النيابي والجلسة النيابية معقودة. فيهرع إلى المنبر، ليعلن حلّ المجلس، وليفوت على الوطنيين نصرهم، ولكن ابن مردم بك تقحَّم المنبر تقحُّماً، ونحى عن ذروته المندوب الفرنسي وبادره الجميع بطرح المعاهدة على التصويت، فطرح ورفضت، كل ذلك في دقائق معدودات، خلعت عليها رجولة ابن مردم بك وإخوانه أعمار السنين الطوال... إلى الهدنة سنة 1936، إلى الوفد السوري في باريس، إلى انتزاع معاهدة الاستقلال التي كانت في ملابسات ذلك الزمن نصراً مؤزراً، إلى ترؤسه وزارة المعاهدة، إلى نكث الفرنسيين بوعودهم وعهودهم، إلى الحرب العالمية الثانية وتعطيل الدستور وإلغاء المعاهدة، ثم إلى استئناف الكفاح أواخر عام 1941 الذي انتهى بعد كر وفر وتضحية وفداء وانسجام رائع في المعركة بين الزعماء المؤمنين والشعب المؤمن، إلى انتزاع الاستقلال مرة ثانية، ثمَّ إلى الجلاء: الخاتمة الميمونة للمعركة التي دامت خمسة وعشرين عاماً مع فرنسا.
وفي كل هذه المواقف والمشاهد كان ابن مردم بك إلى جانب إخوانه، ولا أذكر منهم الآن إلا الموتى ـ ومد الله في أعمار الأحياء منهم ـ وفي الطليعة قديس الوطنية وزعيمها الملهم وفارسها المعلم وكوكبها الهادي سعد الله الجابري يقودون المعركة ببطولة وحنكة وتضحية، فإذا احتدمت نيرانها وجنَّ طغيانها تحول القائد منهم جندياً يتلقى بصدره النار، ويحمل كل ما يحمله الجندي من عرق المعركة ودمائها، وجوعها ونهمها وجراحها وأتراحها.
لقد كان ابن مردم بك نسيج وحده في السياسة، واقعياً إلى أبعد حدود الواقع عند الرأي والمشورة، ملتهب الخيال جامح العاطفة عندما يرى التنفيذ.
وكان في أسلوب كفاحه يكر ويفر ويتقدم ويتأخر. ويظهر ويختفي، ويشتد ويلين. ولكنه يأخذ على عدوه في كل هذه الحالات كل الثنايا. فلا يترك له ساعة للهدوء ولا فترة للراحة. بل يشيع القلق في صفوف العدو في كل ناحية وعند كل زاوية، وهو رابط الجأش طلق الأسارير، كلما انتهت واحدة من مكائده في العدو، مد يده إلى جراب دهائه فأخرج من جديده ما يزري بالقديم.
وكان ابن مردم بك في ناحية الدين مؤمناً بلا تعصب. وفي ناحية الحكم رجل دولة بلا تحزب. وكان ذا           دهاء، ولكنه الدهاء الرفيع المثقف. وكان في              حياته السياسية والاجتماعية ولاسيما في المحن القاسية والخطوب العاتية، مرحاً طروباً، حلفت الابتسامة ألا تفارق شفتيه، ذا نكتة حاضرة ودعابة ساخرة وكان يحفظ الكثير من عيون الشعر العربي يتمثل بها في مواقفه الخطابية وفي مجالسه الخاصة.
وكان يصطنع عندما يفاجأ بالأمر سعالاً يستعيده ويكرره، حتى ينفذ إلى ما يريد. وقد عرف ابن مردم بك بهذا السعال حتى كان موضع تندر إخوانه وخصومه على السواء. ويا طالما دوى هذا السعال في مجلس الوزراء أو في مجلس النواب أو في المفاوضات مع الفرنسيين أو في غيرها من مشاكل الدولة وتبعات الحكم، فيتبسم المشاهدون ويعلمون أن ابن مردم بك يعد ـ وهو في سعاله ـ من الجواب ما يكون فصل الخطاب!
وألحت العلة عليه منذ سنوات عشر ـ وكانت الذبحة الصدرية ـ فآثر الراحة بعد حياة كلها حركة دائمة وتوثب دائم، وكلها أعراس لقضية العرب في فترة من أدق فترات تاريخهم، صنعها هو وإخوانه ومَهْرَجَها هو وإخوانه. وسينصفهم فيها التاريخ إذا لم ينصفهم الناس. وسينصفهم الله جلّ جلاله إذا لم ينصفهم التاريخ!
وألحت العلة عليه ثم ألحت، وظل يقري العلة من بشاشته ومن رونق ظرفه، فتغيرت سجية العلة وما تغيرت سجية ابن مردم بك!
وها هو الآن يعود إلى ثرى دمشق كما عاد             قبله إخوانه الذين سبقوه، ويحنو عليه الثرى الرحيم  ويسقيه برد الراحة علا على نهل، وتترنخ نسيمه، ويغرد بلبل، ويفوح عطر...
لعلها تحية من سعد الله الجابري لابن مردم بك!

                                بدوي الجبل





ورد في مجلة المصور المصرية
صفحة من جهاد سورية

جميل مردم بك
بوفاة جميل مردم بك في 28 مارس 1960، طويت صفحة من تاريخ الجهاد السوري، وبقي واحد فقط من الأحرار العرب الأحد عشر الذين تولوا تنظيم مؤتمر باريس في سنة 1913 للمطالبة بنظام اللامركزية للأقاليم العربية التابعة للدولة العثمانية..
كانوا أحد عشر منذ 47 سنة، شنق الترك منهم أربعة مع قافلة الشهداء سنة 1916. ومات منهم خمسة موتاً طبيعياً. وكان جميل مردم بك السادس. وبقي على قيد الحياة واحد هو عوني عبد الهادي أطال الله في عمره.
نجا جميل مردم بك من حبل المشنقة بأعجوبة.
اسم أسرته "مردم بك" لا "مردم" فقط.
كان رُكناً من أركان "الكتلة الوطنية" التي تولت قيادة الشعب السوري في مقاومته السلبية والإيجابية على السواء. فناصب الفرنسيين العداء وناهض انتدابهم فطاردوه وحكموا عليه ثم حاولوا إغراءه ففشلوا.
كان وزيراً للمالية، وللخارجية، ورئيساً للوزارة.
اشترك في مفاوضة الفرنسيين لعقد معاهدة 1936 التي اعترفت فيها فرنسا باستقلال سورية ولكنها تراجعت فرفضت تطبيقها بعد أن أقرها مجلس النواب السوري من ناحيته.
قال لي جميل مردم بك وقتها: "اعتقد أنه لم يبق أمامنا إلا الالتجاء إلى وسائل العنف بعد ان أثبتنا أننا صادقون وأثبت الفرنسيون أنه كاذبون".
وقال لي وقتها بيير فينو وكيل الخارجية الفرنسية الذي فاوض الجانب السوري: "عندكم في سورية وزير في وسعه أن يلقن وزراءنا درساً في الدهاء السياسي واللباقة الدبلوماسية: واسمه جميل مردم بك.
وأخذت سورية استقلالها بعد جهاد مرير سنة 1946، وكان طبيعياً أن يشترك جميل مردم بك في الحكم بعد الاستقلال كما اشترك في العمل لتحقيقه.
كان أول وزير للخارجية في العهد الجديد، فأنشأ الوزارة ونظمها. وكان أول سفير لبلاده المستقلة في القاهرة، فأنشأ فيها أول سفارة سورية ونظمها أيضاً. ثم تولى رئاسة الوزارة وغادر بلاده، بعد الانقلاب العسكري الذي أحدثه حسني الزعيم في سنة 1949 وأقام في مصر.
يوم إعلان الوحدة بين مصر وسورية وقيام الجمهورية العربية المتحدة، قال إن أمنيته الكبرى قد تحققت.
المرض وحده أقعده عن العمل، بعد أن عجز الاضهاد والإرهاب والتنكيل عن النيل من همته وزعزعة إيمانه!
كان واسع الإطلاع، بعيد النظر، لبقاً في حديثه، دائم الابتسام، في غمرة المناقشات السياسية، يطلق الكلمات اللاذعة التي تؤلم دون أن تجرح. له في المقامات الدولية سُمعة لم تتوفر لغير النوابغ من رجال السياسة. في كل أزمة مرت بالقضية العربية في سورية وجد المنفذ الذي يعيد الأمور إلى نصابها: كان حلاّل المشاكل لبلاده، صانع المشاكل لخصوم بلاده.
حَدَثَ مرة خلاف بين السوريين والفرنسيين على منصب رفيع من مناصب الدولة، فأقنعهم جميل مردم بك باختيار شخص معين لذلك المنصب، باعتبار أنه من أصدقائهم الموالين لسياستهم، وهو في الواقع، وفي اعتقاد صاحب الاقتراح، آلة في أيدي الوطنيين. وتولى الرجل المنصب، ولكنه حاول أن يتمرد على الذين كانوا سبباً في فوزه به، فقال له جميل مردم بك: "لا يجب أن يغرب عن بالك أن الذي جعل الحمار يصعد إلى أعلى المئدنة، في وسعه أيضاً أن ينّزله منها!".
واختلف مرة مع نوري السعيد حول مسألة سياسية، فقال له دفاعاً عن رأيه: "هذا رأى صنع في دمشق العربية، لا في باريس الفرنسية ولا... في لندن الإنجليزية!"
وقال للملك عبد الله ـ ملك الأردن ـ في جدل حول مشروع سورية الكبرى: "لن نصل إلى تفاهم معكَ ما دمتَ تقول "دولة هاشمية" بدل أن تقول "دولة عربية!" إنك تعمل لأسرتك ونحن نعمل لشعبنا!"
مات دون السبعين. ولكنه وقف حياته كلها للقضية العربية، فكان واحداً من ذلك "الرعيل الأول" الذي يختفي رجاله الواحد بعد الآخر... صفحة نبرة طويت، بموته.
رحمه الله!

                                حبيب جاماتي



ورد في جريدة الحياة اللبنانية في 10 نيسان 1960 العدد 4284 السنة الخامسة عشرة مقالة تحت عنوان
"مقال الأسبوع" للأستاذ الكبير أكرم زعيتر


جميل مردم: جيل ورعيل

إحساسي حين يُنعى إليّ مجاهد قديم أو سياسي عظيم أنني أودع بعضاً عظيماً من تاريخي القومي، وأنني أطوي صفحة باهرة من أمجادي الوطنية.
وإذا كانت بيننا آصرة ولاء وعاطفة مودة وإخاء وواشجة عقيدة وقرابة جهاد، أحسست أنني أودع بعضاً من نفسي، وكأن نفسي تغادر الدنيا تفاريق.
وأراني حين يقوم النعي بموت هذا السرى الأبيّ، أقيم في ضميري مآتم وتجيء المناحات في وجداني تترى، أتمثل فيها طيوف السابقين الأولين، والأسى النازل يبعث أخاه الدفين...
ومذ قال المذياع أن جميل مردم بك قد مات في القاهرة وأن جثمانه سينقل إلى دمشق، تمثل في خاطري من يموتون بعيداً عن الوطن ثم ينقلون إلى بلادهم بالمروءات...
ويروي الأستاذ أكرم قصة جميل منذ "جمعية العربية الفتاة" حتى وصل إلى قوله:
وكان انقلاب حسني الزعيم وتتالت بعده انقلابات. وآثر جميل مردم بك أن يقيم في مصر، وكان بيته المضياف مثابة ذوي السابقة من الذين يعتمرون القاهرة، وملتقى ذوي المكانة في العلم والأدب، ينعمون فيه بالاحتفال والتكريم، ويأنسون إلى البديهية الحاضرة والنكتة الرفيعة البارعة، والذكريات الغاليات والحنان الأريحي، والرأي الناضج.
على أن تلك المدرسة العقوق الجحود التي كان كل همها أن يتحطم الرعيل الأول، والتي تعتقد أن مجدها لا يبنى إلا على الأنقاض، ولا يتغذى إلا بالأشلاء، حتى أصبح ماضي المرء محسوباً عليه وجهاده سر النقمة منه، هذه المدرسة الحقود النكود لم تعفِ عن الولوغ في أعراض المخلصين، ولعل هذا سر اعتزال جميل بك أخيراً العمل في الحقل السياسي.
ليس التنكر لذوي الفكر والحملة عليهم فقط، فهناك تنكر سلبي يتجلى في إهمال مشورتهم، والصدوف عن الانتفاع بتجاربهم، وفي تجاهل وجودهم، وإيثار كل نكرة ضحل التفكير أو مراء دعيّ عليهم. ففي ذلك هدر للقيم ووأد للمروءات وتشويه للتاريخ وتمثيل بالوفاء ومحاربة للكفاءات...
وخلاصة القول، فقد كان جميل مردم بك جذوة دهاء، ووقدة ذكاء، وكان الحركة التي لا تمل، والنشاط الذي لا يهدأ ولا يمل، وكان الهمة التي تضطلع بالجسيم وتستقل بالعظيم، يستقبل الأحداث بالعزم الأكيد، والعصب الحديد ويرميها بالرأي السديد:
بديهيته وفكرته سواء
إذا ما نابه الخطب سواء

*  *  *
وأحزم ما يكون الدهر رأياً
إذا أعيا المشاور والمشير


أما سعة صدره، والبسطة في صبره، فحدث عنهما حين يوسعه الخصم هجواً وشتماً، وإذا بالعَصيّ الخصيم يغدو ذلك الوليّ الحميم.
فأقسم ما جشمته من ملمة


تؤود كرام القوم إلا تجشما!

ولا قلت: مهلاً، وهو غضبان قد غلا

من الغيظ وسط القوم إلا تبسما!


                                أكرم زعيتر



كما ورد في إحدى الصحف السورية:


جميل مردم بك في ذمة الله
العالم العربي يهتز لهذه الكارثة المؤلمة

فُجع العالم العربي أجمع خلال عطلة عيد الفطر السعيد بوفاة علم من أعلامه وقطب من أقطابه هو المغفور له جميل مردم بك، ذلك الوطني الشجاع الذي كافح وناضل وجاهد مع الرعيل الأول في سبيل طرد المستعمر من سورية آنذاك وتحقيق الجلاء والسيادة والحرية والاستقلال، وقد وافته المنية رحمه الله في القاهرة ونقل إلى مسقط رأسه دمشق على متن طائرة عربية خاصة.
ولم تكد أسلاك البرق تنقل إلى العالم العربي ذلك النبأ المفجع حتى تقاطرت كبار الشخصيات العربية والسياسية من البلاد المجاورة للاشتراك بتشييع جثمان الفقيد الراحل والإعراب عن حزنها العميق وأسفها الشديد على ذلك الرجل الفذ الذي نذر روحه ونفسه للذود عن حياض الوطن وتحقيق عزته وسيادته. كما انهالت على أسرة الفقيد وعلى نجله الدكتور زهير مردم بك ألوف البرقيات معزية مواسية، سائلة الله للفقيد الغالي الرحمة والغفران وواسع الجنان وللوطن جميل الصبر والسلوان.
هذا وقد شيع جثمان الفقيد الراحل بموكب مهيب، سار في مقدمته ممثلون لسيادة الرئيس جمال عبد الناصر، وجلالة الملك سعود، وفخامة رئيس الجمهورية اللبنانية، وممثلون لسيادة عبد الحكيم عامر وسيادة عبد اللطيف البغدادي نائبي رئيس الجمهورية العربية المتحدة، إلى جانب أخيه في الجهاد والنضال فخامة المواطن العربي الأول الرئيس شكري القوتلي وكبار الشخصيات السياسية والعربية من مختلف الطبقات، وقد جلل جثمانه الطاهر بعلم الجمهورية العربية المتحدة ورافق الموكب الوف مؤلفة من الأكاليل وطاقات الورود.
وفي مدفن الأسرة في باب الصغير تبارى المؤبنون في تعداد مناقب ومزايا الفقيد الراحل، وما قدمه لهذا الوطن من التضحيات والخدمات حتى قيض الله له العزة والاستقلال، حيث تكلم في هذا الموضوع كل من الأساتذة كامل البني وفخري البارودي وسعيد التلاوي.
رحمك الله يا أبا الجهاد والوطنية رحمة واسعة، وأجزل لك الثواب بقدر ما قدمته لهذا الوطن من التضحيات الجسام، وألهم نجلك وأسرتك جميعاً جميل الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.


هذا وقد تقدمت أسرة الفقيد بكلمة الشكر التالية:

زهير مردم بك، وآل مردم بك، يتوجهون بالشكر الجزيل والامتنان الوفير لسيادة الرئيس جمال عبد الناصر، وجلالة الملك سعود، وفخامة الرئيس فؤاد شهاب، وفخامة المواطن العربي الأول الرئيس شكري القوتلي، ونائبي رئيس الجمهورية سيادة المشير عبد الحكيم عامر، وسيادة عبد اللطيف البغدادي، وأصحاب السمو الحكام والأمراء ورؤساء الحكومات في البلاد العربية الشقيقة، والسادة الوزراء المركزيين والتنفيذيين في الإقليميين، وسيادة قائدة الجيش الأول والرجالات الرسمية في الجمهورية العربية المتحدة والبلاد العربية الشقيقة، على تعازيهم الرقيقة بمصابنا الأليم بوفاة الفقيد الغالي المغفور له جميل مردم بك، كما يشكرون جميع الشخصيات والهيئات والجماعات والأفراد ورجال الصحافة في الجمهورية العربية المتحدة والبلاد العربية سواء الذين اشتركوا في التشييع أو أرسلوا برقيات تعزية حفظهم الله جميعاً من النوائب وأحسن جزاءهم على كريم مواساتهم.



ورد في جريدة الأيام السورية تاريخ 31/03/1960 على الصفحة الخامسة بقلم الأستاذ الكبير رشيد الملوحي هذه المقالة، وقد أحببت أن أذكرها هنا لشمولها على تفاصيل قد يرغب محبيّ جميل بك قراءتها:


الرجل الذي دخل الخلود من أوسع أبوابه
هز ّالمصابُ فيه، دمشق والوطن العربي كله

كانت الأنباء تتوالى بأن دولة الرئيس الكبير جميل مردم بك يرزح تحت وطأة الداء، فتمتلئ النفوس أسى، وترع القلوب باللوعة، فلقد اعتاد على هذه الأزمات التي تتحيف القلب الكبير بين آونة وأخرى فيتغلب عليها بصبره وإرادته، وبالنظام الصحي الدقيق الذي اختطه لنفسه، وإلى أن لا يحيد عنه قيد شعرة..
أزمة غلاّبة:
وفي هذه المرة جاءت الأزمة قوية غلاّبة... وا لهفتاه.. وكان الصراع عنيفاً، وتمت إرادة الله العليّ القدير الذي لابقاء لغير وجهه الكريم، وانتشر في العالم العربي هذا النبأ الصادع الذي ارتجت له أرجاء الوطن العربي كلها. مدوياً فالتاعت الأفئدة، وتفجرت القلوب، واهتزت المشاعر، أمام هذا الخطب الفاجع، والرزء الصادع.
الرجل الخالد:
لقد خسر الإقليم الشمالي، وخسرت الجمهورية العربية المتحدة، وخسر العرب قاطبة، رجلاً ولا كالرجال، قاد خطوات بلاده، وجماهير شعبه، إلى قتال الاستعمار وكفاح جنوده فما هُزم في معركة، ولا كلّ ولا تراجع بل ظلّ البطل الجريء، والمنافح الصادق، والمجاهد المؤمن في ميادين الحرب والكفاح والسياسة، حتى ارتفع علم الظفر، وتم الاستقلال التام الناجز، وتم الجلاء.
إن الرجل الضخم الذي انطوى أمس، والذي ضمته دمشق إلى قلبها، وضمت عليه جناحيها، لم ينطو، ولم يمت.. ولكنه دخل الخلود من أوسع أبوابه. وسيبقى بارزاً في تاريخ هذا الوطن، ما بقى هذا الوطن رفيع الذرى، وما بقيت لهذا الوطن رسالة قومية تسترخص النفوس في سبيل أدائها، وتبذل الأرواح تحقيقاً لأهدافها.
وسيبقى اسم جميل مردم بك منقوشاً على صفحات القلوب مسطراً في أعماق النفوس، كما سيظل خالداً على صحائف التاريخ المنشورة وفي أيامه المذكورة.
إلى دمشق
توفي إلى رحمه الله في منزله في القاهرة ـ غاردن سيتي ـ ونقل جثمانه في طائرة خاصة ضمت السيدة حرمه المصون، ونجله السيد زهير، وبعض خُلَّص الأصدقاء، وكان في ميناء دمشق الجوي في المزة جمهور كبير من عيون دمشق وأخوان رجالات الصيحة الأولى وعلى رأسهم فخامة المواطن العربي الأول وآل مردم بك والسيد عبد الحميد السراج وزير الداخلية والفريق جمال فيصل، فلما أطلت أم زهير من الطائرة وخلفها نجلها زهير ساد الجميع الحزن والأسى، وفاضت العبرات سخينة من المآقي وكانت درتان تبتدران من عين فخامة المواطن العربي الأول تلتهما عبرات.. ولم يُر يوم أكثر باكياً من يوم أبي زهير.
وإذا كان هذا ما تستهل به العيون.. فإن ما في الصدور من نار الأسى لأشد ضراماً وأكثر لهباً.
تشييع الجثمان
ونقل الجثمان إلى منزل نجله السيد زهير مردم بك بانتظار موعد تشييعه إلى مثواه الأخير وأخذت وفود الوزراء ورجال الدولة، وكبار القادة ورجال السلك السياسي، وجماهير الأهلين تَؤُم المنزل للتعزية بالرجل الذي عزّ فيه العزاء، والعظيم الذي جلّ فيه المصاب. ووصلت من بيروت وحلب وحماه وحمص واللاذقية ودير الزور والجزيرة ومختلف المدن السورية وفود كبرى للاشتراك في تشييع الجثمان.
وفي الساعة الثالثة بعد ظهر أول أمس ـ الثلاثاء ـ وصل فخامة المواطن العربي الأول الرئيس شكري القوتلي ورفع جثمان جميل مردم بك ملفوفاً بعلم الجمهورية العربية المتحدة على الأكف من منزله إلى جامع الروضة في حي أبي رمانة وسار المواطن العربي الأول في مقدمة المشيعين وإلى جانبه صاحبا الدولة صائب سلام وعبد الله اليافي ورشدي الكيخية والحاج محمد العايش، وإلى الجانب الآخر زهير مردم بك وآل مردم بك والوزراء ورجالات الدولة ووفود المحافظات والبلدان المجاورة ورجال الرعيل الأول من إخوان الفقيد الغالي، وغيرهم كثيرون. وبعد الصلاة على الجثمان الطاهر، وضع في السيارة المغطاة، مع عدد من السيارات، بأكاليل الزهور، ومضى الموكب الضخم إلى مدفن آل مردم بك الخاص في الباب الصغير.
مراثي الخطباء:
وبعد الدفن وقف السيد كامل البني فألقى كلمة عن الفقيد الكبير وقدم دولة صائب سلام الذي ألقى كلمة تفيض بالحزن والأسى، فعدد مناقب جميل مردم بك، وجهاده، ومشاركته الكبرى في تحقيق استقلال لبنان الشقيق والخدمات التي أدّاها لبلاده وللعرب جميعاً.
وحمل تحيات لبنان العربي، لبنان الوفي، لبنان المجاهد إلى المجاهد المسجّى في مرقده الأخير.
وكانت كلمة رائعة، وخطبة بليغة، خطبة شيخ الوطنيين السيد فخري البارودي، فقد وقف يرثي زميل الجهاد، وأخ الكفاح فغلبه الدمع فبكى.. والبكاء كان شعار يومك يا أبا زهير.
كلمة الأستاذ التلاوي وكانت الكلمة الأخيرة كلمة الصحفي المعروف والأديب الكبير الأستاذ سعيد التلاوي التي قال فيها:
سبحان من كتب الموت على عباده، وتفرد بالوحدانية لذاته الصمدانية، سبحانه وتعالى لا إله إلا هو الحيّ القيوم، إن سبيل الموت سبيل كل مخلوق من بدء الخليقة حتى نهاية الخليقة، وكل من على هذه الأرض الفانية فان وكل نفس ذائقة الموت، وكل حي هالك إلا وجه الله العزيز الحكيم.
ألا إن رزءنا اليوم وخَطْبَنا جسيم بفقد هذا الرجل العظيم، وإن مصابنا جليل وصبرنا قليل لفراق هذا السيد النبيل، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
عزيز علينا أن نواري في هذا الثرى فقيدنا الغالي جميل مردم بك، عزيز علينا والله أن يضمك التراب بدلاً من القلوب يا أبا زهير، عزيز علينا أن تثوى اليوم في شق من الأرض كتلة من لحم وقد كنت حتى أمس القريب ملء الإسماع والأبصار والأفئدة، عزيز علينا أن يموت رجل السياسة والكياسة، رجل الذكاء والدهاء، رجل الجهاد والجلاء، رجل الإباء والمضاء، رجل المفاخر والمآثر والمنابر، رجل الإخلاص والتضحية والصبر، عزيز علينا أن يموت رجل الجلاء ورجل الاستقلال، ورجل الوحدة، عزيز علينا والله أيها الناس أن ندفن في هذا القبر رجلاً كان تاريخ هذا البلد العزيز، وتاريخ البلاد العربية العزيزة، عمل لاستقلال وطنه ووحدة وطنه ووحدة أمته جيلاً كاملاً حتى استقل وطنه وتوحدت أمته، فقرتْ عينه، وطابتْ نفسه، ورجعتْ آمنة مطمئنة إلى ربها راضية مرضية تدخل في عباد الله وتدخل جنة الله وتحل مع الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقاً.
أي والله عزيز علينا أن يموت هذا البطل والقائد والزعيم قاهر الترك والفرنسيين والإنكليز، وعدو الاستعمار الجبار وعدو اليهود اللدود، وأي حيلة لنا ولكل مخلوق كتاب معلوم ولكل أمة أجل محتوم فإذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون.
يا أبا زهير نم آمناً مطمئناً في جوار الخلود فإن الدولة التي استلمتموها صغيرة مستعمرة قد استقلت ونمت وترعرعت، وأصبحت دولة قوية بفضل الله عزّ وجلّ، وتمت الوحدة العربية بقيادة الرئيس العظيم البطل جمال عبد الناصر، وصار لها جيش كبير أعدته للأمر الخطير وهو تطهير الأرض المقدسة، وتحرير الأقطار العربية الغالية وحُمِّل الفقيد تحيات الأمة للشهداء الأبرار وختم خطابه بقوله:
يا سيدي أبا زهير! أيها الراحل العزيز!
أعظم الله تعالى لقاءك وأكرم مثواك، وأجزل ثوابك وأجمل حسابك وأعلى مكانك في عليين وجاورت جدثك الطاهر رحمة الله، ونور روحك الطاهرة نور الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وأخذ المعزون يتقدمون من السيد زهير مردم بك وآل مردم بك معربين عن شعورهم في هذا الرزء            الذي عم البلاد ولم يكن خاصاً بهم، وكلهم كانه ينشد           قول الشاعر:
لقد كنت أخشى عادى الموت قبله

فأصبحت أخشى أن تطول حياتي

وفي المساء عادت الجماهير تنثال إلى منزل السيد زهير مردم بك لتقدم تعازيها إلى الشاب الذي نشأ في قلب الجهاد وتفتحت عيناه على معارك البطولة والمجد وظل تدفق جماهير المعزين من عيون دمشق ورجالاتها ومن رجالات الوفود التي أمت دمشق للتعزية من أنحاء الإقليم السوري ومن لبنان حتى ساعة متأخرة من الليل وقد تحدث فخامة المواطن العربي الأول الرئيس شكري القوتلي حديثاً مستفيضاً عن الفقيد العظيم وجهاده.
مأدبة القوتلي:
وظُهر أمس أقام فخامة المواطن العربي الأول السيد شكري القوتلي مأدبة غداء كبرى في قصره للسيد زهير مردم بك نجل فقيد العروبة الغالي، وآل مردم بك، ولرجالات الوفود التي أَمّت دمشق للمشاركة في تشييع الجثمان الطاهر إلى مرقده الأخير في قلب دمشق، ولاسيما وفود لبنان وحلب واللاذقية وحماه وحمص ودير الزور والجزيرة، وفي مقدمتهم أصحاب الدولة السادة: صائب سلام وعبد الله اليافي ورشدي الكيخية والسيد أحمد الداعوق والحاج محمد العائش، ونجيب وصبحي العظم، والدكتور نجيب الأرمنازي ورزق الله الأنطاكي ووجيه الحلاج والسادة أسعد هرون وشقيقه علي هرون ومالك إلياس وعبد القادر شريتح والسيد رباح القرية وغيرهم كثيرون ممن فاتتنا أسماؤهم فعذرا.
وقد دارت بعد الغداء أحاديث قومية عديدة وفي الساعة الثالثة ودع فخامته أضيافه بمثل ما استقبلهم به من الحفاوة والترحيب.
وفد حمص
وقد وصل مساء أمس من حمص وفد كبير للتعزية في مقدمته السادة عبد الله فركوح نائب حمص سابقاً، والحاج عبد السلام عبارة، والأستاذ حسن مراد المحامي، والأستاذ قاسم الأتاسي المحامي ورئيس البلدية السابق، والأستاذ ممدوح الدروبي والأستاذ عبد الحكيم الملوحي، وعبد الهادي الزهراوي، وفوزي الدالاتي وغيرهم، وقد زاروا المنزل وقدموا تعازيهم وتعازي مدينة ابن الوليد التي أمضّها هذا المصاب الفاجع.
وظلت جماهير الرسميين وغير الرسميين دافقة حتى ساعة متأخرة من الليل، كما وإن الوفود من غوطة دمشق والمدن المجاورة والمحافظات السورية وصلت وهي تحمل عواطف الشعب ومشاعره المخلصة في هذا المصاب الذي هز نياط القلوب، وقدموا تعازيهم إلى السيد زهير، وإلى آل مردم بك، هذه التعازي التي كان يمليها إحساس مخلص وعواطف جياشة، وحب أكيد للرجل الذي وهب حياته لوطنه ولعروبته، ولمجد بلاده.
قال فيه أحد الشعراء:
تعرف في عينيه حقائقه

كأنه بالذكاء يكتحل

أشفق عند انعقاد فكرته

عليه منها، أخاف يشتعل















دولة جميل بك في أيامه الأخيرة














شخصيات في حياة جميل مردم بك

هذا مختصر وتعريف بالأشخاص الذين مرّ ذكرهم في هذا الكتاب رغبت بتدوينها منفصلة لمزيد من الشرح عنها، بدلاً من وضعها في حواشي الصفحات بشكل موجز ومقتضب. وإني وإن كنت قد استثنيت البعض فذلك لضيق المجال في التوسع في ذكر بعض الأسماء سواء في التعداد داخل نص الكتاب أو في شرحها في هذا الفصل فعذراً لمن لم يرد ذكرهم.
وقد تم ذكر الشخصيات في هذا الفصل بحسب الترتيب الأبجدي.



1 ـ إبراهيم الخليل مردم بك.
2 ـ إبراهيم هنانو.
3 ـ د. أحمد قدري الترجمان.
4 ـ أحمد مريود.
5 ـ أديب مردم بك.
6 ـ توفيق الناطور.
7 ـ حسني الزعيم.
8 ـ خالد العظم.
9 ـ سامي مردم بك.
10 ـ سعد الله الجابري.
11 ـ سلمى مردم بك.
12 ـ شكري القوتلي.
13 ـ صفوت مردم بك.
14 ـ عثمان عبد القادر مردم بك.
15 ـ عبد القادر مردم بك.
16 ـ عثمان صائب سلام.
17 ـ عبد الرحمن الشهبندر.
18 ـ علي حيدر مردم بك.
19 ـ عطا الأيوبي الأنصاري.
20 ـ علي رضا الركابي.
21 ـ عوني عبد الهادي.
22 ـ فارس الخوري.
23 ـ فخري البارودي.
24 ـ فوزي القاوقجي.
25 ـ لطفي الحفار.
26 ـ محمد رضا مردم بك.
27 ـ محمد بن عبد القادر مردم بك.
28 ـ محمد سهيل العشي.
29 ـ محمد سعيد الغزي.
30 ـ محب الدين الخطيب.
31 ـ محمد فريد كرد علي.
32 ـ د. مدحت بن رفعت شيخ الأرض.
33 ـ د. نجيب الأرمنازي.
34 ـ هاشم الأتاسي.


إبراهيم الخليل بن أحمد مختار مردم بك

ولد عام 1895 م         وتوفي عام 1959 م




والدته فاطمة خانم بنت مفتي الشام محمود بك الحمزاوي.
والده أحمد مختار بن عزتلو عثمان بك مردم بك.
أولاده الذكور: عدنان شاعر الشام، وهيثم الشاعر الشاب الذي توفي في العشرين من عمره.
أولاده الإناث: لميس ـ فاطمة ـ أميمة (مامه).
تلقى علومه في مدارس دمشق ثم جامعة لندن، شغل عدة مناصب في الحكومة منذ عام 1918، وتنقل من مميز ديوان الرسائل العام إلى وزير للخارجية، ثم انتخب رئيساً للمجمع العلمي العربي عام 1953 حتى وفاته في 21/06/1959 .
شارك في إنشاء بعض المجلات (كالرابطة الأدبية) التي صدرت عام 1921 كذلك مجلة (الثقافة) الدمشقية التي صدر العدد الأول منها بدمشق عام 1933.
انتخب عضواً في عدد من المجامع العلمية منها: مجمع فؤاد الأول في القاهرة والمجمع العلمي العراقي وانتخب عضواً في لجنة تحرير دائرة المعارف الإسلامية عام 1951.
ويطول الحديث عن هذا الرجل العظيم الذي تقف سورية كل يوم لتحيي علمها بنشيدها الذي كتبه شاعر الشام خليل بك أو إبراهيم الخليل. وفي هذه العجالة سأكتفي بعلاقة الشاعر الخليل بدولة الجميل: فهما ابني عم وصديقين منذ الطفولة، ومن يراهما يحسبهما شقيقين، وقد بقيا كذلك حتى وفاة الخليل عام 1959 قبل عام من جميل بك، الذي حزن كثيراً على  وفاة صديق العمر.
ولعل الرسائل التي لم تنقطع بينهما والتي أحتفظُ ببعضٍ منها تدل على الحميمية التي كانت بينهما. رحم الله الجميل والخليل وجمعها في أعلى عليين إنه سميع مجيب.



الزعيــــم الوطنــــي إبراهيــــم هنانـــو

ولد عام 1869 م         وتوفي عام 1935 م





منذ دخول القوات الفرنسية سورية والزعيم هنانو شاهراً سيفه في وجه الفرنسيين في كفر تخاريم وفي مناطق جبل الزاوية وجسر الشغور وأريحه وكان أسلوبه في القتال الكر والفر، وقد انتصر في العديد من المعارك. كان بين هنانو والشيخ صالح العلي إعجاب وتعاون بين الساحل وجباله.
في إحدى مراحل الثورة اضطر هنانو للجوء إلى فلسطين والأردن حيث كانتا تحت الاحتلال البريطاني، فتم تسليمه إلى الفرنسيين في صفقة استعمارية غادرة وجرت محاكمته، غير أنه تم الإفراج عنه لوطنيته ودفاعه عن بلاده بوجه المستعمر.
توفي في كفر تخاريم عام 1935 في الثاني عشر من تشرين الثاني، وعمّت لوفاته سورية بالحزن واتشحت بالسواد.
أقيم له نصب تذكاري وضريح في مدخل مدينة حلب، وقد دفن في هذا المكان الزعيم الوطني الذي أحبه الجميع سعد الله بك الجابري، فكل من دخل حلب يمر بهما محيياً روحيهما الطاهرتين تحية حب وإجلال.



الدكتــــور أحــــمد قـــدري التـــــرجمـــان

ولد عام 1889 م         وتوفي عام 1958 م




طبيب ولد في مدينة بعلبك 1889 وكان أبوه قد تقلد مناصب رفيعة في الجيش العثماني واسمه عبد القادر. شارك الدكتور أحمد بالثورة العربية الكبرى، والحركة الوطنية مع رجال الثورة، وفي مقدمتهم شكري القوتلي، وجميل مردم بك، والأبطال الذين أعدمهم جمال باشا السفاح، كذلك شارك بالدعوة السرية، وعمل على تأسيس "جمعية العربية الفتاة" وتولى رئاستها عام 1908، نفي وسجن وطورد وحكم عليه بالإعدام، أنقذ حياة شكري القوتلي عندما حاول الانتحار وهو في سجن الأتراك.
هاجر إلى مصر عند دخول الفرنسيين سورية، وأقام في الإسكندرية وفتح فيها عيادة طبية، بعد تولية الملك فيصل الأول عرش العراق استدعاه وجعله طبيبه الخاص، وعينه رئيساً لجامعة بغداد، ومدرساً في كلية الطب، وظل في عمله عشرين سنة. أُبعد بعدها عن العراق عندما قامت ثورة رشيد علي الكيلاني. عُين قبل إبعاده قنصلاً للعراق في مصر ووزيراً مفوضاً للعراق في فرنسا عام 1935.
عاد إلى دمشق مع زوجته السيدة فائزة خانم بنت أحمد مختار ابن عزتلو عثمان بك مردم بك وشقيقة إبراهيم الخليل شاعر الشام وابنة عم جميل مردم بك وكان قد تزوجها عام 1919.
وعاد معه ولداه زهير ووائل كان ذلك عام 1941 حيث تقلد منصب الأمانة العامة لوزارة الصحة السورية منذ عام 1941، كما درّس تاريخ الطب في كلية الطب بجامعة دمشق حتى عام 1958 حين توفي. له العديد من المؤلفات الطبية الجامعية في الأمراض الجلدية والتناسلية. كان صديقاً حميماً لجميل بك وزميل كفاح منذ أوائل القرن العشرين. انضم إلى هذه الحميمية عوني عبد الهادي وتوفيق الناطور، وعبد الغني العريسي، والأمير فيصل بن الحسين وغيرهم...



أحـــــمد بــــن مـــــــوســى مــــــريــــــود

ولد عام 1886 م      واستشهد عام 1926 م




ولد في قرية جباتا الخشب واستشهد فيها، ينتمي إلى عرب المهيدات المنتشرة في الأردن وسورية ولبنان والجزيرة العربية، من زعماء ثورة الجولان وجنوب لبنان وشرق الأردن. كان يتحلى بذكاء متقّد وشخصية قوية كانت تبشر منذ صِغَره بالقدرة على قيادة العشيرة.
حفظ القرآن وتعلم القراءة والكتابة، ورث ثروة طائلة أنفقها في سبيل خدمة الحرية ومحاربة الاستعمار.
درس الابتدائي في مدارس القنيطرة، وأتم مرحلة التعليم الإعدادي في دمشق، ثم أتم دراسته الثانوية في مكتب عنبر في دمشق وتخرج منها.
وأثناء دراسته في دمشق ثم بيروت اتصل بعدد من الشبان العرب النابهين، وانضم إلى جمعية العربية الفتاة. وكان من أصدقائه المقربين عثمان مردم بك.
ترأس تحرير جريدة (الجولان) الأسبوعية التي تصدر في القنيطرة والتي كانت مرآة لسان حال الحركة الوطنية، وقد توقفت عن الصدور نتيجة الظروف القاسية التي مر بها مريود. كانت له اتصالات دائمة بالزعامات الوطنية وعلى رأسها الأمير فيصل الذي أصبح ملكاً على سورية، وبعد دخول المستعمر الفرنسي إلى سورية قام أحمد مريود بتزعم ثورته في الجولان، فاستمر في مقارعة المستعمر طوال فترة (1920 ـ 1926). وقد امتلك مريود كل مقومات القائد والمقاوم، فكان دائماً السبّاق إلى مقارعة القوات الفرنسية في الجولان.
ويطول الحديث عن هذا الرجل العظيم الذي أفنى شبابه بإخلاص في سبيل وطنه وأمته سواء بالنضال السياسي أو بالنضال الثوري المسلح. وقد حكم عليه بالإعدام ولكنه نجى بأعجوبة، خاض كثيراً من المعارك ضد فرنسا يطول الحديث عنها وقد ذكرها محمود عبيدات في كتابه (أحمد مريود قائد ثورة الجولان وجنوب لبنان وشرق الأردن).
واستشهد أحمد ودفن في قريته جباتا الخشب، وقد قال فيه شاعر فلسطين الكبير عبد الكريم الكرمي أبو سلمى:
سليمى تعالي اندبي أحمدا

فهاقد طوته أيادي الردى


أيجرؤ هذا المنون المخيف
على أحمد أن يمد يدا

قضيت تدافع عن جُلَّقَ
وأنت تريد لها السؤددا

وكان يوم 31/ أيار /1926 يوم الشهادة في الجولان حيث رفعت الأعلام السوداء في كل بيت.
وقد كانت لي زيارة مع عدد من الأصحاب إلى داره في جباتا الخشب وكانت فرصة جميلة شعرت فيها بروح هذا الرجل البطل ترفرف في المكان قريباً من التمثال الذي يمثله بالقرب من داره، وكان لقائي مع السيد عصام مريود وهو الابن البار لهذا الرجل العظيم الذي بقي من أبنائه على قيد الحياة وذلك عام 2006.



أديـــــب بــــن عبــــد القــــادر مـــردم بـــك

ولد عام 1891 م         وتوفي عام 1975 م




والدته السيدة خديجة تحسين بك.
والده عزتلو رفعتلو عبد القادر بك
وهو الشقيق الأكبر لجميل بك بعد عثمان بك. وجيه، ملاّك.
تزوج من السيدة إلهام خانم الشمعة ابنة الشهيد رشدي بك الشمعة بن أحمد باشا الشمعة الذي أعدمه جمال باشا السفاح عام 1916 في دمشق.
أنجب منها: خالد ـ أسامة ـ هيام
كان من مؤسسي جمعية النهضة العربية. له في بداية حياته نشاط سياسي بارز غير أنه اختار الحياة الزراعية والعمل في مزرعته في الغوطة الغربية.



تــــوفيـــــق بـــــك الناطـــــور

ولد في الربع الأخير من القرن التاسع عشر   وتوفي عام 1954 م




كان عضواً في جمعية العربية الفتاة عن لبنان وفي عام 1916 أصيب بطلق ناري في ساقه أثر محاولته التحدث إلى أحد المعتقلين وأدخل إلى المستشفى العسكري. وفي عام 1920، تقلد منصباً قضائياً في الحكومة اللبنانية بعد أن عاد إلى بيروت. وهذا لم يمنعه من مواصلة الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي. وفي عام 1924 تزوج من السيدة ليلى الخرسا ابنة مصطفى باشا الذي كان يعمل ملحقاً تجارياً في مانشستر بريطانيا والسيدة ليلى كانت زوجة المرحوم عثمان مردم بك الشقيق الأكبر لجميل مردم بك والتي عاشت معه ثلاث سنوات تقريباً ثم توفي عنها. والسيدة ليلى هي جدة المؤلف لأمه.
أنجب منها: عصام ـ إسعاف.
ولي ذكريات مع هذا الرجل الفاضل والمجاهد الكبير، فقد كنت أذهب في كل عام إلى بيروت لأقضي الصيفية عند جدتي وزوجها الذي كنت أناديه جدي. وفي إحدى المرات وكان مشتاقاً كثيراً لرؤيتي وهو جالس في فراشه، فطلب مني أن أستلقي بجانبه وشعرت أن ساقي قد أصابت ساقه بعنف، وأحسست به يتألم، فسألته عن سبب ذلك فحدثني عن الإصابة بالطلق الناري في ساقه، ولما رأيت مكان الندبة التي كانت تشوه عضلة ساقه فزعت لعمق وشكل هذه الندبة.
كان جدي توفيق بك رجل قانون، أحب سلك القضاء، الذي كان ينتمي إليه وأخلص له، كان متواضعاً لبقاً حنوناً، أصيب في أواخر حياته بمرض السكري لم يمهله كثيراً.
توفي في بيروت عام 1954 رحمه الله تعالى.


المشــــير حســــني الزعيـــم بـــن حســــن                                               ابن زعيم البهديني الكردي

ولد عام 1897 م      أعدم في 14 آب 1949 م






ولد حسني الزعيم في مدينة حلب، وهو من أصل كردي، من عشيرة البهديني الكبيرة المنتشرة في سورية وتركيا والعراق ولبنان زعيمها سليمان آغا حاج سعدون.
تعلم في المدرسة الحربية في اسطنبول، وخدم في الجيش التركي ثم الفرنسي أيام الاحتلال الفرنسي لسورية، تولى رئاسة الأركان. قام بانقلاب على الحكم السوري في 30 آذار 1949 وتولى زمام الأمور وبدأ يستعد ليصبح رئيساً للجمهورية بعد أسبوع من قيامه بالانقلاب، وبدأ يعمل على بناء قصر له يليق بمقامه الرفيع والجديد!!..
كان حسني الزعيم رجلاً يحب المغامرات واللعب بالنار ليلفت الأنظار إليه وأن يثير الضجة حوله. سليط اللسان خبيث الطوية حقوداً. ومما يؤسف له أن كل هذه الصفات لم يكتشفها رئيس البلاد شكري بك القوتلي ويبقيه بعيداً عن الجيش السوري. ولم يقبل نصيحة أحد خاصة رئيس وزارته جميل مردم بك الذي كانت له مواقف عديدة مع هذا العسكري الذي لم يكن يرى أمامه سوى التسلط على البلاد ظاناً نفسه نابليون العصر.
وكانت هذه الهفوة من شكري بك بل غلطة العمر، أدت إلى وقوع ما وقع من أمور مضحكة مبكية وإساءات أصابت رجال الحكم من القمة إلى أدنى رجل سواء بالسجن أو النفي أو التحقير أو الشتم أو الإهانة...
إلى جانب الإساءة إلى سورية وإلحاق الذل بها، توقيعه على اتفاق التابلاين غداة انقلابه، ذلك الاتفاق الذي رفضه القوتلي ومردم بك وغيرهما من رجال السياسة الأشراف في سورية. وتمت المؤامرة وتم تنفيذ اتفاق التابلاين وغيره من الاتفاقات التي كانت تخفي وراءها مؤامرة كبرى لا زالت أصداؤها إلى اليوم، وفُتح باب لم يعد يغلق ومدّ الأخطبوط الأمريكي أذرعه إلى البلاد العربية منذ تلك الخطوة التي خطاها حسني الزعيم. غير أن أحلام العصافير لم تتناسب وأجسام كجسم حسني الزعيم الذي سمى نفسه مشيراً (وهو أول مشير في العالم العربي) لجيش سورية الصغير العدد، علماً بأن رتبة مشير هي لقائد عدة جيوش كبيرة.
ألف حسني الزعيم وزارة برئاسة محسن البرازي وهو من عشيرة كردية كذلك. كان أميناً عاماً للقصر الجمهوري وهو من مواليد حماة 1904، وقد أطاح سامي الحناوي بحسني ومحسن وأعدم الاثنين وأراح منهما البلاد والعباد.
ففي فجر 14 آب 1949 نفذ الزعيم سامي الحناوي إنقلابه حين قامت إحدى الفصائل العسكرية التابعة له باعتقال الزعيم ورئيس وزرائه البرازي ورئيس الشرطة إبراهيم الحسيني، بينما قامت فصائل أخرى بالسيطرة على مراكز الدرك والشرطة... وفي اليوم نفسه شكل الحناوي المجلس الحربي الأعلى الذي حكم على الزعيم والبرازي بالإعدام ونفذ هذا الحكم فوراً.
ويكفي حسني الزعيم ذلاً أنه ألغى الأوقاف الذرية التي شرعها الله في دينه فأساء إلى الناس جميعاً واستحق لعنتهم إلى يوم الدين!!...



دولــــة خـــالد بــك العظــم بن فوزي باشا

ولد عام 1903 م         وتوفي عام 1965 م





















تزوج من السيدة سنية خانم مردم بك بنت راشد باشا ابن عزتلو عثمان بك مردم بك. وهي ابنة عم جميل مردم بك. أنجب منها ابنة واحدة هي عليّة خانم العظم.
مارس خالد العظم الأعمال الصناعية والاقتصادية وكان من مؤسسي شركة الإسمنت الوطنية والمساهمين فيها، كما شغل مدة من الزمن رئاسة غرفة الصناعة السورية ومستشاراً لدى المجلس البلدي من عام 1938 حتى عام 1940. لم يكن له نشاط سياسي مهم إلا حين دعي عام 1941. لترؤس الحكومة السورية ومنح صلاحيات رئيس دولة فشغل هذا المنصب من 3/4/ إلى 15/9/1941 وفي عام 1943 انتخب نائباً عن دمشق وتقلد وزارة المالية.
تقلد بعدها عدة وزارات إلى عام 1946. وفي عام 1947 عيّن وزيراً مفوضاً في باريز.
في عام 1949 شكل الوزارة في عهد شكري القوتلي. وفي 30 آذار من العام ذاته قام حسني الزعيم بانقلابه وزج بهما في السجن.
بعد إطلاق سراحه استلم وزارة المالية وقام بفرض القطعية الجمركية بين سورية ولبنان. وفي عام 1954 انتخب نائباً عن دمشق، وفي عام 1955 اشترك بحكومة صبري العسلي وزيراً للخارجية، وفي العام ذاته رشحّ نفسه لانتخابات رئاسة الجمهورية منافساً لشكري القوتلي فلم يفلح.
وتعتبر حكومة خالد العظم الأخيرة في عهد الانفصال الذي عادت فيه سورية إلى ما كانت عليه قبل الوحدة مع مصر.
واستمرت هذه الوزارة من 17 أيلول 1962 ولغاية 8 آذار 1963 ودامت هذه الحكومة خمسة أشهر وعشرين يوماً. غادر خالد بك دمشق عن طريق السفارة التركية التي تشغل الطابق الأسفل من داره الكائنة في ساحة الروضة في دمشق بعد توسط السفير التركي، وأمضى بقية حياته في بيروت في شقة سكينة في عين الرمانة. توفي في تاريخ 1965. ودفن في مقبرة الإمام الأوزاعي وقد زرت قبره منذ سنوات وهو قبر مهجور تتراكم حوله الأعشاب الجافة ولا عناية لأحد به!!...
رحم الله خالد العظم وتجاوز عنه.




رمضــــــــان الشـــــــــلاش

ولد عام 1882 م         وتوفي عام 1961 م





أنجب: فكرية وأميرة ومحمد أمير وعبد الكريم وفيصل وغازي وطارق.
والده الشيخ شلاش العبد الله السليمان رئيس عشيرة البو سرايا الشمرية العربية الأصيلة. يصل رمضان بنسبه إلى الشاعر الشريف الرضي الذي يمتد نسبه إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما.
تزوج مرتين من سيدتين حلبيتين. وثالثة من أصل شركسي من الشيشان.
كان في طفولته يرعى الإبل والأغنام في البادية السورية انتقل إلى حياة المدينة في الأستانة مع أخيه أحمد في عام 1892 م. أتم دراسته في إستنبول بمدرسة العشائر ثم التحق بالمدرسة الحربية الشاهانية حيث بقي فيها مدة ثماني سنوات. وبعد التخرج من المدرسة الحربية في عام 1905 برتبة ملازم، عيّن رئيساً ومرافقاً فخرياً للسلطان عبد الحميد. أرسل إلى ليبيا حيث عيّن حاكماً عسكرياً على بنغازي من قِبَل الأتراك. وقع في الأسر بيد الطليان ولكنه استطاع الفرار عندما هاجمت إيطاليا ليبيا. عاد إلى دمشق حيث تسلم قيادة السرية الخامسة في لواء الخيالة في كركوك. في عام 1914 تم إرساله إلى الموصل وأنيطت به معيشة قوات الفيلق الثاني عشر. ثم عين قائداً لموقع ماردين. تنقل بين القنيطرة وبين جنين، ثم إلى قضاء السلط ثم أريحا ثم الناصرة، إلى أن قامت الثورة العربية الكبرى حيث التحق بها شلاش وانضم إلى الأمير فيصل، وفي تلك الأثناء ورده خبر وفاة ولديه غازي وطارق بمرض الجدري. عاد رمضان إلى حلب. وبعد انتهاء إجازته التحق بالثورة في الحجاز إلى أن دخلت القوات العربية دمشق. تم تعينه حاكماً عسكرياً لمنطقة الرقة والخابور ووادي الفرات وذلك عام 1919 م. وعند دخول الفرنسيين إلى سورية طلب إليه الملك فيصل بن الحسين أن يذهب إلى دير الزور ويجمع القبائل ويتوجه إلى جبهة حلب لقتال الفرنسيين، ولكنه ما كاد يصل إلى حلب حتى وجد الأعلام الفرنسية وقد ارتفعت على الثكنات العسكرية؛ فقد سبق السيف العزل. ثم كانت نهاية الاستقلال وملكية فيصل، غادر دمشق في أول آب قاصداً حيفا. وأسدل الستار على الدولة الفيصلية. غادر رمضان شلاش إلى عمان ملتجئاً عند الأمير عبد الله بن الحسين. ثم غادرها إلى مكة المكرمة حيث دعاه الملك حسين ورقّاه إلى أمير لواء وأنعم عليه بوسام النهضة من الدرجة الأولى. وبعد سقوط مكة بيد ابن سعود طلب إليه الأمير عبد الله بن الحسين محاربة ابن سعود واستعادة العرش الهاشمي. ولكن علي رضا باشا الركابي وقف في وجهه ومنعه من ذلك.
في عام 1925 نشبت الثورة السورية واشترك فيها رمضان شلاش حيث التقى بجميل مردم بك وغيره من الثوار وتوطدت صداقته به. وفي عام 1926 تم نفي شلاش إلى بيروت حيث بقي هناك حتى عام 1937 إلى أن سمح له الفرنسيون بالعودة إلى بلاده. وفي عام 1941 جرى نفيه مرة أخرى إلى بيروت حيث بقي حتى عام 1947 عاد بعدها إلى دير الزور ثم اعتزل السياسة.
في عام 1961 أصيب شلاش بمرض اضطره لعمل جراحي في دمشق توفي على أثره بعد أن أفنى سنيّ عمره دفاعاً عن وطنه وأرضه وشعبه ليبقى أبد الدهر الزعيم الوطني الذي حمل هم الأمة مع رفاقه، فكان خير عون لهم وانتقل إلى رحمه الله في 21 آب 1961 ودفن في مقبرة ذي الكفل في المهاجرين بدمشق.
ويحضرني في هذا المقام ما روته والدتي رحمها الله أن رمضان شلاش كان دائم التردد على دار والدها عندما كانت طفلة، وكان لا ينس أن يحضر لها الهدايا ومنها لباس عربي ولها صورة فوتوغرافية وهي ترتديه، وقد ذُكر   خلف الصورة هذا الزيّ هدية من رمضان شلاش وذلك عام 1918 م. رحم الله رمضان وجزاه خيراً عن أهل سورية.








ســــامي باشــــا بن حكمـــت باشـــا مردم بك

ولد عام 1870 م         وتوفي عام 1965 م




تزوج من السيدة أسماء بنت علي حافظ باشا العظم
أنجب منها علي حيدر ـ محمد حكمت ـ عبد الرحمن وثريا ـ صفوت ـ طلعت ـ رأفت ـ شوكت.
عمل في السياسة أيام الحكم العثماني، كان عضواً في مجلس المبعوثان عن ولاية دمشق، كان من المؤيدين لبقاء الحكم العثماني، كان عضواً في جمعية الاتحاد والترقي فرع سورية، ورث الكثير من العقارات والأراضي داخل مدينة دمشق.
عمل مستشاراً إدارياً في لواء دمشق، نال لقب الباشاوية في عهد السلطان عبد الحميد، تقلد العديد من الأوسمة الرفيعة منها (وسام عثمان) وكان من رجالات سورية البارزين.
انتخب عضواً في المجلس التمثيلي بعد الاحتلال الفرنسي.
يطول الحديث عن أعمال هذا السياسي الذي عاش ما يقارب التسعين عاماً، كانت فيها سورية تنتقل من الحكم العثماني إلى الفرنسي إلى الاستقلال.
عمل في الظل كما عمل في النور بإخلاص وجدّ وتفان، لا يشعر أحد بضوضاء عمله كما فعل الكثيرون الذي عملوا أو تصنعوا العمل السياسي في زمانه.
زوج ابنته الثانية لجميل مردم بك فكان له نِعم العون ونِعم السند رغم اختلاف الأفكار بينهما.




ســـــــــعد الله بـــــــك الجابـــــــري

ولد عام 1892 م         وتوفي عام 1947 م













والده عبد القادر لطفي الجابري من حلب.
درس في الأستانة، وتخرج من المدرسة الملكية،           ثم ذهب جندياً في الجيش التركي أثناء الحرب             العالمية الأولى، حيث بدأ نضاله مع الأتراك، ثم أتبع ذلك بنضاله ضد الفرنسيين طوال فترة الانتداب. انتخب نائباً عن حلب عدة مرات، وجرى اعتقاله أكثر من مرة.         تولى رئاسة الوزراء والوزارات، وكان كذلك رئيساً للمجلس النيابي أيام الهجوم على المجلس النيابي بالقنابل في 29  أيار عام 1945.
كان صديقاً للجميع أحبه الكبار والصغار الرئيس والمرؤوس، كان الصديق والأخ ورفيق الدرب لجميل بك عملاً وكفاحاً وتشرداً ونفياً معاً.
كان مصاباً بتشمع في الكبد لم تنفع معه حيلة الأطباء ولا دواء الصيادلة. عانى كثيراً من ألم هذا المرض حتى آخر أيام حياته.
أصيب بأزمة وهو في مصر، عاد بعدها مباشرة إلى حلب حيث توفي. لم يتزوج ولم ينجب ولم يترك ذهباً ولا فضة بل ترك أكثر من ذلك بكثير: "الذكرى العطرة وحب الجميع واحترامهم فهو سعد الله وحبيب الله".



الدكتـــــــورة ســــــلمى مـــــــردم بــــــك
ابنة دولة جميل بك مردم بك

ولدت عام 1934 م         وتوفيت في 23/12/1996 م


































تزوجت من السيد صلاح الجندي المصري الجنسية.
وأنجبت منه: محمد الجندي وميّ الجندي.
تنقلت منذ طفولتها بين دمشق وبيروت ثم مصر واستقرت أخيراً في لندن.
ورد في جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 14/2/1997 بقلم فؤاد مطر:
في الأسبوع الأخير من العام المنقضي 1996 انتقلت إلى رحمة الله سيدة عربية ذات ثقافة عالية وتربية سياسية قومية انعكست على فكرها النيّر، هي "سلمى مردم بك" وحيدة المرحوم جميل مردم بك أحد رؤساء الحكومات الأسبقين في سورية.
وحتى اللحظات الأخيرة لمغادرة الحياة الدنيا، كانت سلمى وعلى رغم قساوة الألم الناشئ من المرض الذي لا يرحم ولا شفاء فيه والذي قاست منه ست سنوات برضى المؤمنة قبل أن تلقى وجه ربها، مهمومة بكمية هائلة من الأوراق والصور الخاصة بوالدها. ولقد استطاعت أن تحافظ على هذه الأوراق وتبقيها في مأمن وتقيها مخاطر الضياع. انتقلت هذه الأوراق مع الابنة البارّة بتراث والدها من لبنان إلى القاهرة إلى لندن التي كانت عاصمة نهاية المطاف.
وفيها أيضاً رقدت في قبر بعيدة عن مجاورة والدها المدفون في دمشق ووالدتها المدفونة في جنيف. وفي كل عاصمة سكنتها كانت سلمى مردم بك تخلو في بعض الأيام إلى مئات الأوراق والصور، تتذكر من خلال الإطلاع عليها محيا الوالد الذي كانت له وقفات طيبة في التاريخ السياسي الحديث للمنطقة العربية عموماً ولتاريخ بلده سورية بشكل خاص، ثم تحاول ترتيب هذه الأوراق، وتعمل على تصنيفها وكتابة أسماء الشخصيات الظاهرة في الصور على ظهر هذه الصور.
ومن المؤكد واستناداً إلى ما كنا نسمعه من سلمى وهي في الساعات الأخيرة من حياتها أنه لو كتب الله سبحانه وتعالى لها المزيد من العمر لكانت ستتفرغ لكي تكتب السيرة الذاتية لوالدها، وتنوب عنه في كتابة مذكراته في ضوء مئات الأوراق والملاحظات المدونة التي تركها. ولكانت أيضاً ستعمل على تبويب وفهرسة هذه الأوراق ونشرها، أي أنها كانت ستكمل ما بدأته عندما كتبت أطروحتها للجامعة عن مرحلة استقلال سورية من خلال بعض أوراق والدها، ثم أصدرت الأطروحة بعد ذلك في كتاب بالعربية والفرنسية...
عندما اشتدت وطأة المرض على سلمى مردم بك في الأشهر الخمسة التي سبقت وفاتها، كانت مهمومة بأمر الأوراق التي تشكل التراث السياسي لوالدها والتي تشكل أيضاً جزءاً من التاريخ السياسي الحديث لسورية. وكانت في استمرار تنسى آلام المرض وتبدي قلقها على هذه الأوراق وما الذي يمكن أن يصيبها، وعزمت على أن تتصل بجامعة السوربون في فرنسا لتطلب من المسؤولين فيها إيداع الأوراق لدى الجامعة بحيث تكون جزءاً من مقتنيات السوربون يستفيد منها الباحثون والمؤرخون. والأهم من هذا كله هو أن إيداع الأوراق لدى جامعة السوربون معناه أنها ستستقر في المكان الآمن والأمين..
ويبقى على هامش هذا الكلام تساؤل أفرزه الهلع الذي كثيراً ما لاحظته على المرحومة سلمى مردم بك من أن تضيّع أوراق والدها بعد رحيلها، والتساؤل هو: هل هناك أفضل من الجامعة العربية لكي تستحدث دائرة خاصة في مقرها الرئيس يتم فيها إيداع أوراق رجال الدولة العرب الذين كانت لهم مساهمات في بناء النظام العربي بدل التفكير بإيداع هذه الأوراق في جامعات أجنبية مثل جامعة السوربون وغيرها؟
دائرة تعامل هذه الأوراق بكل الرفق والرعاية، وتصونها من الضياع أو الاصفرار أو العبث. دائرة تقصدها الأجيال العربية الباحثة عن تاريخ غير مزور وغير خاضع لإرادات الذين يبدأ التاريخ السياسي للأمة بهم فقط. ليت تحدث مثل هذه الأمور.
وأضيف رأيي إلى اقتراح الأستاذ فؤاد مطر حول هذه الوثائق: بأنه لا مانع من وضع أي وثيقة مهما كان محتواها سخيفاً فارغاً في هذه الدائرة في الجامعة العربية حتى ترى الأجيال القادمة أن سخافة بعض قادتها هي التي أوصلت بلادهم إلى ما هي عليه!!!... 


فخامة الرئيس شكري بن محمود القوتلي

ولد عام 1891 م         وتوفي عام 1967 م




أصله من العراق ينسب إلى العباس بن عبد المطلب ()
تلقى دروسه في دمشق في مكتب عنبر ثم سافر إلى اسطنبول والتحق بالمكتب الملكي وتخرج منه عام 1913 كان عضواً في جمعية العربية الفتاة، اعتقله جمال باشا ثم أطلق سراحه ثم عاد فاعتقله. حاول الانتحار خوفاً من تعذيبه فيبوح بالأسرار التي كان يحتفظ بها. أنقذ حياته الدكتور أحمد قدري.
بعد كارثة ميسلون وضياع الاستقلال 1920 نزح القوتلي إلى مصر حتى عام 1924، ثم عاد بعد صدور عفو عن الفارين والمحكومين بالإعدام. اشترك في ثورة 1925 وحكم عليه وعلى إخوانه بالإعدام. صدر عفو عام 1931 عاد شكري القوتلي إثر ذلك إلى دمشق لتسلم وزارة المالية والدفاع عام 1936 ثم استقال. انتخب عام 1943 رئيساً للجمهورية بالإجماع. وفي عام 1945 وفي 28 أيار أصابه نزف حاد في معدته لزم على أثره الفراش وسلّم إلى جميل مردم بك كامل الصلاحيات. بقي رئيساً للجمهورية بعد انتخابه مرة أخرى حتى عام 1949 حيث قام حسني الزعيم الذي أعاده القوتلي إلى الجيش بعد تسريحه بانقلاب عسكري أطاح بالقوتلي وخالد العظم. غادر دمشق بعد إطلاق سراحه إلى الإسكندرية ولبث فيها خمس سنوات. عاد إلى دمشق ثم غادرها إلى الإسكندرية وفي عام 1955 قرر مجلس النواب انتخاب القوتلي رئيساً للجمهورية. وقد كان جمال عبد الناصر قد طلب من جميل مردم بك أن يستلم رئاسة سورية ولكن مردم بك اعتذر ورشح القوتلي لهذا المنصب وهكذا تم انتخابه رئيساً للجمهورية حتى         عام 1958 حين قامت الوحدة بين سورية ومصر فتنازل القوتلي عن الحكم إلى جمال عبد الناصر الذي منحه لقب "المواطن العربي الأول"!..
توفي شكري القوتلي عام 1967 في بيروت ودفن في دمشق في مدفن عائلة القوتلي في الباب الصغير رحمه الله تعالى وغفر لنا وله.



صفـــوت خانم ابنة ســـامي باشــا مردم بك

ولدت عام 1902 م         وتوفيت عام 1993 م




والدتها: السيدة أسماء بنت علي حافظ باشا العظم بن عبد الله باشا العظم والي دمشق.
والدها: سامي باشا بن حكمت باشا وردت ترجمته مستقلة في صفحات سابقة.
تزوجت من دولة جميل بك بن عبد القادر بن عزتلو              عثمان بك مردم بك في بداية العشرينات      من القرن العشرين.
أنجبت منه: زهير وسلمى.
عاشت طوال حياتها مساندة لزوجها، مناضلة معه في السراء والضراء، تنقلت برفقته حيث ذهب من دمشق إلى فلسطين إلى بيروت ومصر... وعانت الكثير من القلق على زوجها. شاركته كفاحه وتغربه وهمومه ومرضه حتى وفاته رحمه الله.
عاشت في مصر ثم دمشق فبيروت ثم غادرتها عند نشوب الحوادث المؤسفة في الحرب الأهلية إلى سويسرا حيث توفيت هناك ودفنت في جنيف.
كانت تتمتع بشخصية قوية جادة عند الجد وهزلة عند الهزل، جميلة الطلعة أنيقة في كل شيء، سيدة مجتمع من الطراز الأول، كل من لقيها أحبها.
رحمها الله تعالى.




عثــــــمان بــــــك مــــــردم بـــــك

ولد عام 1887 م          توفي عام 1918 م




هو ابن رفعتلو عبد القادر بك بن عزتلو عثمان بك مردم بك، ولد بدمشق في حدود سنة 1887 م، تلقى تحصيله في مدارس خاصة، وفي أول صباه كان فجر اليقظة العربية، فكان مع مجموعة من رفاقه يتدارسون دروساً خاصة، فحصّل قسطاً حسناً في اللغة العربية وشيئاً من اللغة الفرنسية.
أسس مع طائفة من إخوانه أول جمعية عربية في دمشق أطلقوا عليها اسم جمعية النهضة العربية، وكانوا يدعون أنفسهم (الأخوان) ومن هذه الجماعة الدكتور صلاح الدين القاسمي، ولطفي الحفار، وسامي العظم، والأستاذ محب الدين الخطيب، وزكي الخطيب، ورشدي الحكيم، ومحمد رضا مردم بك، وأديب مردم بك، وجميل مردم بك. وكان هؤلاء السادة يجتمعون في بيته في أكثر الأحيان، وكان لهذه الجمعية غايتان أدبية وسياسية، والغايتان لخدمة العرب، فالأدبية لخدمة الأدب العربي واللغة، والسياسية لغرس الروح الاستقلالية في الناشئة العربية كانت اجتماعاتهم السياسية سرية، والأدبية علنية، وقد أسسوا لها مركزاً فيه غرفة للقراءة، (كانت هذه الغرفة في منزل عثمان مردم بك).
ومن تاريخ تأسيس هذه الجمعية إلى إعلان الدستور العثماني فالحرب العامة الأولى، كانوا يشتغلون في سبيل تحرير العرب، وقد انتسب أكثرهم إلى جمعية العربية الفتاة.
ولما قامت الثورة العربية أثناء الحرب الكبرى كان المترجم له أشبه بضابط ارتباط بين من يريدون الالتحاق بالثورة وبين رجال الثورة، وقد أوقف في الحرب العامة مدة ثم أطلق سراحه بكفالة، وكان في أواخر الحرب عندما انكسرت شوكة الأتراك في هذه البلاد.
ولما بدأ الأتراك بالانسحاب من دمشق نشر الراية العربية قبل انسحابهم، ولكن المنية عاجلته فتوفي عقب دخول الجيش العربي إلى دمشق وذلك سنة 1918 ميلادية وكان في الثلاثين من عمره. وأعقب كريمة واحدة اسمها هزار (هي والدة المؤلف).
ورد في كتاب "أعلام العرب" رقم 139، محب الدين الخطيب ودوره في الحركة الوطنية (1906 ـ 1920)، في الصفحة 14 ما يلي:
يتحدث الكاتب عن محب الدين الخطيب فيقول: ومن هذا المنطلق كان إذا وقع في يده كتاب جديد... كان يقرأه أولاً لنفسه فإذا رآه مما يدخل في معاني الرسالة التي آمن بها، يحرص على أن يعيد قراءته مع طالب آخر يختاره من بين زملائه أمثال... عثمان مردم بك الأخ الأكبر لجميل مردم بك أحد رؤساء سورية السابقين.
في الصفحة 16 من الكتاب نفسه يقول:
قبل نزوح الخطيب إلى مصر نتيجة ضغط العثمانيين على الأحرار في سورية، كان للخطيب حلقة مؤلفة من الأمير عارف الشهابي وصلاح الدين القاسمي ولطفي الحفار وأبناء مردم بك عثمان وأخويه جميل وأديب وعمهم رضا بك وصلاح وسامي العظم...
وفي الصفحة 27 من الكتاب نفسه يقول د. محمد  عبد الرحمن:
انتهز محب الدين الخطيب فرصة مجيئه إلى دمشق من اسطنبول في صيف 1907، وقر رأيه على نقل المركز العام لجمعية النهضة العربية إلى دمشق.
أخذ محب الدين الخطيب ورفاقه على عاتقهم في هذه الجمعية تعريف شباب العرب المثقفين بعروبتهم ودعوتهم إلى التعاون في إصلاح المجتمع العثماني الذي يتوقف على إصلاح المجتمع العربي. وقرر المركز العام للجمعية إنشاء مكتبة صغيرة في دمشق، واقتناء الصحف والمجلات العالمية، وأعد مكاناً في دار عثمان مردم بك، وبدأ طبع المصنفات العصرية تمشياً مع مبادئها.
في الصفحة 31 يتابع قوله:
مضى محب الدين الخطيب يجتمع بإخوانه في دمشق في منزل عثمان بك وأخيه الأصغر جميل مردم بك           في حي المرستان جنوبي سوق الحميدية، وكذلك في  المنزل الآخر لآل مردم بك في طريق الصالحية،        وهو منزل رضا بك مردم بك...
يقول فيليب خوري في كتابه "أعيان المدن والقومية العربية": قبل وفاته باكراً كان عثمان بن عبد القادر مردم بك قد أصبح عضواً ناشطاً في جمعية النهضة العربية، وعمل كذلك على أن يغرس لدى شقيقه الأصغر جميل مشاعر قوية مضادة للأتراك بما في ذلك العداء للغة التركية "على الرغم من أن أمهما كانت تركية" هي السيدة (خديجة تحسين بك). وبدلاً من تشجيعه لجميل على الذهاب إلى اسطنبول لاستكمال تعليمه فقد أبعد عثمان جميلاً إلى أوروبا حيث انضم هذا الأخير وهو طالب إلى جمعية العربية الفتاة (فكان من أعضائها المؤسسين).
ورد في مذكرات محمد كرد علي:
اطّلع أصدقائي عثمان مردم بك وخليل مردم بك وبدر الدين الداغستاني على مسودات خطط الشام وما جمعت له من مواد وأعددت له من فصول وأبواب فألحوا عليّ بإنجازه وطبعه.
كما ورد في الكتاب نفسه:
بعد الحرب (وقصد بها الحرب العالمية الأولى)           عاد السيدان خليل مردم بك وبدر الداغستاني ـ             وقد  فجعنا بحبيبنا عثمان بك ـ يحثان عليّ نشر         خطط الشام... إلى هنا.
"والمؤسف له: بأنه لم يرد ذكر لعثمان بن عبد القادر بك في كتب التاريخ رغم ما قدمه للأمة العربية عامة وسورية خاصة من خدمات وتضحيات مثله مثل العديد من رجالات هذه الأمة، يحاول المؤرخون أن يشوهوا تاريخهم أو يتناسوا أياديهم البيضاء التي صنعت تاريخ هذه الأمة..."


رفعتلو عبد القادر بن عزتلو عثمان مردم بك
من أحفاد الوزير لالا مصطفى باشا

ولد عام 1858 م         وتوفي عام 1902 م




والدته السيدة أسماء بنت الشيخ هاشم التاجي البعلي (من بعلبك).
والده عزتلو عثمان بك مردم بك من وجهاء الشام وأعيانها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عمل في الزراعة والتجارة، درس على يد الشيخ هاشم التاجي ولازمه وتزوج ابنته الكبرى ثم توفيت فتزوج ابنته الثانية.
تقلب في مناصب القضاء كما كان عضواً في مجلس الولاية ومتصرفاً لحوران. بلغ من الجاه والثروة ما لم يبلغه غيره في عصره.
أما عبد القادر بن عثمان بك فقد تزوج من السيدة خديجة بنت تحسين بك بن إبراهيم بك يكيشهرلي توفيت عام 1946 وهي تركية الأصل.
أنجب منها من الذكور عثمان ـ أديب ـ جميل ـ محمد
وأنجب من الإناث نظيرة ـ عائشة ـ فاطمة ـ أديبة.
كان من وجهاء مدينة دمشق ويملك ثروة عظيمة من العقارات والدكاكين والأراضي الزراعية. كان من أكثر الناس وجاهة وأطهرهم قلباً وأكثرهم كرماً وحباً للخير.
كان عضواً في محكمة استئناف الجزاء في آخر حياته فكان مثال النزاهة والعفاف (راجع تراجم آل مردم بك في خمسة قرون).



دولـــــة عثــــمان صـــائب بـــك ســــلام

ولد عام 1905 م         وتوفي عام 2000 م












صاحب القرنفلة البيضاء والسيكار الهافانا
وداعاً يا آخر رجال استقلال لبنان
والده: سليم علي سلام.
تزوج من السيدة تميمة ابنة رضا مردم بك وهي ابنة       عم جميل بك
أنجب منها تمام ـ فيصل ـ عمرو ـ ثريا ـ عنبرة.
ولد في بيروت ودرس في مدارسها وتخرج من الجامعة الأميركية في بيروت. بدأ حياته العملية بإنشاء المشاريع الاقتصادية الكبرى: كان أول من نفذ مشروع طيران في لبنان (طيران الشرق الأوسط) ولذا يعتبر بحق "الأب الروحي للطيران اللبناني".
انتخب نائباً عن بيروت في عام 1943 و1947 و1951، تولى شؤون وزارة الداخلية والخارجية في عام 1946 ورئاسة الوزارة ووزارات عدة في عدد من المرات يحمل وسام الجهاد.
كان عضواً في مجلس إدارة شركة دسم الوطنية ورئيساً فخرياً لأندية بيروت الرياضية ورئيساً لجمعيات خيرية إسلامية وعلى رأسها جمعية المقاصد الخيرية، كما عمل مديراً لشركة طيران الشرق الأوسط.
ملأ الدنيا وشغل الناس لسنوات طويلة في السياسة اللبنانية والعربية. ناضل وجاهد في سبيل حرية لبنان، وكان سلاحه الكلمة الحق والكلمة الفصل، وانتصر على الصعاب التي مرت به بصبر وجلد، كيف لا "ولا يصائب في المصائب إلا صائب".
كان نضاله مستمراً حتى آخر أيام حياته وله الفضل مع إخوانه في عودة السلام إلى لبنان بعد الحرب الأهلية التي اكتوى الجميع بنارها، فكان مؤتمر الطائف الذي ساهم فيه بكل ثقله فكان فارسه الأول.
هذا هو صائب سلام أحد صانعي الاستقلال اللبناني. وكنت وإياه صديقين رغم فارق السن بيني وبينه ولكن كان لي محبة خاصة في قلبه الكبير الذي وسع لبنان بأكمله. كنت أجلس بقربه لأشعر بدفء الأب والصديق والمفكر والزعيم.
رحم الله صائب بك فقليل مثله، كان رجلاً والرجال قليل ولا يتسع المجال للحديث عنك في هذه العجالة فاعذرني يا صديقي العجوز يا أبا تمام.



الشـــــهيد عبـــــد الرحمــــن الشــــهبندر

ولد عام 1879 م        واستشهد عام 1940 م




نشأته ومولده: ولد عبد الرحمن الشهبندر في 06/11/1879 في دمشق في حي القيمرية (حارة الشهبندر). كان والده صالح تاجراً صغيراً ولتجارته أشكال وألوان من عاديات وأنتيكات وسجاد، وله دكان في سوق الأروام. ولم يكن والده يملك أراضٍ زراعية وبساتين في غوطة دمشق كما كان الحال بالنسبة لعدد كبير من تجار دمشق ورجالاتها وذواتها وزعمائها. كان لهذا الأمر تأثيره في حياة الشهبندر.
توفي والده وعمره ست سنوات فربته أمه. وقد ساعده التاجر الثري حسن القتلان الذي تربطه بعائلة الشهبندر صلة قربى. وبفضل هذا القريب الثري أتم عبد الرحمن تعليمه الابتدائي والإعدادي في مدارس دمشق ثم انتقل إلى بيروت حيث درس في الكلية السورية الإنجيلية التي أصبحت الجامعة الأميركية المعروفة. عاد إلى دمشق بعد تخرجه ونيله شهادة الدكتوراه في الطب بدرجة امتياز.
تم زواج عبد الرحمن الشهبندر من السيدة سارّة المؤيد العظم ابنة تقي الدين بك المؤيد العظم بن عبد القادر بك المؤيد العظم، وذلك طمعاً في الوصول إلى مستوى بقية زعماء البلاد؛ فقد كانت عائلة سارّة تملك الأطيان والعقارات والجاه المتوارث منذ سنوات عديدة.
وقد لعب زواجه من عائلة العظم دوراً في وصوله إلى ما أراد من المستوى اللائق كزعيم سياسي وقائد شعبي وعَلَم نهضوي مثقف متأثراً بالأفكار الاشتراكية. اعتقل عدد من المرات وحكم عليه بالإعدام ولكنه استطاع الفرار إلى فلسطين تارة ومصر تارة أخرى، نفي إلى أرواد مع من نفي من زعماء النضال ضد الفرنسيين.
كان خطيباً مفوّهاً، له تفكيره الخاص في تحليل الأمور، كما كانت له آراء في التحرر من التقاليد. ونظرة إلى الاشتراكية التي كان يراها حلاً لكثير من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية.
كان دائماً يطمح إلى أن يكون زعيماً ورئيساً للكتلة الوطنية وهذا ما لم يحدث، فكان ذلك من أسباب حقده على زعماء الكتلة.
كما كان له انتقاد على معاهدة 1936 السورية ـ الفرنسية. كان ذلك سبباً في غياب اسمه عن وزارة جميل مردم بك التي تألفت في 21/11/1936.
وحتى لا نطيل في الشرح عن الشهبندر نكتفي بالقول بأن الخلاف بينه وبين العديد من زعماء الكتلة كان كبيراً حتى يومه الأخير.



الدكتور علي حيدر مردم بك بن سامي باشا

ولد عام 1894 م          وتوفي عام 1981 م




والدته: أسماء بنت علي حافظ باشا العظم بن عبد الله باشا العظم والي دمشق.
والده: سامي باشا مردم بك له ترجمة خاصة به.
تزوج من حنينة كشاكيل وأنجب معاوية وليلى.
وهو الشقيق الأصغر لصفوت خانم زوجة جميل مردم بك.
درس في مكتب "عنبر" ثم تلقى علومه الثانوية في كلية "غلاطة" بالأستانة. ثم درس الحقوق في "كلية دمشق"، سافر بعدها إلى فرنسا ونال شهادة الدكتوراه في الحقوق من جامعة "السوربون"، عاد إلى دمشق وشارك في الثورة العربية الكبرى. عمل في "المكاتب الفنية للمواصلات العسكرية". وبعد الهدنة سمي "أميناً سرياً للحكومة الفيصلية" في عام 1920.
في عام 1929 سمي سكرتيراً عاماً للإدارة في لواء دمشق وأيضاً في بلدية دمشق.
في عام 1938 عين محافظاً للجزيرة.
وفي عام 1941 عين محافظاً لمدينة حمص.
وفي عام 1945 عين محافظاً لحوران.
في عام 1947 عمل في السلك الدبلوماسي وعين وزيراً مفوضاً لدى المملكة العربية السعودية.
وفي عام 1949 نقل إلى الإدارة المركزية في        وزارة الخارجية.
في عام 1951 عين وزيراً مفوضاً لسورية في           روما ثم وزيراً مفوضاً لدى المملكة العراقية. اعتزل بعدها العمل السياسي.
عنوان رسالة الدكتوراه التي قدمها في باريز         جامعة السوربون:
(التنظيم القانوني ومبدأ المساواة بين المتنازعين)
Haidar Mardam Bey
L’ organization Judiciaire et Le Principe de
L’ Egalité entre Les Justiciables, Paris 1929.
كان مثال الأناقة واللباقة والكرمK كما كان دبلوماسياً مهذباً من الدرجة الأولى، وهذا النوع من الرجال تفتقر إليه كثير من الدول.
ومن دواعي سعادتي أن يكون بيني وبينه محبة عميقة وصداقة الصغير للكبير بقيتْ طوال سنين، كان فخراً وعزاً لي حتى توفي رحمه الله تعالى.



عطـــــا بــــك الأيوبـــــي الأنصـــــاري

ولد عام 1874 م          وتوفي عام 1950 م























والده محمد علي بك الأيوبي ينتمي إلى أسرة تصل في نسبها إلى الأنصاري الجليل "أبي أيوب الأنصاري".
ولد في دمشق، تلقى تعليمه الابتدائي في مدارس دمشق، ثم رحل إلى الأستانة وأكمل دراسته العليا في المكتب الملكي العثماني، وتخرج منه بعد أن درس الآداب والعلوم السياسية. وخرج إلى الحياة العملية، على جانب كبير من العلم والمعرفة، عين قائم مقام ثم رُفّع إلى متصرفية اللاذقية، ثم انتقل ورُفع إلى متصرفية "اينيشل سلفيكا" المستقلة، ثم نقل إلى لواء الكرك.
لدى تشكيل أول حكومة وطنية، وقع الخيار عليه فكان وزيراً للعدل، ثم عُين وزيراً للداخلية بين عاميّ (1920 ـ 1922 م)، وتولى وزارة العدل الثانية من 17/03/1934 لغاية 22/02/1936، شكل الوزارة في 23/02/1936 وكان فيها وزيراً للداخلية. واستمرت وزارته لغاية 21/12/1936.
في 25 آذار 1943 كلف برئاسة الحكومة فشكل الوزارة وكان فيها وزيراً للداخلية والدفاع الوطني واستمرت وزارته لغاية 14/08/1943.
في عام 1950 انتقل عطا بك الأيوبي الأنصاري إلى جوار ربه وشيع إلى مقره الأخير مأسوفاً عليه مبكياً على نزاهته في الحكم...
بعض صفاته وأخلاقه:
كان عطا بك جم الأدب، رفيع التهذيب، لا يحقد على أحد، كثير الحياء والخجل، شديد الوفاء للأصدقاء، لا يعادي أحداً ولا أحد يعاديه، كان متواضعاً، نبيلاً، طيباً، لبقاً.
كان مجاهداً صامتاً، وأحد رجال الوطن الأوفياء، من الرعيل الأول الذين لا يتكررون كثيراً...
أنجب خالد الأيوبي تاجر، ومحمد علي الأيوبي تاجر.
كما أنجب سنية مؤسسة جمعية نقطة الحليب ومن المؤسسات لجمعية الهلال الأحمر السوري وجمعية الإسعاف الخيري، ونالت وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الثانية.
كما أنجب ثريا زوجة نصوح الأيوبي عمل قاضياً ومحافظاً لدمشق ومديراً للشركة السورية للتأمين. وكذلك بشرى، وأمينة زوجة الأمير كاظم الجزائري، ونعمت.



عـــــلي رضـــا باشـــــا الركـــــابـــي

ولد عام 1886 م          وتوفي عام 1942 م




ينتمي في نسبه إلى الإمام الحسين بن الإمام علي رضي الله عنهما. وآل الركابي من عشيرة بني ركاب من الجزيرة العربية، وينسبون إلى السيد أحمد ركاب من ذرية السادة الرفاعية.
ولد الركابي علي رضا باشا في دمشق، تلقى علومه الابتدائية في المدرسة الرشيدية العسكرية، ثم انتقل إلى المدرسة الإعدادية، ولتفوقه على أقرانه وعبقريته الفذة أُرسل إلى المدرسة الحربية في الأستانة حيث درس الشؤون العسكرية وتخرج منها حاملاً رتبة "رئيس أركان حرب".
بعد تخرجه عُين قائداً للجيش التركي في القدس ووكيلاً لمتصرفها.
عين رئيساً للشعبة الخاصة في الأستانة، ونقل منها إلى المدينة المنورة حيث عُين محافظاً فيها وقائداً لجيشها بعد ترقيته إلى رتبة أمير لواء.
جرى تسريحه عام 1914 لخلاف في الرأي مع حكومة الأستانة وعاد إلى دمشق، عينه جمال باشا رئيساً لبلدية دمشق.
كان رضا باشا عضواً في "جمعية العربية الفتاة" و"جمعية العهد". عُين حاكماً عسكرياً لمنطقة الشرقية عقب دخول الجيوش العربية دمشق، وشكل أول وزارة عقب إعلان الثورة العربية ودخول الأمير فيصل دمشق وتتويجه ملكاً على سورية 8 آذار 1920.
جاء في المنشور الذي أذاعه الملك فيصل على الأهالي في سورية: "عهدت إلى السيد رضا باشا الركابي بالقيادة العامة للحكومة نظراً لثقتي باقتداره ولياقته".
بعد دخول القوات الفرنسية إلى سورية حُكم عليه بالإعدام، ففر إلى الأردن حيث قام رضا مردم بك بتهريبه إلى الحدود الأردنية على ظهور الخيل وبعدها رحل الركابي إلى مصر ثم إلى الحجاز، حيث طلب منه الشريف حسين الذهاب إلى الأردن لمساعدة الأمير عبد الله بتأسيس إدارة دولة شرق الأردن.
ألف في عمان عام 1922 الحكومة الأردنية الأولى... نشأ خلاف بين الأمير عبد الله وبين الركابي أدى إلى تقديم الثاني استقالته من رئاسة الوزارة.
في أوائل عام 1924 دعي الركابي لتشكيل وزارة جديدة ثانية، فاستجاب للدعوة وبقي في منصبه حتى حزيران 1936، حيث استقال وانتقل للإقامة في حيفا والقدس طوال سنتين ونصف السنة..
عاش علي رضا باشا الركابي في فلسطين عيشة كفاف بسبب ضيق ذات اليد، وبعد عودته إلى دمشق اعتزل الرجل النزيه المستقيم العمل السياسي ولزم بيته وانقطع عن الناس، حتى وفاته مريضاً مشلولاً في 25 أيار 1942.
كان علي رضا إنساناً مثالياً في حياته يحاسب مرؤوسيه على أي خطأ فكان الجميع يقومون بواجبهم على أكمل وجه. إلى جانب ذلك كان مستقيماً نظيفاً، نزيهاً، طاهر اليد.
ومن مآثره رحمه الله عندما كان رئيساً للوزارة السورية الأولى أن أمر بتأسيس المجمع العلمي العربي، وبذلك سبقت سورية جميع الأقطار العربية إلى تأسيس مثل هذا المجمع.



عـــــوني بــــك عبـــــــد الهـــــادي

ولد تقريباً 1890 م    وتوفي في 15/03/1970 م





الصديق الصدوق لجميل مردم بك
من الرعيل الأول لشيوخ النضال العربي عامة والفلسطيني خاصة، بدأ حياته النضالية منذ عام 1908 تمتع بهمة الشباب ونضج الشيوخ.
تلقى دراسته الابتدائية في مدينة نابلس ثم انتقل إلى الأستانة ودخل المدرسة الملكية، وبعد عام 1908 سافر إلى باريز لمتابعة دراسة الحقوق التي تخرج منها عام 1914. كان من المؤسسين "لجمعية العربية الفتاة"، كما كان من أعضاء اللجنة التي دعت إلى مؤتمر باريز العربي عام 1913، وهذا يعني أنه كان وجميل مردم بك فرعين من شجرة النضال العربي في فرنسا ثم بعدها في سورية.
فكان جميل في دمشق وعوني في فلسطين، حيث وسّع نشاطه النضالي في جنين وحيفا ونابلس وغيرها...
كان عوني وجميل يعيشان معاً في باريز ولمدة أربع سنوات ثم افترقا، فبقي عوني في باريز وسافر جميل إلى أميركا الجنوبية.
في عام 1918 التقى عبد الهادي بالأمير فيصل وبقي ملازماً له سكرتيراً ومرافقاً حتى سقوط الملكية بمغادرة فيصل بن الحسين سورية وكان برفقته عوني عبد الهادي.
تنقل عوني عبد الهادي بين فلسطين والقاهرة وعمان، عاد بعدها إلى فلسطين ليمارس نضاله ونشاطه السياسي من عام 1929 وحتى عام 1936 حين قامت الاضرابات في جميع أراضي فلسطين، وكان عوني سكرتيراً للحاج أمين الحسيني وتشكلت اللجنة العليا العربية التي ترأسها الحسيني وكان من بين أعضائها راغب النشاشيبي وجمال الحسيني ويعقوب الغصين وغيرهم... قام الجميع وعلى رأسهم عوني عبد الهادي بالمطالبة بوقف الهجرة إلى فلسطين.
في عام 1927 غادر عوني إلى باريز ثم إلى مصر بعد ملاحقة الحاج أمين الحسيني، الذي غادر هو كذلك فلسطين بعد محاولة قتله من قبل الصهاينة.
في عام 1938 غادر عوني إلى لندن وقابل في طريقه الأمير سعود بن عبد العزيز على ظهر باخرة في ميناء السويس. وبعد نشوب الحرب العالمية الثانية زادت الأوضاع سوءاً في فلسطين، ولا مجال للبحث في تفاصيلها سواء ما جرى في الأمم المتحدة أو على أرض الواقع في فلسطين. ثم كانت النكبة في عام 1948، وفي رسالة بعثها عوني عبد الهادي إلى ابنته يقول فيها: الشيء الأول الذي قد لا تعرفينه هو أن الدول العربية كانت تجهل كل شيء عن العرب واليهود في فلسطين... "ودولة سورية كان يرأسها شكري القوتلي وكان يعتقد أن الأمر هيّن للغاية وأن فلسطين لا تتحمل بضع جولات عسكرية مظفرة.."!! ويتحدث عن الأردن والعراق ومصر في لوعة وحرقة.
ويطول الحديث عن شيخ النضال العربي فقد أصبح سفيراً للأردن في القاهرة قبل ثورة عبد الناصر وبعدها حتى عام 1955 عاد بعدها إلى الأردن واشترك في الوزارة وأصبح وزيراً للخارجية. كما عين رئيساً للجنة القانونية في الجامعة العربية. كما كان عضواً في مجلس الأعيان الأردني في عهد الملك حسين بن طلال. توفي عوني عبد الهادي رحمه الله تعالى في مصر حيث استقر فيها وكان يزور جميل بك كلما سنحت له الفرصة وكان فيها بالقاهرة، فكانت ذكريات الماضي ولحظات الوفاء تسود هذه اللقاءات الحميمية، تتخللها دموع السعادة والحزن على أيام خلت كانا فيها في قمة النشوة...
ولقد كان من دواعي سعادتي أن تجمعني الأيام بابن أخيه الشاب مهدي عبد الهادي أثناء دراستي في كلية الحقوق في جامعة دمشق. فكانت صداقتنا الحميمة التي بقيت في ذاكرتي إلى اليوم. حيث أصبح مهدي (الدكتور مهدي عبد الهادي رئيس الأكاديمية الفلسطينية للشؤون الدولية) والذي كلما ظهر على شاشة التلفاز أشعر بحميمية تلك الأيام الجميلة. حفظك الله يا مهدي وجمعني بك على خير.



فــــارس بك بن يعقـــــوب جبــــور الخـــوري

ولد عام 1877 م          وتوفي عام 1962 م




تزوج من السيدة أسماء جبرائيل عيد وهي فلسطينية           من عكا.
أنجب منها سهيل وكان صديقاً حميماً لوالدي مأمون بك رحمه الله. وقد أنجب سهيل ابنة اسماها كوليت وهي صديقة لأختي جهينة وابنة عمي سلمى.
كان فارس بك صديقاً لآل مردم بك سواء جدي رضا مردم بك أو سامي باشا مردم بك أو عمي جميل مردم بك، وكانت العلاقة الحميمية بينهم قوية حتى أن فارس بك قدم داره في "المهاجرين ـ شورى" لجدي سامي باشا ليسكن فيها. وكم جميلة تلك الدار التي تطل على دمشق من الطابق الأسفل بحديقتها الوارفة التي أذكرها جيداً خاصة عندما يدق باب الطابق العلوي فيشدوا الحبل فتفتح البوابة للزوار. ولا زالت هذه الدار موجودة إلى الآن وإن اختلف سكانها!!...
أما فارس بك فقد ولد في بلدة كفير حاصبيا اللبنانية تلقى علومه الابتدائية في مدرسة صيدا الداخلية الأميركية، والثانوية في الجامعة الأميركية في بيروت، وتخرج عام 1897 حاملاً شهادة البكلوريوس في الآداب. قدم إلى دمشق عام 1896 واستقر فيها وأسندت إليه إدارة المدرسة الأورثوذكسية (الآسيّة).
في عام 1908 درس الفرنسية والألمانية والتركية والحقوق وامتهن المحاماة.
تنقل في المراكز الحكومية بين نائب ووزير ورئيس للوزراء ورئيس لمجلس النواب. ويطول الحديث عن تلك الفترة ولكن المجال لا يسمح بالاسترسال في أعمال هذا الرجل الذكي النشيط الذي كرس حياته لنصرة بلاده، في داخل البلاد وفي المنابر العالمية.
في 02/01/1962 ترجّل الفارس "فارس الخوري"ـ فكرمته بلاده وشارك في تشييعه جميع الطوائف وقد أوصى فارس الخوري أن يُرَتل القرآن الكريم في أمسيات التعزية وفي جنازته.



فخــــري بــــك البـــارودي بــن محمــــود

ولد عام 1886 م          وتوفي عام 1966 م




زعيم الشباب
ولد في دمشق درس في الكتّاب إلى أن ختم القرآن والقراءة والكتابة. انتسب إلى مدرسة العازارية لتعلم الفرنسية ثم انتقل إلى مكتب عنبر ونال الشهادة الإعدادية عام 1908. أنشأ جريدة ساخرة سماها "حط بالخرج" وذلك في العهد العثماني. كان يحررها بالعامية وبطريقة مرحة خفيفة الظل ساخرة مما أثار ثائرة أبيه فاضطر البارودي للاتفاق مع "عارف الهبل" ليكون مديراً مسؤولاً عن الجريدة وأن يتابع البارودي تحريرها سراً، بقي ذلك لمدة سنة ثم أوقفها. واشترك مع محمد كرد علي في تحرير جريدة "المقتبس".
سافر البارودي سراً إلى فرنسا لمتابعة دراسته ودون علم أبيه. ولما علم بغضب أبيه عليه إذا بقي في فرنسا عاد إلى دمشق.
"في عام 1911 تزوج البارودي من كريمة أحمد الدالاتي".
كان فخري بك زعيماً وطنياً شعبياً انتخب نائباً عن دمشق لأربع مرات. انتسب في دمشق لمعهد الحقوق العربي ولم يتم دراسته. والتحق بالجيش التركي ثم العربي. كان مرافقاً للملك فيصل الأول بن الحسين. ثم التحق بالدرك السوري وأصبح مديراً لشرطة دمشق ثم عقيداً في الجيش السوري.
اشترك في الثورة السورية، التحق بالكتلة الوطنية وكان من رجالاتها البارزين، شارك في حرب فلسطين، وقاوم المشروع الصهيوني. ألف رسالة عن أخطار الصهيونية وأهدافها. أسس مشروع دار رعاية الأيتام كما أسس النادي الموسيقي الشرقي عام 1928.
نفي البارودي عدة مرات وسُجن وعُذب. وضع عدداً من الأناشيد الوطنية المعرقة منها نشيد:

بلاد العرب أوطاني
من الشام لبغدان

ومن نجد إلى يمن
إلى مصر فتطوان

ومنها

أنتِ سورية بلادي
أنتِ عنوان الكرامة

كان من المؤسسين لفكرة "القمصان الحديدية" التي اشترك فيها معظم شباب البلاد للدفاع عن سورية، كذلك "مشروع الفرنك" الهادف إلى التبرع من أجل التسلح.
بعد الاستقلال انصرف فخري البارودي إلى حياة الفن والموسيقى والسهر. وللبارودي ذكرى في نفسي لا أنساها وهي:
عندما توفي جميل مردم بك رحمه الله وكانت الجنازة قد وصلت إلى مدفن آل مردم بك، ووقف الجميع إجلالاً لمراسم الدفن، وإذا بفخري البارودي وقد أسنده رجلان يدخل إلى المقبرة وهو في حالة يرثى لها من المرض والحزن، وأخذ يجهش بالبكاء، ووقف على نافذة المدفن من الداخل بالقرب من قبر جميل بك، وأخذ يخطب بصوت متهدج ويرثي الراحل الكبير، فبكى وأبكى حتى انهارت قواه وأُخرج من المكان وهو في أسوأ حال. وهذا المنظر لا أنساه أبداً. رحم الله فخري بك فقد كان من ظرفاء الشام بل من لطفاء الشام.
ترك البارودي عدة مؤلفات حول كارثة فلسطين والسفور والحجاب والصلح مع إسرائيل، عدا الموسيقى والفن، كما له ديوانان من الشعر "تاريخ يتكلم" و"قلب يتكلم" وكذلك جزءان من مذكراته ومؤلفات أخرى.
يطول الحديث عن هذا الرجل المتعدد المواهب والأفكار فهو جامع لكثير من الشخصيات في شخصه ولكثير من المواهب في نفسه ولكثير من الأحباء في قلبه.



فــــــوزي بـــن عبــد المجيـــد القاوقجـــي

ولد عام 1890 م          وتوفي عام 1977 م






ولد القاوقجي في مدينة طرابلس لبنان عام 1890. تخرج من المدرسة الحربية عام 1912 في استنبول. خاض مع الشهيد يوسف العظمة معركة ميسلون عام 1920 وأَسَرَ بعض الضباط الفرنسيين. في عام 1925 قاد ثورة حماة. كان قائداً عاماً للغوطة في ثورة عام 1925 حتى عام 1927 غادر سورية إلى السعودية من عام 1928 ـ 1932 ثم غادرها إلى بغداد وكان رئيساً للخيالة في الجيش العراقي.
في عام 1936 قاد حملة من المتطوعين للقتال في فلسطين، حقق العديد من الانتصارات، عهدت إليه جامعة الدول العربية في خريف عام 1947 بقيادة جيش الإنقاذ. في عام 1948 كانت له صفحات بيضاء في القتال مع العدو الصهيوني. انتصر في العديد من المعارك وخذلته بعض الجيوش التي انسحبت من المعارك وتركته وحيداً كالجيش العراقي والأردني إذ كانت قيادة هذه القوات إنكليزية. بعد حرب فلسطين عاش في دمشق بما يشبه العزلة ثم سافر إلى بيروت وبقي فيها حتى وفاته.
كان لي شرف التعرف عليه ومجالسته والحديث معه في حميمية عن كثير من المواضيع. كان ذلك في عامي 1965 ـ 1966، وذلك في بيروت وتحديداً في "بلاج سان ميشيل" حيث كان له شاليه ملاصقة لشاليه خالي عصام بن المرحوم توفيق بك الناطور. كنا نجلس على "أسطوح" الشالية أو نَسْبَح سوية. وقد رأيت عدة إصابات لشظايا القذائف في بطنه وساقيه. كان يتحدث مع عائلته بالألمانية وخاصة مع السيدة زوجته طرفة وهي سيدة جميلة وأنيقة ومهذبة. لفوزي ولدين وابنة أذكر أن اسم ولده الكبير بركان.
رحم الله فوزي القاوقجي، فرغم ما كان له من المواقف مع العديد من الزعماء العرب إلا أن نخوته واندفاعه وشجاعته تشفع له ما كان يتحسس منه الكثيرون. كذلك ما رواه في مذكراته، فله الكثير من المآخذ حيث كانت من وجهة نظره صحيحة، ولكن رؤيتهم كقادة وزعماء يعرفون مقدرات بلادهم أكثر منه، كانت تجعلهم يتخذون مواقف لم تعجب القاوقجي وغير القاوقجي.


لطفــــي بـــــك الحفـــار بـــن حســــــن

ولد عام 1888 م          وتوفي عام 1968 م






من كبار السياسيين والاقتصاديين تخرج في المعاهد السورية والعثمانية، طلب العلم الشرعي على عدد من العلماء وتأثر بهم، فكان من مؤسسي "جمعية النهضة العربية" عام 1906 و"جمعية النهضة القرشية" و"جمعية العربية الفتاة". شارك في الوزارة التي ألفها الدامادا أحمد نامي فتولى وزارة المالية. اعتقل الحفار وبعض زملائه وتم نفيهم إلى محافظة الحسكة لمدة سنتين. انتخب نائباً لرئيس غرفة التجارة بدمشق.
قام على أكتافه مشروع جر مياه نبع الفيجة إلى دمشق عام 1924 كان رئيساً للجنة التأسيسية، ورئيساً لجمعية ملاكي المياه عام 1925. نال عدداً من الأوسمة وشارك في تأسيس عدد من الأحزاب منها "حزب الشعب" 1924 و"الكتلة الوطنية" 1928 و"الحزب الوطني" برئاسة سعد الله بك الجابري عام 1946 ثم تولى الحفار رئاسة الحزب.
في عام 1928 انتخب عضواً في الجمعية التأسيسية لوضع الدستور وانتخب نائباً عن دمشق 1932 ثم نائباً لرئيسه عام 1943. عين وزيراً للأشغال العامة عام 1926 والمالية 1938 والمعارف عام 1939 ثم رئيساً للوزراء عام 1939.
رُشح لرئاسة الجمهورية فاعتذر لصالح صديقه شكري القوتلي. مثّل سورية في مجلس جامعة الدول العربية في القاهرة، وبمؤتمرها في عالية وبيروت عام 1947. اعتزل السياسة وعاش حياة العزلة التي انتهت بوفاته.
كان لطفي الحفار رجلاً على خلق كريم، حسن السيرة نظيف اليد واللسان، أحب وطنه فأحبه وطنه وكل من عرفه. لم تشب حياته شائبة، كان صديقاً وفياً لجميل مردم بك وكذلك لرضا مردم بك ولكثير من الوطنيين الذين كانوا يشاركونه حياة النضال والكفاح والذين وافتهم المنية واحداً تلوَ الآخر حتى كانت وفاته رحمه الله عام 1968. قامت كريمته سلمى مواليد عام 1923 بنشر مذكرات والدها لطفي بك وأضافت عليها لمساتها الساحرة فقد كانت ذات قلم رقيق وجريء. توفيت سلمى عام 2006 رحمها الله تعالى.



رفعتلو محمد رضا مردم بك بن عزتلو عثمان بك

ولد عام 1881 م          وتوفي عام 1963 م





والدته السيدة عدلة خانم قزيها بنت السيد عبد اللطيف، يصل نسبها إلى الحبيب المصطفى ()، ولدت تقريباً عام 1850 وتوفيت عام 1915.
والده عزتلو عثمان بك وردت ترجمته في صفحة سابقة (يرجع إليها).
تزوج من السيدة ثريا ابنة سامي باشا بن حكمت باشا مردم بك (راجع مشجرة العائلة في نهاية الكتاب).
أنجب منها: مأمون ـ هشام ـ فيصل
            براءت ـ عدلة ـ تميمة.
فهو عم جميل مردم بك وعديله في الوقت ذاته.
كان من أعضاء المجلس البلدي البارزين في عهده، جمع نشاط الشباب وحنكة الشيوخ. كان من رجالات الشام البارزين. ناضل منذ نعومة أظفاره من أجل حرية وكرامة بلاده. كان عضواً في جمعية النهضة العربية منذ تأسيسها ثم أصبح رئيساً لها.
كافح ضد الاستعمار التركي ثم الفرنسي، حكم عليه بالإعدام في زمن جمال باشا ولكن عفي عنه لصغر سنه. أسس مع محمد كرد علي جريدة المقتبس، له أياد بيضاء في تأسيس مصنع الإسمنت في دمر (دمشق)، كذلك في مشروع جرّ مياه عين الفيجة إلى مدينة دمشق..
كان يمتلك صحيفة الزمان عام 1925 وكان مديرها وصاحب امتيازها ولم تستمر طويلاً. (كتاب الصحافة السورية صفحة 469).
ألف مع لفيف من رجالات سورية حزباً هو (حزب الوحدة) عام 1925، كان من أعضائه المؤسسين: رضا مردم بك ـ شاكر الحنبلي ـ حبيب كحالة ـ عبد الرحمن الكزبري ـ مصطفى شوقي. ورد ذلك في كتاب مذكرات فهمي المحايري عن الثورة السورية تحقيق تهاني حمزة وتقديم عدنان العطار مجهول دار النشر ومجهول تاريخ الطبع.
لقد كان وجهاء دمشق وأعيانهم يجتمعون في منزل رضا بك ـ وهو جد المؤلف تميم بن مأمون بن رضا بك ـ في كل يوم اثنين وقد كان يحضر هذا الاجتماع الدوري في الخمسينيات وبداية الستينينات من القرن العشرين واللذين كانوا يتناقصون بالوفاة تدريجياً:
محمد رضا مردم بك ـ سامي باشا مردم بك ـ مأمون مردم بك ـ هاشم الأتاسي ـ شاكر الحنبلي ـ الشيخ راغب العثماني ـ الشيخ أحمد القاسمي ـ الشيخ عبد الستار السيد ـ محمود أفندي الصباغ ـ الأستاذ عبد القادر الأسود ـ الشيخ عبد الوهاب الأزرق ـ الدكتور نجيب الأرمنازي ـ الشيخ مصطفى الزرقاء ـ الأستاذ رياض الأتاسي ـ الشاعر خير الدين الزركلي ـ الأستاذ سعيد الغزي و أحياناً غيرهم. وقد أصبحوا جميعاً في ديار الحق إلا كاتب هذا الكتاب جعل الله وفاته على الإيمان إنشاء الله تعالى. لقد كانت مهمتي تقديم الضيافة لهم واغتراف ما يمكن من همسات تصدر عنهم عند دخولي عليهم.
ولا زالت صورهم جميعاً في ذاكرتي والحمد الله. (تراجم آل مردم بك).


محمـــــد بـــــن عبـــد القـــادر بك مــردم بك

ولد عام 1902 م          وتوفي عام 1958 م





والدته السيدة خديجة تحسين بك
والده رفعتلو عبد القادر بك
محمد هو الأخ الأصغر لجميل مردم بك.
تزوج من السيدة: نعمت خانم بنت راشد باشا مردم بك
أنجب منها: مروان ـ زياد ـ معاذ ـ سنية
درس الزراعة في فرنسا عندما كان جميل بك هناك وذلك في جامعة غرونوبل، عمل في وزارة الزراعة كما كان رئيساً لديوان وزارة الزراعة بدمشق 1939.
كان مديراً لمديرية الشؤون الإدارية في وزارة الاقتصاد الوطني مدة عشر سنوات، وفي عام 1952  أحيل على التقاعد. والتفت إلى أعماله الزراعية في أراضيه الخاصة.
توفي في دار الرئيس شكري القوتلي أثناء تهنئته بقيام الوحدة السورية ـ المصرية.



محمــــد ســـــــهيل العشـــــــي (أبـــو محمـــود)

ولد عام 1918 م     وتوفي في آذار 2006 م






















درس الابتدائي في بيروت، ثم في دمشق. دخل مدرسة عنبر عام 1931 للدراسة الإعدادية، في عام 1937 تقدم إلى الكلية العسكرية متطوعاً وتخرج عام 1939. تم تعيينه في دير الزور حتى عام 1941 مدرباً. تمّ استدعاؤه من قبل "حسني الزعيم" هو و"أحمد العظم" و"عبد الرحمن مردم بك" و"عدنان المالكي" كضباط مقاومة بإنشاء خط دفاع حول دمشق لمقاومة القوات الدوغولية عندما جاءت لتحل محل القوات الفيشية. ثم كانت أحداث 29 أيار 1945 وبعدها الجلاء.
في عام 1946 انتدب سهيل العشي من الشعبة الثانية التي كان فيها ليرافق الرئيس شكري القوتلي كمرافق عسكري بدلاً من طالب الداغستاني الذي كان برتبة مقدم. كان مكلفاً بترتيب مواعيد الرئيس واستقبال الزوار والسفراء وغيرهم، كما كان عليه ترتيب الحفلات والولائم الرئاسية. والأهم من كل ذلك الإبقاء على سلامة وأمن الرئيس.
بقي سهيل العشي مرافقاً للرئيس شكري القوتلي حتى 29 آذار 1949. تولى شخصياً التحقيق في حادثة باخرة فؤاد مردم بك الضائعة وتفصيل ذلك في الصفحات السابقة.
بعد قيام حسني الزعيم بانقلابه في 30 /آذار 1949 تم اعتقال سهيل العشي. وفي يوم 17/04/1949 تم تعيينه مديراً عاماً للشرطة والأمن العام في حلب.
في 14/08/1949 وبعد انقلاب سامي الحناوي تم نقل سهيل إلى الكلية العسكرية كمدير لدورة 1949 ـ 1950. وفي 15/05/1950 صدر أمر من رئيس الأركان يقضي بإيفاده إلى مدرسة الأركان بباريز للدورة التي تبدأ في 01/06/1950، عاد بعدها إلى سورية وعهد إليه العقيد أديب الشيشكلي بقيادة سلاح الطيران في 19/08/1951.
قام سهيل العشي آمر سلاح الطيران الثالث بشراء عشرين طائرة "سبت فاير Spit Fire" مروحية وأربع عشرة طائرة نفاثة من طراز "ميتيور Mature" "وكان الملحق العسكري في بريطانيا العقيد عبد الرحمن مردم بك"
في 10/08/1953 التحق العشي بمدرسة الحرب العليا في باريز. عاد بعدها إلى دمشق في أوائل شهر آب 1954 والتحق بالكلية العسكرية في حمص. في عام 1955 وفي شهر تشرين الثاني تم نقل سهيل العشي إلى الجبهة السورية في مسعدة (الجولان)، بعدها تم نقله آمراً للواء المدرعات، وحل محله العقيد عبد الرحمن مردم بك. وفي 17/07/1957 جرى تسريحه مع بعض الضباط الآخرين. وفي 04/02/1962 تم تعيينه سفيراً في المملكة المغربية في عهد الانفصال. وفي 06/07/1962 تم تعيينه سفيراً في الجزائر. اعتزل النشاط عام 1964.



دولة محمد سعيد بك الغزي بن عبد الوهاب

ولد عام 1897 م     وتوفي 18 أيلول 1967 م





تزوج من السيدة بلقيس موره لي
أنجب منها نادية وغازي كانا محاميين.
تمتع دولته بشخصية محترمة لدى الأوساط السياسية السورية كافة، وكلما تأزمت الحالة الداخلية في سورية يستدعى سعيد بك لاستلام الحكم وحل الأزمة على اعتبار أنه يتمتع بثقة جميع الأحزاب. وقد برهن بالفعل وأكثر من مرة عن أنه تلك الشخصية التي تستطيع البلاد الاعتماد عليها.
تخرج من معهد الحقوق عام 1920. وانتخب نائباً في المجلس التأسيسي عام 1928. وفي العام ذاته انتسب إلى الكتلة الوطنية حتى عام 1936. تقلد وزارة العدلية ووكالة وزارة المال العام. وفي عام 1938 عُيّن مديراً عاماً لوزارة الاقتصاد الوطني ثم للبرق والبريد. انتخب نائباً عن دمشق عام 1943 وتقلد وزارة العدلية ووكالة وزارة المالية لعام 1943. وفي عام 1947 تقلد وزارة المالية فوزارة الاقتصاد الوطني فوزارة الصحة والإسعاف العام والعدلية.
في عام 1954 ترأس الحكومة التي أشرفت على الانتخابات ونجح نائباً عن دمشق وفي 13 أيلول عام 1955، تسلم رئاسة الحكومة من جديد مع وزارة الخارجية ولغاية 13 حزيران 1956. اعتزل بعدها السياسة وبقي يمارس عمله في مكتب المحاماة الذي يملكه مع ابنه غازي حفظه الله والمتزوج من غادة مردم بك.
انتخب رئيساً لمجلس النواب بعد الانفصال عام 1961. 

محـــــــب الديـــــــن الخطيــــــــب

ولد عام 1887 م          وتوفي عام 1969 م





ولد محب الدين الخطيب في تموز 1887 بدمشق، وهو ابن الشيخ أبو الفتح الخطيب، ينتمي إلى أسرة دمشقية عريقة تُعرف بالعلم والصلاح وتمارس الخطابة في الجوامع. تلقى الخطيب تعليمه الابتدائي في مدرسة الترقي النموذجية ثم التحق بمكتب عنبر، توفي والده وهو طفل وكانت أمه قد توفيت قبله فبات يتيم الأبوين.
قيض الله لهذا اليتيم العلامة الشيخ طاهر الجزائري فتولى رعايته والعطف عليه. فأشرف على توجيهه وعرّفه على علماء وشيوخ عصره فصحبهم وتأثر بهم وتلقى عنهم علوم الدين والدنيا.
في عام 1905 رحل إلى الأستانة والتحق بكلية الحقوق والآداب، ثم أخذ يعمل مع الطلاب العرب على بث روح الاستقلال والنضال ضد تركيا. أحست به السلطات العثمانية ففر هارباً إلى اليمن حيث عمل مترجماً، واتصل بالإمام يحيى حميد الدين إمام اليمن. وفي عام 1908 عاد إلى دمشق ثم إلى الأستانة وبعدها إلى القاهرة عام 1909 حيث عمل محرراً في جريدتي المؤيد والأهرام.
التحق الخطيب بثورة الشريف حسين عام 1916 في مكة المكرمة حيث أصدر جريدة القبلة هاجم فيها الأتراك. فصدر عليه حكم بالإعدام وعقب دخول الجيش العربي دمشق 1918 وقيام الحكم الفيصلي فيها تولى الخطيب إدارة جريدة العاصمة وهي أول جريدة عربية حكومية تصدر في دمشق.
بعد معركة ميسلون ودخول الفرنسيين دمشق غادرها محب الدين وعاد إلى القاهرة حيث عمل في الصحافة.
كان من رجالات العرب المجاهدين الأحرار، له العديد من المؤلفات الداعية إلى الإسلام والتحرر من الاستعمار. كانت له صداقة مع جميل مردم بك ومحمد كرد علي ولطفي الحفار وعثمان مردم بك وكثير من زعماء الكتلة الوطنية.
توفي في القاهرة بعد بلوغه الثمانين من العمر قضاها مجاهداً بلسانه وقلمه. رحمه الله تعالى.



محمـــــــد فريــــــد كُـــــــرد عــــــــلي

ولد عام 1876 م          وتوفي عام 1952 م




(علاّمة الشام)
من الأسر الكردية العراقية الأصل وينتسبون إلى الأكراد الأيوبية. هاجر جدهم إلى الأناضول ثم استقر في دمشق.
ومحمد كرد علي: علاّمة، أديب، بحّاثه، مؤرخ دمشق، وزير المعارف، من مؤسّس مجمع اللغة العربية بدمشق، من رواد النهضة العربية الحديثة مع محمد رضا بك مردم بك. سافر إلى أوروبا واسطنبول ومصر، عاد إلى دمشق بعد قيام الثورة العربية الكبرى وعين رئيساً لديوان المعارف ثم تحول ذلك الديوان بأعضائه ورئيسه إلى "المجمع العلمي العربي" في 30 تموز 1919 وبقي رئيساً له طوال حياته ثم تسلم الرئاسة خليل مردم بك.
عُهدت إليه وزارة المعارف مرتين: الأولى بين عام (1920 ـ 1922) والثانية بين عام (1928 ـ 1931). تقلد عضوية العديد من مجامع اللغة. له عدد من المصنفات أشهرها وأعظمها "خطط الشام" في ستة أجزاء، "الإسلام والحضارة العربية"، "غرائب الغرب"، "أمراء البيان"، "المذكرات"، "المعاصرون"، "دمشق مدينة السحر والشعر"، "غوطة دمشق وحدودها"، وغيرها الكثير. كان صديقاً حميماً لعثمان مردم بك وجميل مردم بك ومحمد رضا مردم بك ولطفي الحفار ومحب الدين الخطيب وأكثر أعضاء الكتلة الوطنية.



الدكتــــور مدحــــت بـــن رفعــــت شـــــيخ الأرض

ولد عام 1900 م          وتوفي عام 2001 م






من الأسر القديمة قيل إن نسبهم إلى الحسن وقيل إلى الحسين بن علي ().
ولد في دمشق وتزوج من السيدة فائزة بنت سامي باشا ابن حكمت باشا مردم بك وأنجب منها هالة 1941، هتون 1942، رفعت 1943. طبيب، داعية، من مجاهدي الثورة السورية الكبرى، درس في الكلية العلمية الوطنية، ثم تخرج من المعهد الطبي العربي، تخصص في الأمراض الداخلية في فرنسا، لازم الشيخ محمد أمين كفتارو الذي بشرّه بأنه سيكون طبيباً للملك. شارك في الثورة السورية الكبرى عام 1925 فكان يقاتل ويداوي الجرحى صدر عليه حكم من الجيش الفرنسي فهرب إلى الحجاز متنكراً بزي امرأة، واتصل بالملك عبد العزيز آل سعود، فعينه وزيراً للصحة ومستشاراً له مدة 26 سنة وكان من أركان المملكة مع العديد من رجالات سورية، عمل بعدها مستشاراً للملك سعود، ثم عين سفيراً للملكة العربية السعودية في مدريد (1955 ـ 1961). ثم نُقل إلى ليبيا ثم فرنسا (1963 ـ 1964). وفي عام 1972 عين ممثلاً للمملكة العربية السعودية في منظمة الأمم المتحدة في جنيف، وأسس المؤسسة الثقافية الإسلامية في جنيف. وكلفه الملك فيصل ببناء مسجد في جنيف والإشراف عليه، وقد افتتحه الملك خالد عام 1977. وكان له أثر كبير في إشهار إسلام المفكر الكبير روجيه غارودي. عُمِّرَ مئة عام منها 26 عاماً طبيباً ومستشاراً سياسياً و23 عاماً دبلوماسياً، ثم تفرغ للعمل الإسلامي. وقد بنى ورثته مسجداً باسمه في حيّ بيبان بمنطقة جروَل بمكة المكرمة.
كانت تربطة صلة صداقة قديمة بجميل بك وذلك قبل أن يصبح عديله، وقد ترافقا في الفترة التي زار فيها جميل بك السعودية عام 1934 حيث أدّيا معاً العمرة وبقيت هذه المودة حتى وفاة جميل بك عام 1960.



الدكتــــور نجيــــب الأرمنــــازي بـــن محـــمد

ولد عام 1897 م    وتوفي في دمشق 29/01/1968 م





تزوج من السيدة طلعت خانم مردم بك بنت سامي باشا.
درس الابتدائي والإعدادي في سورية ثم تابع دراسته الثانوية في فرنسا.
نال شهادة الدكتوراه في الحقوق وفي العلوم الدولية العليا من جامعة السوربون. وهو عديل جميل بك مردم بك.
أنجب من طلعت خانم ثلاث شباب مسلمة وغيث والدكتور عمرو.
يقول نجيب بك في كتابه "عشر سنوات في الدبلوماسية" بأنه: بعد الاحتلال الفرنسي عام 1920 نزح مع النازحين إلى مصر ومكث فيها زهاء السنة. سافر إلى فرنسا ونال شهادة الدكتوراه. في عام 1929 عاد إلى الوطن ماراً بمصر بدعوة من بعض الزعماء السوريين الوطنيين الذين لم يزالوا هناك. وبعد تولي "محمد علي بك العابد" رئاسة الجمهورية في عام 1932، تولى نجيب بك منصب "الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية" وانقطع عن العمل عندما عطل "دومارتيل" المفوض السامي الفرنسي الأوضاع الدستورية في سورية.
في عام 1936 دعي إلى استئناف عمله في عهد الرئيس "هاشم الأتاسي". وأطلق نجيب بك اسم هذه الفترة "بجمهورية المعاهدة". "كان الأتاسي يثق بأمين سره السيد الدكتور نجيب الأرمنازي ويعتمد على رأيه ودراسته، ولا يثق بسواه، وإذا عرض عليه قرار مرسوم أو بعض المشروعات، حوّلها إليه ليدرسها ويبين ملاحظاته عليها ثم يوافقها".
في عام 1943 وحين أعيدت الأوضاع الشرعية وانتخب السيد "شكري القوتلي" رئيساً للعهد الجديد، عاد الدكتور الأرمنازي مرة ثالثة إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية. وكان من الموقعين على بروتوكول الإسكندرية عام 1944، ومن الذين دافعوا عن فكرة إقامة نظام اتحادي بدلاً من الجامعة العربية.
وفي عام 1945 عين الدكتور نجيب الأرمنازي سفيراً لسورية في لندن حيث أمضى مهمته الدبلوماسية الأولى هناك أربع سنوات ونيّف.
بعد لندن ذهب الدكتور الأرمنازي إلى نيودلهي (الهند) سفيراً عام 1950. وبعدها إلى أنقرة عام 1952 ثم إلى القاهرة عام 1954. ثم عاد إلى لندن عام 1954 وفي عام 1956 عادة كذلك إلى لندن سفيراً.
كان لهذه التنقلات الأثر الكبير في اطلاعه على كثير من الأمور التي تهم بلاده. انتمى إلى حزب الشباب العربي وحزب العهد وحزب الاستقلال وجمعية العربية الفتاة ونال العديد من الأوسمة.
طبع له سنة 1950 و1951 "كتاب السياسة الدولية وأشهر رجالها" في جزئين. كذلك نشرت له جامعة الدول العربية "محاضرات عن سورية من الاحتلال حتى الجلاء". كذلك كتاب "عشر سنوات في الدبلوماسية".




فخامة هاشـــم بك الأتاســــي بن خـــالد

ولد عام 1875 م    وتوفي عام 1960 م




تلقى علومه الثانوية والعالية في الأستانة، بدأ حياته العامة في ولاية بيروت مأموراً فقائمقاماً فمتصرفاً. انتخب عضواً في المؤتمر السوري عام 1919 ثم رئيساً للمؤتمر. شكل الوزارة السورية في عهد الملك فيصل في عهد الانتداب نفي مع رفاقه إلى أرواد وفي عام 1929 انتخب نائباً عن حمص. ولما دعيت البلاد في عام 1936 للمفاوضة على المعاهدة السورية ـ الفرنسية، سافر الوفد السوري إلى باريز برئاسته، عاد بعدها الوفد ظافراً بالمعاهدة، وانتخب عام 1936 نائباً عن حمص، وفي السنة ذاتها انتخب رئيساً للجمهورية السورية حتى عام 1939، حيث استقال واعتزل السياسة حتى عام 1949. وبعد انقلاب حسني الزعيم، ثم الانقلاب على حسني الزعيم في العام ذاته الذي قام به سامي الحناوي، تسلم رئاسة الجمهورية حتى عام 1951، حيث جرى الانقلاب الثالث على يد أديب الشيشكلي. وفي عام 1954 وُضع تحت الإقامة الجبرية بعد الانقلاب الرابع للشيشكلي. وتحت ضغط العناصر العسكرية غادر الشيشكي البلاد ـ وكان حكيماً في ذلك كل الحكمة ـ عاد الأتاسي إلى الحكم حتى أيلول 1955، ثم اعتزل السياسة وانصرف إلى حياته الخاصة بعد أن وهب شبابه وشيبه في خدمة بلده وشعبه.
رحم الله الرئيس الجليل الوقور الحكيم رحمة واسعة.




مختصر مشجرات
تتعلق بصلة القرابة بين
جميل مردم بك ولالا مصطفى باشا الوزير
قائد الجيوش العثمانية وزوجته فاطمة خاتون
حفيدة الملك الأشرف قانصوه الغوري،
وبعض أفراد العائلة
سواء بالقرابة
العصبية أو بالمصاهرة
مع الاعتذار للذين لم يذكروا لضيق المجال.

















































المراجع والمصادر

1 ـ إبراهيم الكيلاني: عبقريات شامية مكتب النشر العربي، دمشق،  ط 1، 1946.
2 ـ أليس بولو: دمشق تحت القنابل دار دانية للنشر، ط 1، دمشق، 1996.
3 ـ أدهم الجندي: شهداء الثورة العربية الكبرى، مطبعة العروبة، دمشق، دون تاريخ.
4 ـ أمين سعيد: الثورة العربية الكبرى ثلاث مجلدات، مطبعة عيسى البابي الحلبي، مصر، ط 1، بدون تاريخ.
5 ـ د. أحمد قدري: مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى، مطابع ابن زيدون، دمشق، 1956.
6 ـ د. أحمد قدري: مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى، وزارة الثقافة، دمشق، ط 2، 1993.
7 ـ أبو الفرج العشي: مجلة الحوليات الأثرية السورية المجلد الثالث عشر، دمشق، دون تاريخ.
8 ـ البديري الحلاق: حوادث دمشق اليومية. ط 1، القاهرة.
9 ـ بيان نويهض الحوت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، سلسلة الدراسات رقم 57، بيروت، ط 1، 1981.
10  ـ تميم مأمون مردم بك: تراجم آل مردم بك في خمسة قرون، دار طلاس، دمشق، 2009.
11 ـ تميم مأمون مردم بك: مجموعة رسائل الخلان في معرفة طبائع أبناء السلطان مخطوط.
12 ـ تميم مأمون مردم بك: الملك قانصوه الغوري الأشرف والوزير لالا مصطفى باشا ذو السيف الأحنف،          دار طلاس، ط 3، 2009.
13 ـ جوزيف إلياس: الصحافة السورية في مئة عام          ج 2 ، دار النضال، بيروت، 1983.
14 ـ خالد العظم: مذكرات خالد العظم ثلاثة أجزاء،          الدار المتحدة للنشر، بيروت، ط 1 ، 1973.
15 ـ د. خيرية قاسمية: عوني عبد الهادي أوراق خاصة منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، 1974.
16 ـ د. خيرية قاسمية: مذكرات فوزي القاوقجي،          دار النمير دمشق، ط 2، 1995.
17 ـ د. ذوقان قرقوط: تطور الحركة الوطنية في سورية دار طلاس دمشق، ط 1، 1989.
18 ـ خليل صليبا: تاريخ دمشق دار إقرأ دمشق 2008.
19 ـ روحي المولوي: مجلة أعلام العرب في السياسة والأدب، مطبعة ابن زيدون، دون تاريخ.
20 ـ الرابطة الأدبية: رجل العروبة جميل مردم بك، بيروت، ط 1، 1948.
21 ـ زهير الشلق: من أوراق الانتداب دار النفائس، بيروت، ط 1، 1989.
22 ـ د. سلمى جميل مردم بك: أوراق جميل مردم بك استقلال سورية، شركة المطبوعات، بيروت، ط 1 1994 .
23 ـ د. سليمان المدني: هؤلاء حكموا سورية دار الأنوار، دمشق، 2007 .
24 ـ سلمى لطفي الحفار: يوميات هالة، دار العلم للملايين، ط 1، 1950 .
25 ـ سلمى لطفي الحفار: مذكرات لطفي الحفار، دار رياض الريس، لندن + بيروت، ط 1، 1997 .
26 ـ د. سهيلة الريماوي: جمعية العربية الفتاة السرية دراسة وثائقية، دار مجدلاوي، عمان، 1988 .
27 ـ سعيد التلاوي: كيف استقلت سورية.
28 ـ عبد الله حنا: عبد الرحمن الشهبندر، الأهالي للطباعة والنشر، ط 1 .
29 ـ عدنان الملوحي: أيام الشام مذكرات، المطبعة التعاونية، دمشق، ط 1، 1994 .
30 ـ عدنان الملوحي: وطنيون وأوطان صور من نضال الشعوب، المطبعة التعاونية، ط 1، 1998 .
31 ـ عبد الله الخاني: جهاد شكري القوتلي، دار النفائس بيروت، 2003 .
32 ـ عبد الغني العطري: عبقريات، دار البشائر، دمشق، 1997 .
33 ـ عبد الغني العطري: عبقريات، دار البشائر دمشق، 2000 .
34 ـ د. عبد الرحمن البرج: أعلام العرب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، 1990
35 ـ فارس زرزور: معارك الحرية في سورية، دار الشرق للنشر، دمشق، 1962.
36 ـ فليب خوري: أعيان المدن والقومية العربية، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1993 .
37 ـ فخري البارودي: أوراق ومذكرات، تحقيق دعد الحكيم في جزأين، وزارة الثقافة دمشق، 1999 .
38 ـ فائز الشلاش: دار المستقبل العربي، القاهرة، ط 2، 2001.
39 ـ كوليت الخوري: أوراق فارس الخوري، ج 1، دار طلاس، 1989 .
40 ـ كوليت الخوري: أوراق فارس الخوري، ج 2، دار طلاس، 1997 .
41 ـ محمد كامل الخطيب: المؤتمر العربي الأول، وزارة الثقافة، دمشق، ط 2، 1996 .
42 ـ محمد حرب فرزات: الحياة الحزبية في سورية، دار الرواد، 1955 .
43 ـ محمد سهيل العشي: فجر الاستقلال في سورية، دار النفائس، ط 1، 1999 .
44 ـ محمد أمين الحسيني: حقائق عن قضية فلسطين، مكتب الهيئة العربية العليا لفلسطين، المطبعة السلفية، القاهرة، 1954 .
45 ـ محمد جميل الشطيل: تراجم أعيان دمشق، دار اليقظة العربية، دمشق، 1948 .
46 ـ محمد كرد علي: خطط الشام ستة أجزاء، مطبعة الترقي، دمشق، ط 1، 1927 .
47 ـ د. محمد شريف عدنان الصواف: موسوعة الأسر والأعلام الدمشقية، بيت الحكمة، ط 2، 2008 .
48 ـ محمد كرد علي: مذكرات محمد كرد علي، مطبعة الترقي، ج 1، 1948 دمشق.
49 ـ العماد أول مصطفى طلاس: ذكرى الجابري، دار طلاس، دمشق، ط 2، 2007 .
50 ـ منير المالكي: من ميسلون إلى الجلاء سيرة سياسية، وزارة الثقافة، دمشق، 1991.
51 ـ من هم في سورية: مكتب الدراسات السورية والعربية، دمشق، 1957 .
52 ـ مكتب الهيئة العربية العليا لفلسطين، سلسلة دراسات رقم 65
53 ـ د. نجيب الأرمنازي: سورية من الاحتلال إلى الجلاء، دار الكتاب الجديد، بيروت، ط 2، 1973.
54 ـ د. نجيب الأرمنازي: عشر سنوات في الدبلوماسية، دار الكتاب، الجديد، ج 1، 1963 .
55 ـ نعمة زيدان: رجالات سورية ولبنان في القرن العشرين، بيروت، 1956 .
56 ـ د. نزار كيالي: دراسة في تاريخ سورية السياسي المعاصر، دار طلاس، ط 1، 1997 .
57 ـ وليد المعلم: سورية 1916 ـ 1946، دار طلاس دمشق، 1988 .
58 ـ إضافة إلى أرشيف المؤلف الخاص بالعائلة من مخطوطات وصحف قديمة وذكريات عائلية.









نبذة عن السيرة الذاتية للمؤلف

ـ هو تميم بن مأمون مردم بك من بيت عربي ثقافة وتاريخاً احتلت أسرته مكانة رفيعة بين الناس لدماثة أخلاق أفرادها.
ـ ولد المؤلف عام 1943 بدمشق، ودرس في مدارس دمشق، حاز على إجازة في الحقوق من جامعة دمشق.
ـ له العديد من المؤلفات نشر منها:
كتاب «غزل الحرير في تاريخ أبناء لالا مصطفى باشا الوزير» عام 1998 م.
كتاب «تراجم آل مردم بك في خمسة قرون»        عام 1998 م.
كتاب «القطر المختار في بحور الأئمة الأخيار» عام 2001 م.
كتاب «فيض الملك العلام فيما جاء لأهل البيت من الإكرام» و«منير الغرام من أحاديث سيد الأنام في فضل الشام» تأليف الشيخ نصري الحسيني الخلوتي رحمه الله تعالى ـ  تحقيق تميم مردم بك عام 2004 م.
كتاب «قبس الشهاب على ترتيب أحاديث الشهاب» تأليف القاضي أبو عبد الله بن سلامة القضاعي الشافعي ـ تحقيق تميم مردم بك ط 1، عام 2006 م.
كتاب «الملك قانصوه الغوري الأشرف والوزير لالا مصطفى باشا ذو السيف الأحنف» عام 2007 م.
كتاب «مختصر تاريخ الخلافة الإسلامية من أبو بكر الصديق إلى المتوكل خاتمة الطريق» دار طلاس 2008 م.
كتاب «تراجم آل مردم بك في خمسة قرون طبعة مزيدة ومنقحة حتى عام 2009» دار طلاس 2009 م.
كما لديه مخطوطات ووثائق عديدة عن آل مردم بك.
اعتنى بالمشجرات العائلية. فله مشجرة آل مردم بك. ومشجرة آل الخرسا وهم أجداده لأمه. ومشجرة آل القزيها وهم أجداده لأم جده. ومشجرة آل الهبل وهم أسرة زوجته.
اللهم ارحم ما خلقت، واغفر ما قدرت، وطيب ما رزقت، وتقبل ما يسرت بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.



الفهرس

الإهداء ................................................ 5
شكر وتقدير ......................................... 7
التاريخ فرعان ...................................... 9
كلمة حق ............................................. 11 ـ 16
المقدمة ................................................ 17 ـ 18
نبذة عن أسرة جميل مردم بك ................. 19 ـ 27
نشأة جميل مردم بك ................................ 21
حياة جميل بك السياسية .......................... 29 ـ 34
المؤتمر العربي الأول ............................ 30
جمعية العربية الفتاة السريّة ..................... 35 ـ 39
الحزب الوطني 25/01/1920 .................. 41 ـ 44
نشأته وظروف تأسيسه ............................. 41
العهد الملكي الفيصلي ............................ 45 ـ 64
جميل مردم بك في فلسطين (1922 ـ 1314) 65 ـ 72
صدور العفو عن الوطنيين ...................... 73 ـ 79
اشتداد الأزمات وبداية ثورة 1925 ........... 74
حزب الشعب ....................................... 81 ـ 82
تعيين هنري دي جوفنيل مفوضاً سامياً ...... 83 ـ 84
تعيين هنري بونسو مفوضاً سامياً ............. 85 ـ 97
تعيين دومارتيل مفوضاً سامياً .................. 99 ـ 104
الإضراب الستيني ................................. 105 ـ 108
معاهدة باريز 1936 ............................... 109 ـ 128
لواء إسكندرون واسطة العقد السوري ....... 129 ـ 133
اغتيال الدكتور عبد الرحمن الشهبندر ........ 135 ـ 181
تفصيل عملية اغتيال الشهبندر لعلاقة ذلك بجميل مردم بك وصحبه ..........................   137
المحاكمة ..............................................   141
دمشق في 26 أيار 1945 الجنرال أوليفا روجيه 183 ـ 197
تأسيس جمعية الهلال الأحمر العربي السوري وانتمائه إلى الصليب الأحمر الدولي في جنيف 199 ـ 201
فلسطين الجرح الدامي في فؤاد الأمة العربية 203 ـ 226
هكذا ضاعت فلسطين 206
الحكومات التي تولى رئاستها جميل مردم بك
من (21/12/1936 وحتى 01/12/1948) 227
الوزارات التي كان عضواً فيها ............... 229 ـ 230
وداعاً سورية لا لقاء بعده ....................... 231 ـ 233
صفحات متناثرة .................................... 235 ـ 307
القصيدة الظالمة ...................................... 237 ـ 240
مقالة أعجبتني ........................................ 241 ـ 242
القاعة الأثرية الشامية في المتحف الوطني بدمشق 243 ـ 250
قصة الباخرة المخطوفة التي استغلها خصوم جميل مردم بك ...................................... 251 ـ 261
«رواية مؤسسة الدراسات الفلسطينية» عن حرب فلسطين 1947 ـ 1948 ................. 263 ـ 270
موكب جميل مردم بك ومفتش الشرطة الفرنسي ... 271 ـ 274
صندوق جميل بك ................................... 275 ـ 276
مقتطفات من مقال بقلم شاعر العروبة بدوي الجبل 277 ـ 283
صفحة من جهاد سورية ........................... 285 ـ 288
جميل مردم: جيل ورعيل ......................... 289 ـ 291
جميل مردم بك في ذمة الله. العالم العربي يهتز لهذه الكارثة المؤلمة .......................... 293 ـ 295
الرجل الذي دخل الخلود من أوسع أبوابه هز المصاب فيه دمشق والوطن العربي كله ........ 297 ـ 307
ـ أزمة غلاّبة ....................................... 297
ـ الرجل الخالد ...................................... 298
ـ إلى دمشق ......................................... 299
ـ تشييع الجثمان .................................... 299
ـ مراثي الخطباء ................................... 300
ـ مأدبة القوتلي ..................................... 304
ـ وفد حمص ........................................ 304
شخصيات في حياة جميل مردم بك .......... 309 ـ 421
إبراهيم الخليل بن أحمد مختار مردم بك ....... 313 ـ 315
الزعيم الوطني إبراهيم هنانو ..................... 316 ـ 317
الدكتور أحمد قدري الترجمان .................... 318 ـ 320
أحمد بن موسى مريود ............................. 321 ـ 324
أديب بن عبد القادر مردم بك ..................... 325 ـ 326
توفيق بك الناطور ................................... 327 ـ 328
المشير حسني الزعيم ............................... 329 ـ 331
دولة خالد بك العظم بن فوزي باشا .............. 332 ـ 335
رمضان الشلاش .................................... 336 ـ 339
سامي باشا بن حكمت باشا مردم بك ............ 340 ـ 341
سعد الله بك الجابري ............................... 342 ـ 344
الدكتورة سلمى مردم بك ...........................   345 ـ 350
فخامة الرئيس شكري بن محمود القوتلي ....... 351 ـ 353
صفوت خانم ابنة سامي باشا مردم بك ......... 354 ـ 355
عثمان بك مردم بك ................................. 356 ـ 360
رفعتلو عبد القادر بن عزتلو عثمان مردم بك
361 ـ 362
دولة عثمان صائب بك سلام ...................... 363 ـ 366
الشهيد عبد الرحمن الشهبندر ..................... 367 ـ 369
الدكتور علي حيدر مردم بك بن سامي باشا ............... 370 ـ 372
عطا بك الأيوبي الأنصاري ....................... 373 ـ 376
علي رضا باشا الركابي ............................ 377 ـ 380
عوني بك عبد الهادي .............................. 381 ـ 384
فارس بك بن يعقوب جبور الخوري ............ 385 ـ 387
فخري بك البارودي بن محمود .................. 388 ـ 391
فوزي بن عبد المجيد القاوقجي ................... 392 ـ 394
لطفي بك الحفار بن حسن ......................... 395 ـ 397
رفعتلو محمد رضا مردم بك بن عزتلو عثمان بك 398 ـ 400
محمد بن عبد القادر بك مردم بك ................ 401 ـ 402
محمد سهيل العشي (أبو محمود) ................. 403 ـ 406
دولة محمد سعيد بك الغزي بن عبد الوهاب ... 407 ـ 408
محب الدين الخطيب ................................ 409 ـ 411
محمد فريد كرد علي ............................... 412 ـ 413
الدكتور مدحت بن رفعت شيخ الأرض ......... 414 ـ 416
الدكتور نجيب الأرمنازي بن محمد ............. 417 ـ 419
فخامة هاشم بك الأتاسي بن خالد ................. 420 ـ 421
مختصر مشجرة الوزير لالا مصطفى باشا             + فاطمة خاتون الغوري ............................. 423
مختصر مشجرة عزتلو عثمان بك مردم بك .. 424
مختصر مشجرة علي بك مردم بك                  + خديجة داغستاني ................................ 425
المراجع والمصادر ................................. 427 ـ 432
نبذة عن السيرة الذاتية للمؤلف .................... 433 ـ 434